turkastan_810608064

لهذه المنطقة مكانة خاصة ، ذلك أن المسلمين بها أغلبية لا أقلية ، لكن وقوعها بين قوتين كبيرتين أدى لمعاناة الشعب المسلم بالتركستان الشرقية ، ودخلوا في صراع دام حوالي قرنين وانتهى الصراع باحتلال أرضه ومحاولة إذابة شخصيته الإسلامية في محيط بشري يحاول ابتلاعه ، فتارة يحتل أرضه الروس في غزو قادم من الغرب ، وتارة أخرى تأتيه جحافل الغزاة من الشرق من الصين وأخيراً ضم إقليم التركستان الشرقية عنوة إلى الصين في سنة 1299هـ – 1881 م .

ولم يستسلم شعب التركستان المسلم للاحتلال الصيني ، بل قاوم هذا الغزو في انتفاضات عديدة وحاولت الصين تهجير الملايين من سكانها إلى التركستان لتحد من الأغلبية الإسلامية التي وصلت إلى 90% قبل سياسة التهجير ، ثم انخفضت النسبة إلى 70% وأدى هذا إلى طمس للمعالم الإسلامية بالبلاد ، واكتملت مرارته بضم التركستان للصين وأطلقوا عليها “سينكيانج” أي “المقاطعة الجديدة” وهي جديدة حقا على الكيان الصيني .

الأرض والسكان

 التركستان الشرقية قسم من التركستان عامة ، شرقية وغربية ، ولقد واجهت التركستان الغربية نفس مصير شقيقتها ، فمرت بنفس المحنة ، والتركستان بعامة تشغل حيزاً كبيراً من وسط القارة الآسيوية ، حيث كانت موطناً للقبائل التركية ، وتشغل المنطقة برمتها مساحة تزيد على خمسة ملايين ونصف المليون من الكيلومترات المربعة ، قدر عدد سكان التركستان عامة بخمسين مليوناً .

نصيب التركستان الشرقية من هذا 1.646.555 كم 2 ، وجملة السكان 13.180.000 نسمة في سنة 1404هـ – 1984 م . ويتكون السكان من جماعات الأويغور والقازاق والقيرغيز والأوزيك والتاجيك ، ولقد جلبت الصين ملايين من الهان الصينيين وأسكنتهم التركستان الشرقية ، للتقليل من الأغلبية المسلمة .

الموقع :

تشترك في حدودها في الجنوب مع أفغانستان وكشمير والصين ، وتشترك حدودها الشرقية مع الصين ، وفي الشمال الشرقي تشترك مع منغوليا ، وفي  الغرب تشترك حدودها مع الاتحاد السوفياتي ، وتنحصر أرض التركستان بين دائرتي عرض 37 ْ شمال الاستواء 49 ْ شمالاً وبين خطي طول 75 ْ ، 95 ْ شرقاً .

الأرض

تتكون أرض التركستان من حوضين ، حوض جونغاريا في الشمال وينحصر بين جبال تنفري وجبال التاي في شماله ، وجبال تيان شان في جنوبه ، وفي غرب هذا الحوض بوابة جونغاريا التي كانت معبراً لقوافل طريق الحرير .

ويتصف مناخ حوض جونغاريا بالتطرف والقارية ، وينتمي إلى المناخ الصحراوي ذي الطراز البارد في الشتاء والحار في الصيف والحوض الثاني بالتركستان الشرقية هو حوض تاريم أو صحراء تكلا مكان ، ويوجد في جنوب الحوض الأول وتفصل بينهما جبال تيان شان وتحاصر المرتفعات منطقة التركستان الشرقية من جميع الجهات تقريباً ، وأبرز أنهار التركستان الشرقية نهر تاريم وينبع من الثلوج المتراكمة على المرتفعات ، ويصب في بحيرة لوب نور ( قرة بوران ) . ويبلغ طوله 1500 كيلومتر ، وبهذا القسم منخفض تورفان وينخض عن مستوى البحر 278 متراً ، ومناخ هذا الحوض مشابه مناخ حوض جونغاريا السابق .

الأنشطة البشرية

الأنشطة البشرية تتمثل في مراكز التجمعات البشرية بالواحات وحول الأنهار وعلى سفوح الجبال ، وتزرع الحبوب والعديد من الفواكه ويزرع القطن ، وتربى الحيوانات لاسيما الأغنام وبالمنطقة ثروة معدنية أسالت لعاب المستعمرين ، وعاصمة التركستان الشرقية أورومجي ومن مدنه البارزة كاشغر ، التي وصلتها الجيوش الإسلامية في سنة 69هـ . بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي.

كيف وصل الإسلام إلى التركستان الشرقية ؟ 

بعد أن فتح الله على المسلمين فارس ، استمر تقدم الإسلام شرقاً ففتحت بخارى وسمرقند ، واستمر التقدم الإسلامي نحو الشرق فعبر وسط آسيا ووصل القائد قتيبة بن مسلم إلى كاشغر في غربي التركستان الشرقية مع نهاية القرن الأول الهجري .

واستمر انتشار الإسلام بالتركستان في عهد الأمويين والعباسيين ، وفي العصر العباسي أسلم الخاقان ستوف بوغرا في سنة 232هـ من الهجرة ، وتلى ذلك إسلام أبنائه الخواقين موسى بوغرا وهارون بوغرا ، وهكذا أخذ الإسلام يعم المنطقة ، وسرت العربية خلف الإسلام ، واستخدمت في ميادين عديدة من الكتابة ، وأنجبت التركستان الشرقية علماء قدموا للتراث الإسلامي الشيء الكثير ، كان منهم سديد الدين كاشغري ، وحمود كاشغري . وشهدت هذه المرحلة توسعاً إسلامياً في غربي الصين وحمل لواء الدعوة أبناء التركستان ، وأصبح الإسلام الدين الرسمي بالبلاد .

ونعم المسلمون بقترة من الاستقرار لم يعكر صفوهم إلا غزوة من جانب بعض القبائل التركية الوثنية في سنة 466هـ ، ثم تعرضوا للغزو المغولي في القرن  السابع الهجري ، ثم هدى الله خواقين المغول للإسلام ، فاستقرت الأحوال وظلت التركستان الشرقية دولة إسلامية مستقلة .

وجاء حكم المنشوريين للصين ، وبدأت متاعب التركستان ، باستيلاء الصينيين عليها وإمعاناً في تفتيتها قسموها إلى مقاطعتين ، شمالية عرفت بجونغاريا ، وجنوبية عرفت بكاشغر وسموها ” سينكانج ” أي المقاطعة الجديدة كما سبق .

وفي ظل الاحتلال الصيني توالت الانتفاضات من مسلمي التركستان الشرقية ورفض المسلمون طغيان الاحتلال ، فظهرت انتفاضة الخوجوات ، نسبة لمحمود الملقب بالخوجة ، وقضي الصينيون على هذه الانتفاضة ، وتلى هذا انتفاضة أخرى قام بها مها نكيز في سنة 1236هـ ، وقضي عليها المنشوريون الصينيون في سنة 1243هـ ، واستمرت عملية رفض شعب التركستان الشرقية للاحتلال ، فقام يعقوب بك بانتفاضة أخرى واستطاع أن يقيم دولة مستقلة ، وقضي عليها الصينيون في سنة 1294هـ .

وانتهى حكم المنشوريين وجاء حكم جديد بزعامة الدكتور صن يات صن ، وتعاون الصينيون والروس على تمزيق شعب التركستان الشرقية ، وقاوم الشعب بقيادة خوجة نياز سنة 1350هـ وأسس جمهورية التركستان الشرقية الإسلامية ، ولكن التعاون الروسي الصيني أنهى هذه الجمهورية ، ثم قاوم الشعب التركستاني بقيادة إلياس خان وسلطان شريف ، ثم ثاروا بقيادة عبد الله نياز سنة 1356هـ ، وقامت انتفاضة ضد نفوذ الصين تحت قيادة عثمان باتور ، وأعلن تأسيس جمهورية التركستان الإسلامية ، غير أن الغزو الشيوعي الصيني قضي عليها في سنة 1369هـ ، ودخلت التركستان الشرقية حوزة الحكم الصيني .

وقام الشيوعيون الصينيون بإحصاء في سنة 1373هـ كانت نتيجته أن المسلمين يشكلون 90 % من جملة السكان البالغ عددهم خمسة ملايين ، وساءهم ذلك فعمدوا إلى تهجير غير المسلمين إلى المناطق الإسلامي ، فانخفضت نسبة المسلمين إلى 70 % سنة 1368هـ ، وأغلق الشيوعيون المدارس الإسلامية والمساجد واستولوا على الأوقاف الإسلامية ، وهكذا دخل شعب التركستان في صراع جديد ، ولقد اضطر عدد كبير من مسلمي التركستان الشرقية  إلى الهجرة نتيجة الاضطهاد الديني ، وبلغ عددهم مئات الآلاف ، أقام بعضهم في تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية ، وبعض الدول والبلدان الإسلامية في جنوب شرقي قارة آسيا ، وتوجهت حكومة التركستان الشرقية بنداء إلى المهاجرين من التركستان الشرقية تدعوهم إلى العودة ، ونأمل أن يجد المسلمون حرية دينية نتيجة التسامح الديني الذي تنوي الصين الشيوعية تطبيقه في الآونة الأخيرة ، ويقدر عدد المسلمين في سينكيانج بحوالي 9.226.000 نسمة ، ولقد كان بالتركستان 16 ألف مسجد قبل الحكم الشيوعي ويصل عددها حالياً إلى حوالي 9 آلاف مسجد .

التعليم الإسلامي

كان التعليم الإسلامي ناهضاً قبل احتلال التركستان ، وكانت الأوقاف الخيرية التي رصدت للتعليم تشمل 20 % من مساحة البلاد وانتشرت المدارس في مناطق عديدة من التركستان الشرقية .

ومنذ أن حكمت الصين التركستان الشرقية أخذت تعمل على محاربة التعليم الإسلامي بطرق شتى ، منها فرض كتب مدرسية تحارب الدين ، وعمل مسرحيات تحارب العقيدة ، وتربية الأطفال تربية إلحادية ، وحرقت الكتب الدينية ، وسخرت الإذاعة لمحاربة الدين ، ومنعت التعليم الديني قانونياً ، وعلقت الملصقات التي تحارب الأديان ، وحرمت الصلاة والصوم ، وحولت المساجد إلى متاحف . وهكذا يعاني شعب التركستان المسلم من بطش الإلحاد .

وفي الآونة الأخيرة بدأت الأوضاع العامة للمسلمين تتحسن ، فلقد جاء في مذكرة الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامية لمؤتمر القمة الإسلامي بمكة المكرمة : أنه نتيجة تحسين نظرة حكومة الصين الشعبية للمسلمين ، تطالب رابطة العالم الإسلامي الحكومات الإسلامية بالقيام بمساع لدي الصين الشعبية لتحقيق المزيد من الحرية الدينية للمسلمين في  التركستان الشرقية ، هذا بالنسبة للدول التي لها علاقات بالصين الشعبية ، وإرسال الوفود الإسلامية بصورة متواصلة للتركستان ، ومحاولة إيجاد بعض المؤسسات الإسلامية الثقافية بالتركستان وتقديم المساعدات الثقافية الإسلامية . ولقد سمح للمسلمين في التركستان الشرقية باستخدام الحروف العربية في كتابتهم الإسلامية .

صحوة إسلامية بالتركستان الشرقية

في الآونة الأخيرة تشهد التركستان صحوة إسلامية كبرى ، تتمثل في إنشاء آلاف المساجد والمدارس الإسلامية ومن هذه المدارس معهد لتدريب الأئمة في أورمجي ، كما بدأت حركة ترجمة لمعاني القرآن الكريم وأمهات الكتب الإسلامية إلى لغة الأويفور ، كما وضعت خطة لتخريج 1000 إمام في خلال 5 سنوات ، وفي كاشفر قامت الجمعية الإسلامية بإنشاء المساجد في مناطق المسلمين القزاق ، وتخشى الحكومة الصينية من هذه الصحوة ، فموقع التركستان الشرقية المحاط ببلدان إسلامية ، وتاريخها الإسلامي ، وتمتعها بأغلبية مسلمة يؤهلها لتكون دولة إسلامية في المستقبل . ولهذا قامت السلطات الصينية بحركة قمع ضد المسلمين في التركستان الشرقية في 25 / 11 / 1990 م .

المصدر : السكينة

اترك رد