تقع إسبانيا في جنوب غربي قارة أوروبا، في شبه جزيرة أيبريا، وتفصل جبال البرانس بينها وبين جارتها فرنسا من ناحية الشمال الشرقي، ويحدها المحيط الأطلنطي والبرتغال من الغرب، وتطل على خليج بسكاي من الشمال، ويحيطها البحر المتوسط من الجنوب والشرق، وفي جنوبها يقترب اليابس الأوروبي من الإفريقي ممثلاً في البروز الذي يشغله جبل طارق، وحيث يطل على مضيق طارق همزة الوصل بين المحيط الأطلنطي والبحر المتوسط، والمضيق والجبل يحملان اسم فاتح الأندلس منذ نهاية القرن الهجري الأول حتى الآن.

 اسبانيا

العاصمة: مدريد، وأهم المدن قرطبة وبرشلونة.
يبلغ تعداد سكان إسبانيا 48 مليون نسمة، يمثل الرومان الكاثوليك 94% منهم، و6% لآخرين، يشكل المسلمون نحو 2.5 في المائة (مليون ونصف تقريباً).

تاريخ الإسلام في إسبانيا:
وصل الإسلام إلى إسبانيا مبكراً، وذلك عندما فتح المسلمون شبه جزيرة إيبريا في سنة 93هـ – 711م، واكتسح المد الإسلامي أكبر مساحة من شبه جزيرة أيبريا في سرعة مذهلة، وأتى الفتح بنتائج رائعة، وذلك بفضل الجهاد والتسامح الديني عند الفاتحين.

ولقد كانت الموجة الأولى لفتح الأندلس من المؤلفة قلوبهم من العرب والبربر الذين آخى بينهم الإسلام فاندفعوا يفتحون قرى ومدن إيبريا، وبهذا الفتح تحول الأندلس إلى مشعل الحضارة الوسيطة، وامتد تأثير الحضارة الإسلامية إلى الممالك الأوروبية.

 95559-10

ظل المسلمون يحكمون إسبانيا ثمانية قرون لم يفرضوا الإسلام على أهلها وتركوا لهم حرية العقيدة، إلى أن سقطت دولة المسلمين ومارست الكنيسة الكاثوليكية الحاكمة أبشع طرق التعذيب والاضطهاد عن طريق محاكم التفتيش التي خيّرت المسلمين بين ترك عقيدتهم ودخول الكاثوليكية وبين الإعدام أو الهجرة إلى إفريقيا سيراً على الأقدام ومن دون أموالهم ودوابهم.
قتل أكثر من نصف مليون مسلم في هذه المحاكم وعذب الملايين.

أوضاع المسلمين في الوقت الحاضر:
يمكن تقسيم فئات الأقليات المسلمة في إسبانيا إلى الفئات التالية:
1 – الطلاب: تزايد عدد طلاب العلم من المسلمين في إسبانيا حتى بلغ عدة آلاف..
ولقد كانت مساعدة الطلاب الوافدين من أهم أعمال الجيل الجامعي السابق عليهم والذي تولى مهمة الدعوة، ولهذا تأسست الجمعية الإسلامية الإسبانية سنة 1391 هـ – 1971م.

2 – العمال: هم أكبر الفئات الإسلامية، فهم أكثر من ثلثي عدد المسلمين في إسبانيا.
ازدادت هجرة العمال المسلمين في سنة 1396 هـ- 1976م، لا سيما عمال المغارب العربية؛ بسبب المعاناة التي حدثت للعمال المسلمين في غرب أوروبا، ثم ازدادت الهجرة الإسلامية بعد ذلك حتى وصل عدد العمال المسلمين في لشبونة إلى أكثر من 50 ألفاً، معظمهم من المغاربة، وأغلب هؤلاء من الشباب، ومعظمهم من دون أسرهم، كما أن أغلبهم أميّ، لذا من السهل انحرافهم.
ولقد تنبه المركز الإسلامي في إسبانيا لهذا الخطر، فأخذ يعمل على تعميق الهوية الإسلامية بين هؤلاء.

3 – المسلمون الإسبان: وهؤلاء اعتنقوا الإسلام طواعية وعن اقتناع بعد أن تكشّفت لهم صورته الحقيقية التي حاول تشويهها المسيحيون، وأسهم في ذلك صدور قانون حرية العقيدة في إسبانيا بعد تعصب دام قرون عدة، وهذه الفئة من المسلمين منتشرة في غرناطة، وإشبيلية، وملقا، وقرطبة، ومدريد.

4 – المسلمون في الجيوب الاستعمارية الإسبانية: في المغرب في سبتة ومليلة.

يتركز المسلمون في الولايات الكاتالونية، مثل: برشلونة، وترقونا، وخيرونا، ثم تأتي بعد ذلك منطقة الجنوب التي تسمى في إسبانيا “الإقليم الأندلسي”، مثل: منطقة قرطبة وغرناطة، وكذلك منطقة فالينسيا.

مع تزايد أعداد المسلمين المهاجرين بغرض العلم والعمل في المجتمع الإسباني، ظهرت مجموعة من الهيئات والمؤسسات الإسلامية في غرناطة، ثم انتشرت خصوصاً بعد صدور قرارات حرية الأديان، ويبلغ عددها 49،
منها:المركز الإسلامي الإسباني، جمعية المسلمين الإسبان في غرناطة، الجمعية الإسلامية في إسبانيا، الجمعية الإسلامية في قرطبة، الجمعية الإسلامية في إشبيلية، والمفوضية الإسلامية في إسبانيا.

ispine_3_303736673

كما يوجد المركز الإسلامي الثقافي في مدريد ويضم مسجداً ومدرسة تقوم بتعليم العلوم الإسلامية واللغة العربية واللغة الإسبانية والقرآن الكريم، ومعملاً لتعليم اللغات، ويوجد المعهد العربي للدراسات الأكاديمية، والمعهد الإسباني العربي للثقافة في مدريد، والمدرسة العربية في مدريد.

احتياجات المسلمين في إسبانيا:
– وجود إدارة تجمعهم وتوحّد رأيهم وتفاوض الحكومة الإسبانية وتحل مشكلاتهم بشكل رسمي.
– الحاجة إلى زيادة أعداد المدارس والمعاهد العلمية الإسلامية التي تدرّس الدين الإسلامي لأبناء المسلمين.
– توافر أساتذة لتدريس الإسلام واللغة العربية.
– ترجمة التفاسير والكتب الإسلامية للغة الإسبانية.
– إصدار أكثر من صحيفة ناطقة باسم الأقلية المسلمة وإنشاء قناة تلفزيونية وإذاعة خاصة.
– الحاجة إلى دعاة يجيدون العربية والإسبانية للدعوة بين المسلمين ونشر الدعوة بين غير المسلمين.

تزايدت أعداد المسلمين في اسبانيا في السنوات الأخيرة حتى اصبحوا جالية كبيرة لها مكانتها ، خاصة بعد أن نشطت الهجرة من شمال أفريقيا (المغرب والجزائر) لتعبر الى اوروبا من خلال مضيق جبل طارق ، ونظرا لهذه الزيادة المطردة لاعداد المسلمين بدأ الاهتمام بإقامة المساجد وأماكن الصلاة سواء في المدن الكبرى أو في العديد من القرى الصغيرة الجاذبة للعمالة المهاجرة، وبدأت هذه المساجد تلفت الانظار إليها وتتحول إلى أماكن للقاء وتضيء أبوابها ومآذنها احتفالا بشهر رمضان الكريم، وفي أماكن وجود تلك المساجد بدأت تنتشر عادات جديدة لم تكن معروفة من قبل، مثل ” موائد الإفطار، ومدارس تعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم لأبناء المسلمين حتى لا تضيع لغتهم مع مرور الأجيال” .

هذه الظاهرة تعتبر جديدة على اسبانيا الكاثوليكية التي كانت منذ سقوط غرناطة قبل خمسة قرون وقيام دولة اسبانيا الموحدة تحت التاج الملكي الكاثوليكي لا تعترف بأي دين آخر غير «الكاثوليكية»، حتى الكنائس المسيحية الأخرى من أرثوذكية وبروتستانتينية وغيرهما من الفروع الأخرى النابعة عن الديانة المسيحية، إضافة إلى الديانتين السماويتين الأخريين الإسلام واليهودية اللتين لم يكن معترفا بهما، بل أن أفرادهما كانوا يعتبرون في حكم «الملحدين» طبقا لقوانين اسبانيا الكاثوليكية، وكان القانون يعاقب على ممارسة الطقوس الدينية طبقا لتلك الأديان، ويأمر بمصادرة أموال من يثبت ممارستهم لشعائر مخالفة للكنيسة الكاثوليكية، لذلك كان تتم ممارسة شعائر تلك الأديان سرا، أو في أحيان كثيرة تحت رقابة حكومية مشددة.

ظل هذا الوضع على حاله حتى فترة قليلة قبل موت الجنرال فرانكو وتحول اسبانيا الى النظام التعددي الديمقراطي، وتحولت اسبانيا إلى دولة علمانية لا دينية طبقا لدستور عام 1978، ومنذ ذلك الوقت اتخذت السلطات الاسبانية خطوات حثيثة نحو تحرير الحياة المدنية من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية، وبدأت بالاعتراف بحرية ممارسة شعائر الديانات الأخرى، وتم رفع الإشارة إلى ديانة المواطن الاسباني من الأوراق الرسمية.من هنا بدأ تنظيم الديانات غير الكاثوليكية في إطار قوانين تسمح باقامة أماكن العبادة لتلك الديانات المعترف بها، ومنها الدين الاسلامي، فانتشرت المساجد وأصبحت تربو على ثلاثمائة مسجد، بعضها يمتد نشاطه إلى أبعد من مجرد اقامة الصلاة واقامة الاحتفالات الدينية الموسمية، وتحولت إلى مراكز ثقافية اسلامية حقيقية، ولعل أهمها جميعا «المركز الثقافي الاسلامي بمدريد» الذي تبرع الملك فهد بن عبد العزيز ببنائه على أرض قدمتها بلدية مدريد مجانا هدية للجالية الاسلامية، ويتبع إداريا «رابطة العالم الاسلامي»، وكان الامير سلمان بن عبد العزيز قد افتتح المركز برفقة الملك خوان كارلوس الاول ملك اسبانيا يوم 24 ربيع الاول 1413 هجرية الموافق 21 سبتمبر (ايلول) 1992 ميلادية في حفل اعتبرته الجالية الاسلامية في اسبانيا بداية لنشاط اسلامي حقيقي ودعما لوجودهم في هذه البلاد. ويديره في الوقت الراهن الدكتور صالح بن محمد السنيدي الحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة غرناطة الذي فال ان المساحة الكلية للمركزالاسلامي تزيد عن ثلاثة عشر ألف متر مربع مما يجعله من اكبر المراكز الثقافية الاسلامية في اوروبا، وهذه المساحة موزعة على خمسة طوابق، اثنان منها تحت الارض.ويضم المبنى مسجدا بمساحة ألف متر مربع مزين بخمسين عمودا من المرمر الاحمر والاسود، اضافة الى حزام من الايات القرآنية المحفورة على الخشب، وتضيئه ثريات من النجف ذات الطابع الاسلامي، اما باقي المساحة فهي موزعة بين المدرسة التي يدرس بها ابناء المسلمين طبقا للمناهج السعودية وتتسع لحوالي 250 تلميذا من المراحل التمهيدية والابتدائية والاعدادية.

وتحتل المكتبة مكانة هامة في هذا البناء الاسلامي الحديث، حيث تضم امهات الكتب ويزيد عددها حاليا عن ثلاثين ألف كتاب، وطبقا لما ذكره الدكتور السنيدي فان المكتبة يجري تزويدها اولا باول باحدث الاصدارات بالعديد من اللغات وفي جميع مجالات المعرفة الانسانية.ولعل أبرز قاعات المركز الثقافي الاسلامي ـ قاعة المؤتمرات الضخمة التي تضم مسرحا مجهزا بكافة التجهيزات ويسع لخمسمائة شخص ومجهزة كراسيها باجهزة الترجمة الفورية لثلاث لغات في وقت واحد.إضافة إلى صالة الجمنازيم والأشغال اليدوية التي تجعل من النشاط الاجتماعي نشاطا رئيسيا للمركز حيث تتم مساعدة السيدات والفتيات من اليتيمات والمحتاجات تعلم التفصيل والحياكة على ايدي متطوعات لتعليمهن مهنة يمكنهن من خلالها ممارسة حياة شريفة.ولا يجب أن ننسى المتحف الاسلامي الفريد من نوعه الذي يضم عددا من الأدوات العلمية الأثرية التي تؤكد مدى التقدم العلمي الذي بلغه المسلمون وتقدموا به على حضارات أخرى كانت تعيش في عصور الظلام.

توحيد صفوف المسلمين
وحول نشاط المركز الديني والاجتماعي يقول الدكتور السنيدي إن المركز الثقافي الاسلامي بمدريد الذي يديره يحاول أن يوحد كلمة جماعات المسلمين المنتشرة في اسبانيا تحت راية واحدة، خاصة بعد تزايد عددهم بشكل كبير وتوزعهم على جماعات متفرقة بسبب الانتماء الوطني او العرقي، ويقول إن أعداد المسلمين في اسبانيا غير مؤكدة، لكن «الاتحاد الاسباني للجماعات المسلمة» يقدر عددهم في ما بين 600 إلى 700 ألف مسلم، منهم حوالي 200 ألف مسلم ولدوا وهم يحملون الجنسية الاسبانية أو لأبوين مسلمين، يتمركزون في المدن الكبرى مثل مدريد وبرشلونة وفالنسيا، إضافة إلى مدينتي سبتة ومليلة المتنازع عليهما مع المغرب، فيما يقدر عدد الذين اعتنقوا الإسلام خلال السنوات العشرين الأخيرة بحوالي 30 ألفاً.

ويقول إن هناك من يقدر عدد المساجد التي يتوافد عليها المسلمون المقيمون في اسبانيا بحوالي 300 مسجد ومصلى، منها ثلاثة مساجد في العاصمة مدريد، أكبرها حجما وأهمها من ناحية النشاط النشاط الديني والثقافي والاجتماعي المركز الثقافي الإسلامي.وعلى الرغم من هذا الوجود فإن المسلمين لا يزالون يواجهون العديد من المشاكل في تعاملهم اليومي، وبشكل خاص في ظل انعكاس الأحداث التي تمر بها بعض الدول الإسلامية في وسائل الإعلام المختلفة، ويبذل المركز الثقافي الاسلامي وادارته في السنوات الأخيرة محاولة تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الاسلام، وأيضا الرد على الاستفسارات وفتح الحوار مع وسائل الاعلام لتوجيهها نحو المفاهيم الصحيحة ويقول الدكتور السنيدي إن هذا العمل يجد أذانا صاغية خاصة في ظل محاولات الحكومة الاسبانية لفتح قنوات دائمة للحوار مع الجاليات الإسلامية، إلا إنه لا تزال هناك مشاكل عالقة خاصة بممارسة المسلمين لحياتهم كمواطنين اسبان يؤدون ما عليهم من واجبات ولهم حقوق المواطنة على الدولة، منها مسألة تدريس الدين الإسلامي لأبناء المسلمين في المدارس الحكومية، وهذا المطلب لقي استجابة من جانب الحكومة الاسبانية مؤخرا وتم اعتماد المركز الثقافي الاسلامي بمدريد كواحد من الجهات التي يمكن للمسلمين أن يلجأوا إليها لطلب ضم أبنائهم لفصول دراسة الدين الاسلامي بالمدارس الحكومية.
وهذه الخطوة من جانب الحكومة الاسبانية تعتبر موفقة، وان المركز الثقافي الإسلامي كان ولا يزال يتولى دعم تلك المدارس بمدرسي اللغة العربية والدين مجانا، أو تطوع بعض آباء التلاميذ بتدريس هذه المادة، على رغم توقيع اتفاق بين الإدارة واتحاد المسلمين على تسهيل هذه المهمة من خلال مدرسين تدفع الحكومة رواتبهم.

أيضا يقوم المركز الثقافي الاسلامي بتوفير من يشرف على عمليات «الذبح الحلال» حيث لا توجد مذابح لإجراء عملية الذبح الحلال على الطريقة الإسلامية سوى في العاصمة مدريد، التي يخصص مذبحها يومين في الأسبوع للذبح بحضور مندوب عن المركز الثقافي الإسلامي.

ومن أنشطة المركز الثقافي الاسلامي بمدريد المساهمة والاشراف على عمليات دفن الموتى طبقا للشريعة الإسلامية والتي كانت تعتبر بالنسبة للكثير من المسلمين مشكلة كبرى، حيث لا توجد مدافن إسلامية سوى في مدينتي سبتة ومليلة لوجود أغلبية مسلمة فيهما، وتلك القريبة من العاصمة مدريد، والتي أقيمت بأمر من الجنرال فرانكو، الذي كان يتخذ من الجنود المغاربة حرسا خاصا.

المصادر :

–         قصة الاسلام .

–         اسلام ويب.

Leave a Reply