جزيرة صغيرة تنحصر بين شبه جزيرة إيطاليا وتونس , وتقسم البحر المتوسط إلى حوضين شرقي وغربي , ومن هذا الموقع تستمد أهميتها الاستراتيجية بين اليابسين الأوروبي والأفريقي ولهذا احتلها الرومان ، وعندما اتسعت الدولة الإسلامية فشملت شمالي إفريقيا وسيطرت على الأندلس حرص العرب على فتح صقلية , واستمر الحكم الإسلامي للجزيرة أكثر من قرنين , ثم تعاقب عليها الحكام حتى أصبح سكانها ينفرون من الأجانب .

sagaliya_204624481

الأرض :

صقلية جزيرة مثلثة الشكل , قاعدة هذا المثلث نحو الشرق على مقربة من شبه جزيرة إيطاليا , ورأسه ناحية الغرب قرب تونس , ويفصلها عن إيطاليا مضيق مسينا , وعن تونس ممر صقلية وتبلغ مساحتها 25,696 كم2 , وأرض صقلية جبلية في جملتها , وأعلى مناطقها الركن الشمالي الشرقي وحيث جبل اتنا ويزيد ارتفاعه على ثلاثة آلاف متر ( 3340 م ) , وهو بركان ثائر وصفه بعض الجغرافيين العرب قديما , وتحيط بالمرتفعات سهول ساحلية تتسع في غربي الجزيرة , وعاصمة صقلية مدينة بالرمو على الساحل الشمالي , وإلى شمالي صقلية توجد جزيرة ليبارى وبها بركان سترمبولي الدائم الثوران .

المناخ :

مناخ صقلية ينتمي إلى الطراز المعروف بمناخ البحر المتوسط , فالصيف معتدل والشتاء دفىء , وأمطار الجزيرة وفيرة في الشتاء والربيع , ويسودها الجفاف في فصل الصيف .

النشاط البشري :

إنتاج الجزيرة أغلبه من الحاصلات الزراعية , مثل القمح والفاكهة والزيتون , ويزيد سكان صقلية على خمسة ملايين نسمة , والكثافة السكانية عالية ويهاجر العديد من السكان , وأخصب جهاتها الشمالية , وهى أكثر المناطق ازدحاما , وتمارس حرفة الرعى في حدود ضيقة على المنحدرات الجبلية ، ويعمل عدد من سكان صقلية بالصناعات التقليدية ، ومن أبرز ثرواتها الكبريت , ويقوم سكان صقلية بصيد الأسماك التي تقوم عليها بعض الصناعات المحلية , هذا إلى جانب بعض الصناعات الحديثة .

كيف وصل الإسلام إلى صقلية ؟

عرف العرب جزيزة صقلية قبل فتحها في سنة 212 هـ , ذلك أنها كانت تتبع الروم , وكانوا يشنون منها الغارات على تونس وشمالي إفريقيا , لذا أغار عليها العرب في حملات تأديبية , فاضطر قسطنطين بطريق صقلية إلى عقد صلح مع إبراهيم بن الأغلب والي أفريقيا , وكانت مدة هذا الصلح عشر سنوات .

وفي سنة 211 هـ استعان أهل صقلية بالأغالبة حكام تونس من قبل العباسيين , وكان رسول الجزيرة إلى الأغالبة ايفيميوس , فطلب العون ضد حكام صقلية , فجند له زياد الله الأغلب عشرة آلاف رجل بقيادة أبي عبد الله أسد بن الفرات ، وانتصر المسلمون على حكام صقلية واستولوا على بلدة مازارا ، واستمر تقدم المسلمين عبر الجزيرة ، وأحرزوا الانتصارات المتتالية على الروم حتى استكملوا فتح جزيرة صقلية في سنة 289هـ .

وخضعت صقلية لحكم المسلمين ، وحكم بنو الأغلب صقلية حتى سنة 297هـ ، ثم حل الفاطميون محلهم في حكم الجزيرة ، وظل الفاطميون يحكمون الجزيرة حتى منتصف القرن الخامس الهجري ، وتمتعت صقلية بشيء من الحكم الذاتي في أثناء هذه الفترة ، فحكمها الكلبيون فترة استقلت فيها الجزيرة ، وفي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري بدأت غارات الروم على شمالي الجزيرة ، ثم ظهرت الفتنة واستشرت بين أهل الجزيرة في سنة 431هـ ، وفتحت هذه الفتنة ثغرات في صفوف المسلمين ، ونفذ من خلالها النورمانديون حكام جنوب إيطاليا فعاونوا بعض الفئات المتخاصمة ، وتم استيلاء النورمانديين على صقلية في سنة 484هـ بعد سقوط آخر مقاومة في الجزيرة ، وبعد حكم إسلامي دام 267 سنة ، وبدأت فترة من التحدي ، إذ أخذ النورمانديون يشنون ألوانا من الاضطهاد والتعصب ضد المسلمين ، وشهد الحكم النورماندي ابن جبير ، حيث مر بصقلية في عودته من الحج ، فكان الناس يكتمون إسلامهم سراً خوفا من بطش النورمانديين ، وقال ابن جبير واصفا أحوال المسلمين : ( هم غرباء عن إخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفر ، ولا أمن لهم في أموالهم ولا في حريتهم وأبنائهم ) . وهكذا وصف ابن جبير اضطهاد المسلمين في صقلية في أثناء حكم النورمانديين للجزيرة ، ونتيجة هذا الاضطهاد هاجر الكثير من المسلمين إلى خارج صقلية فرارا بدينهم فقل عدد المسلمين بالجزيرة ، واستسلم الضعفاء للتحديات الصليبية ، وتعرض المسلمون بالجزيرة لحملات شرسة من الضغط والكبت ، وأصبح عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف ، ولا يتناسب هذا العدد مع حجم الآثار الإسلامية التي تركت بصماتها على سائر فنون الحياة بصقلية ، وبرغم الحملات التي قادها الكونت روجر الفاتح النورماندي لصقلية ، فلقد دامت حرب الصراع تسعين عاما ، وأخيرا نقل الملوك النورمانديون عشرين ألفا من مسلمي صقلية إلى جنوبي إيطاليا ليكملوا حركة التشتيت .

والآثار الإسلامية بالجزيرة لاتحصى ، فلقد تركت بصماتها على أسلوب العمارة والفنون الزخرفية وأسلوب الكتابة والصناعات التقليدية ، ولقد كان بصقلية عدد قياسي من المساجد ، فكان في مدينة بالرمو ومدينة الخالصة المجاورة لها ثلاثمائة مسجد ذكرها ابن حوقل ، وعدد أنواعها من المساجد الكبيرة والصغيرة والمعلقة التي بنيت فوق بعض القصور ، وأشار ابن جبير إلى كثرة المساجد فقال : أما المساجد فكثيرة لا تحصى وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن الكريم : ” أي كتاتيب لتعليم القرآن الكريم ” ، وإلى جانب المساجد عدد من القصور التي بنيت على نسق إسلامي ، وتمثل مصدرا سياحيا للجزيرة ، وهكذا ترك الإسلام بصمات معمارية على مختلف الفنون في حياة صقلية .

ونتيجة للتحديات التي فرضت على المسلمين بالجزيرة نقص عددهم إلى حد التلاشي ، بحيث يوحي التشابه بصور مؤلمة حدثت بنفس المقياس في الأندلس .

وذكر ابن جبير أسماء مدن عديدة تحمل السمات الإسلامية كما ذكر العديد من القصور الإسلامية من بقايا الحكم الإسلامي ، ومن المدن التي ذكرها مدينة ثرمة ، وقصر سعده ، ومدينة أطرابنش ، وكانت مدينة بالرمو تسمى المدينة قبل استيلاء النورمانديين عليها ، ومن مدنها شغلودي ، وكل هذه المدن كانت تعج بالآثار الإسلامية التي ذكرها ابن جبير ، ومن المدن التي تغيرت مسمياتها مرسى على “مرصالا” ورعوض “راجوسا” ، وهكذا كانت الحضارة الإسلامية التي خربها التعصب الصليبي .

المصدر : السكينة

اترك رد