نال إقليم كوسوفو حكما ذاتيا منذ سنة 1394 هـ – 1974 م وفق الاصلاحات الدستورية التي تمت فيما كان يسمى ” بيوغسلافيا ” فأصبح مقاطعة ذاتية الحكم ضمن اتحاد يوغسلافيا ” سابقا ” , ولكن جمهورية صربيا الوريث الوحيد للاتحاد اليوغسلافي ” السابق ” ألغت الحكم الذاتي لكوسوفو في سنة 1409 هـ – 1979 م . وحلت حكومة كوسوفو , وألغت هيئة الرئاسة , وأغلقت إذاعة الإقليم , ووسائل الإعلام الأخرى , كما ألغت استخدام اللغة الألبانية , لغة أغلبية سكانه , وحلت محلها اللغة الصربية التي لا يجيدها سكان كوسوفو .

وجلبت الحكومة الصربية قواتها العسكرية من جمهوريتى مقدونيا , وكرواتيا وتمركزت هذه القوات في كوسوفو , لتحكم حصار الإقليم , ولتبطش بسكانه , وسيطر الصرب على كوسوفو بنظام بوليسى لا يحترم أبسط حقوق الإنسان , فشنوا حملات قتل وتعذيب , وهتك لأعراض النساء , وتنكيل بالسكان العزل , وتوالت الأحداث المخزية التي يندى لها جبين الإنسانية , فالإقليم معرض لبطش وتنكيل الصرب بعد الانتهاء من البوسنة والهرسك , لتبدأ عملية أخرى للاستئصال الديني .

فماذا نعرف عن كوسوفو ؟

يوجد إقليم كوسوفو جنوب إقليم سنجاق الذي تسكنه أغلبية مسلمة , ترزخ هي الأخرى تحت حكم الصرب , وتحيط صربيا بكوسوفو من الشرق , وتحده جمهورية الجبل الأسود شقيقة صربيا وشركيتها في البطش والتنكيل من الشمال الغربي , وتحد كوسوفو ألبانيا من الغرب , وفي جنوبه جمهورية مقدونيا إحدى الجمهوريات المنشقة عن يوغسلافيا ” السابقة ” .

خريطة كوسوفو

تبلغ مساحة كوسوفو حوالي 10,900 كيلو متر مربع ويزيد سكان الإقليم على  3 ملايين نسمة , أغلبهم من الألبان المسلمين ” 2,400,000 نسمة ” أي يشكلون 80% من سكانه , وتتكون الأقلية الباقية من السكان من الصرب , والأتراك , والغجر , وعاصمة الإقليم بريشتينا , ومن مدنه برزرين , وداكوفيكا , وبيش , وكوسوفسكا , مترفسكا , وأروشفاك , وجينلان , وزور , ودجاس , ولبليان , وبدويفو وجانيفو .

وأرض كوسوفو جبلية في جملتها , يتوسطها سهل كوسوفو الخصيب , وتجري به أنهار من أهمها نهر بللى دوريم , ويصب في بحر الادرياتيك , ونهر أبيار أحد روافد نهر مورافا , ومناخ الإقليم متطرف بارد في الشتاء , حار في الصيف , والوضع يختلف على المناطق الجبلية .

أحوال المسلمين في كوسوفو :

يشكل المسلمون في كوسوفو ( البان ) ثاني العناصر المسلمة في يوغسلافيا ” السابقة ” بعد البشناق سكان البوسنة والهرسك , وكان التعليم في الإقليم باللغة الألبانية قبل إلغاء الصرب نظام الحكم الذاتي للإقليم , فأصبح التعليم باللغة الصربية , التي لا يجيدها السكان , سمح الصرب للمسلمين بالتعليم حتى المرحلة الثانوية , وفرضوا شروطا قاسية على التعليم الجامعي حتى أصبح قاصرا على أبناء الصرب , وبالإقليم عناصر أخرى مسلمة .

ويشغل الصرب المناصب الهامة في كوسوفو , فيتمتعون بالوظائف القيادية , في كل مجالات الحياة , ويسكنون أرقى الأحياء في مدن كوسوفو , بينما يشتغل المسلمون بالوظائف الشاقة في المناجم , والخدمات , وتتدنى دخولهم حتى درجة ” الكفاف ” ويعيشون بعيدا عن أحياء الصرب الراقية في بيوت متواضعة أقرب إلى الأكواخ , ” هذا التناقض الغريب ” !! علما بأن الألبان استوطنوا الإقليم قبل مجيء الصرب إلى البلقان , ولكنهم يعيشون في متاهات التخلف في أرضهم الغنية بالثروات المعدنية , فالإقليم ينتج 45% من الزنك والرصاص من إنتاج يوغسلافيا ” السابقة ” وإلى جانب هذا فالإقليم غني بأراضيه الزراعية , التي تنتج القمح والشعير , والذرة , والكروم , والحمضيات , كما أنه غني بثروته الرعوية والغابية , ويتوافر به العديد من مصادر الرزق .

ويهيمن الصرب على الصناعة ففيه صناعة استخلاص المعادن وصناعات الأسمدة , والكبريت , وقطع غيار السيارات , والمنسوجات والصناعات الخشبية , ورغم كثرة موارد الرزق يعيش المسلمون في أدنى درجات التخلف , فحرمهم الصرب من أرزاق إقليمهم .

دخول الإسلام إلى كوسوفو :

عرف أهل كوسوفو الإسلام قبل مجىء الأتراك إلى المنطقة في سنة 792هـ/1389م , وازداد انتشار الإسلام في إقليم كوسوفو بل وفي البلقان عامة عندما سيطر الأتراك على حكم المنطقة , وخضع الإقليم وكل البلقان لحكم الأتراك , الذي امتد من سنة 792 هـ – 1389 م حتى انهيار حكم الأتراك في البلقان في أعقاب سنة 1912 م , وانتزع إقليم كوسوفو من ألبانيا , وخضع لحكم الصرب وعندما احتلت ألمانيا وإيطاليا معظم منطقة البلقان , في الحرب العالمية الثانية , اشترك المسلمون في كوسوفو في الكفاح ضد قوات المحور , وتكونت جمهورية يوغسلافيا ” السابقة ” في سنة 1363 هـ – 1943 م , وضع إقليم كوسوفو تحت سيطرة الصرب , وتسلط الشيوعيون من الصرب على كوسوفو , ونال سكان الإقليم الكثير من البطش , والاستعباد , والقتل , مما دفع الكثير من سكانه على الهجرة .

وقام سكان كوسوفو بالعديد من الثورات مطالبين بحقوقهم المسلوبة فكانت تبطش بهم قوات الصرب , وأمام إصرارهم على المطالبة بحقوقهم المشروعة , منح الإقليم حكم ذاتيا في سنة 1394 هـ – 1974 م , ولكن كان الحكم الذاتي منقوصا نتيجة وضعهم تحت إشراف جمهورية صربيا , التي أمعنت في قتل المسلمين بكوسوفو .

تصعيد الأحداث :

أمام تسلط الصرب وبطشهم بالمسلمين في كوسوفو , وتماديهم في القتل والتعذيب , ثار سكان الإقليم في سنة 1401 هـ – 1981 م حيث تظاهر الطلاب مطالبين باستقلال الإقليم , ووضع نهاية لتسلط الصرب , فكان رد الصرب , البطش بالأبرياء , فأمعنوا في القتل والأعتقال , وزجوا بالآلاف في السجون , وألغوا الحكم الذاتي السابق .

ولم يستكن المسلمون لا ستعباد الصرب , فعاودا ثورتهم في سنة 1409 هـ – 1989 م وكان رد الصرب جلب جيوشهم من مقدونيا وكرواتيا للبطش بالمسلمين في كوسوفو .

الاستئصال الديني :

اشتد ضغط الصرب على مسلمي كوسوفو لإجبارهم على الهجرة , وشجعوا هجرة الصرب وسكان الجبل الأسود على استيطان كوسوفو , وزرعوا هذه العناصر في أهم مناطق الإقليم , الصناعية , والزراعية , وفصل الصرب 100 ألف عامل من المسلمين , وجلبوا فرق القتل والتنكيل للاستئصال الديني , والمستتر خلف العنصرية العرقية , فمشكلة كوسوفو ثمرة حقد دفين ضد المسلمين , والطمع في ثروات الإقليم , ويعود الحقد على المسلمين الألبان إلى أكثر من ستة قرون مضت , إلى معركة كوسوفو سنة 792 هـ – 1389 م – عندما هزم الأتراك أسطورة ” لازار ” ملك الصرب , ومنذ متى كان النصر في الحروب ذنبا يورث ؟!  وحتى لو كان هذا في شريعة الصرب , فما ذنب الألبان ؟ وهم العنصر الذي استوطن كوسوفو قبل مجىء الصرب والأتراك بعدة قرون .

فماذا يخبىء الصرب في جعبتهم المدججة بالسلاح , والنزعة الشريرة للقتل والتنكيل , وهتك أعراض المسلمات ؟! ماذا يخبئون ؟! . . . إن ما يحدث في البوسنة والهرسك على مسمع من هيئة الأمم , بمنظماتها وهيئاتها الدولية وما يجري من أحداث يندى لها جبين البشرية شاهد عيان , فالمتتبع لأحداث البوسنة والهرسك يرى أن حظ كوسوفو لن يقل عن حظ شقيقته البوسنة والهرسك فالهدف واضح هو الاستئصال الديني لمسلمي كوسوفو .

مصدر : السكينة

Leave a Reply