بقلم: إيرول كارايل

توطئة
أصل المشكلة
داغستان
الشيشان
أنغوشيا
أوسيتيا الشمالية
جمهورية القبردي ـ بلقار
جمهورية القراشاي ـ شركس
الأديغة
أبخازيا
أوسيتيا الجنوبية
أين الحل؟


توطئة

450px-Caucasus_regions_map

تفكَّكَ الاتحاد السوفيتي في 21 كانون الأول 1991 بموجب محادثات “المآت” (المآت هي عاصمة كازاخستان). فتشتت ملايين الناس الذين حرموا حريتهم و رضوا بالكفاف سنين طويلة متخلصين من كماشة الاقتصاد المغلق الذي لم تفلح محاولات إنعاشه بأي شكل، منتشرين في أنحاء الأرض. إن شدة هذا التغيير قد هزّت الكيان الروسي بأسره. في هذه الأثناء سارعت خمس عشرة جمهورية كبيرة إلى إعلان استقلالها. أما مناطق الحكم الذاتي والجمهوريات المتبقية فقد شكَّلت تحت ضغط من روسيا “الفدرالية الروسية”

ثم شكلت الجمهوريات المستقلة ـ و بضغط من روسيا أيضا ـ مع “الفدرالية الروسية ما يسمى “برابطة الدول المستقلة”

لقد تشكَّلت الكيانات الجديدة هذه بصورة سقيمة معتلة، لأن التغيير كان أسرع من أن يهضم. مما سبب عدم الاستقرار في الأراضي السوفيتية، و لا سيما في منطقة القفقاس. أما دول ما وراء القفقاس الثلاثة (جورجيا، أذربيجان، أرمينيا) و التي سبق أن أعلنت استقلالها لم تستطع أن تتفادى الحروب التي حرَّضتها روسيا عليها فأجبرت ـ و كما كان متوقعا ـ على الانضمام إلى رابطة الدول المستقلة بقيادة روسيا، حتى تتخلص من شراك الحرب التي دفعت إليها

و هكذا اضطرت أرمينيا أن تسمح بإنشاء ثلاث قواعد عسكرية روسية على أراضيها، و كذلك اضطرت جورجيا هي الأخرى أن تسمح بإنشاء أربع قواعد على أراضيها. إلا أن هذا لم يضع حلولا جذرية لمشاكل بلدان ما وراء القفقاس. و بإسدال روسيا الستار على المنطقة أصدر أمر وقف إطلاق النار، أما بقية المشاكل فقد جمّدت إلى أجل غير مسمى
بينما كان يحدث هذا في ما وراء القفقاس، كان القفقاس قد بدأ بالسخونة و منذ أمد بعيد

أصل المشكلة

ما هو منشأ المشاكل في القفقاس؟ لهذا السؤال الكثير من الإجابات التي يتمم بعضها البعض. إنه لمن المعروف حقا أن سبب الجرح النازف في المنطقة هو روسيا التي لا تستطيع كبح جماح رغباتها اللامتناهية. لطالما شكلت كل من تركيا و إيران عائقا أمام رغبة روسيا الدائمة بالنزول إلى البحار الدافئة منذ عهد “بيترو الأول”

و لطالما اصطدمت روسيا وجها لوجه مع منافسيها التاريخيين تركيا و إيران، إلا أنه في بداية القرن الثامن عشر فقدت كل من تركيا (العثمانيين سابقا) و إيران وزنها السياسي بين دول العالم، و لم تعد تشكل ذلك العائق في وجه تدخلات روسيا في القفقاس. و عندما لم تبد الدول الغربية الممتدة بمحورها الاستراتيجي من الشرق إلى الغرب أي اهتمام بالمنطقة، انفسح المجال أمام روسيا و أقدمت على احتلال القفقاس دون أن يكون هناك أية قوة لتردعها. و بكل بساطة تصف اليوم تلك الأراضي التي أبقتها تحت الاحتلال ما يزيد على 130 سنة بأنها “حديقتي الداخلية”

و هذا حرفيا ما عبّر عنه الرئيس الروسي بوريس يلتسن بصراحة مطلقة في بيان له في المجلس العام للأمم المتحدة بتاريخ 26 / 9 / 1995 ” : ينبغي ألا ننسى أبدا أن هدف روسيا سواء في الفترة القيصرية أو في الفترة البلشفية أو ما بعدها لم يتغير ألا و هو: النزول إلى البحار الدافئة …”

و طالما أن روسيا تحمل تلك المطامع فإنه لا يمكن للقفقاس ـ و هو يمثل الباب المفتوح لروسيا على الجنوب ـ أن يهنأ له عيش. و هناك منشأ آخر للمشاكل و هو ما خلفته روسيا في القفقاس من اقتصاد متداع. كذلك توجد معضلة أخرى تكمن في غنى الأراضي القفقاسية بثرواتها الباطنية من بترول و فحم و غيرها و ثرواتها الظاهرية من ثراء الطبيعة و هي ما يسيل لها اللعاب

لذا تتسابق كل البلدان القريبة من هذه المنطقة لأخذ حصتها من تلك الثروات و لا تود رفع أيديها عنها. لكن إذا ما افترضنا أن كل تلك المشاكل المتشابهة التي ذكرناها و التي لم نذكرها ممكنة الحل، و إذا ما تركناها جانبا فإننا نرى أن أكثر المشاكل عمقا إنما هو البنية العرقية و السكانية للقفقاس

فإذا ما فصلنا أرمينيا و أذربيحان الواقعتين ما وراء القفقاس (معتبرين كلا من أبخازيا و أوسيتيا الجنوبية من المجموعات العرقية القفقاسية، و هاتين المنطقتين من جورجيا فقط تدخلان ضمن مقالنا هذا) و ألقينا بنظرة إلى تلك البنية العرقية و السكانية لرأينا بوضوح مدى فداحة المشكلة. يعيش في القفقاس أكثر من خمسين مجموعة عرقية، موزعة في تسع جمهوريات و مناطق ذات حكم ذاتي. فمن خلال سياسة التوطين المدورس المتبعة في زمن الشيوعية و خصوصا في فترة حكم ستالين برزت في الجمهوريات الصنعية المتشكّلة تنظيمات سكانية كثيرة إلى الحد الذي جعل من القفقاس “حقل ألغام عرقية”. و بتعداد المناطق من الشرق إلى الغرب على التوالي : داغستان، الشيشان، أنغوشيا، أوسيتيا الشمالية، القبردي ـ بلقار، القراشاي ـ شركس، الأديغة، أبخازيا، أوسيتيا الجنوبية يمكننا تلخيص المشاكل العرقية التي تعيشها هذه المناطق القفقاسية كما يلي

داغستان

يعيش في داغستان أكثر من ثلاثين مجموعة عرقية و يبلغ عدد سكانها مليونا و ثمانمائة ألف نسمة، منها 32 % آفار، 15 % دارغين، 11,6 % ليزغي، 4 % تاباساران، 12 % قموق ، 8 % نوغواي، 4 % أذربيجان ، 3,2 % روس أما ما تبقى فهو من المجموعات الأخرى. و حتى في القرية الداغستانية الواحدة توجد مجموعات عرقية مختلفة. إن غنى داغستان بالغاز الطبيعي لم يشكل مشكلة عرقية إلا أنه يبقى هناك دائما احتمال لحدوثها

إذ أن اقتسام موارد الأراضي الغنية و نيل النفوذ السياسي يحرّض على نزاعات عرقية ما بين الليزغي، القموق، الدارغين، النوغواي، التاباساران. و تقف هذه المجموعات في وجه الآفار ـ الذين هم أكثر الفئات عددا ـ و تطلب “حكما ذاتيا”، كل يدافع عن سياسته القومية. و جميع تلك الفئات من أكبرها إلى أصغرها مسلّح

إن الحصول على سلاح في داغستان أمر سهل، ففي ضيعة خاساف يورت الداغستانية تباع الكلاشينكوف بمائتين و خمسين دولارا و المسدسات بمائة و عشرين دولارا في السوق المفتوح. و ليس غريبا أن تحصل مشادة بين عائلتين مختلفتين في انتمائهما العرقي فتكون مقدمة لنزاع داخلي حاد في داغستان. و المجموعة الوحيدة التي أفصحت عن رغبتها بالانفصال عن الجمهورية هي الليزغي و تتواجد في جنوب داغستان و شمال أذربيجان. فقد شكّل لزغيُّو أذربيجان الذين يريدون الحكم الذاتي منظمة إرهابية تحت اسم “سادورال” يقوم مناصروها بعمليات استفزازية كأعمال التخريب و تفجير القطارات

إن متعقبي الموضوع يبينون أن لروسيا إصبعا في تلك الأحداث ذلك أنها ترى أن عدم الاستقرار في المنطقة يخدم مصالحها. إذ يُراد التضييق على أذربيجان بحرب ” قرا باغ ” التي دوّختها من جهة، و بالأقلية من الليزغي في الشمال من جهة أخرى، و بحركات تاليش من جهة ثالثة. كل هذا لكي تقبل أن تمنح روسيا قاعدة عسكرية على أراضيها

إن الإسلام هو الدين الغالب في داغستان و له قوة مُوحِّدة قد منعت حتى الآن حدوث ما هو أسوأ من ذلك

الشيشان

قبل حرب عامي 1994 ـ 1996 التي خاضها الشيشانييون ضد روسيا و التي انتهت بنصر مشرّف كان عدد الشيشانييون 735 ألف نسمة. أما القسم الآخر من السكان فهم 200 ألف من الروس، 100 ألف من الأنغوش و اليهود و غيرهم. لكن الحرب قد غيّرت البنية السكانية بشكل كبير، فقد ترك قسم كبير من الروس المنطقة و التجأ عشرات الآلاف من الشيشانيين الذين بقوا بدون بيت و بدون أهل إلى الجمهوريات المجاورة

فالبلد قد أصبحت خرابا من أولها إلى آخرها و توقفت كل النشاطات الاقتصادية و أصبح الناس يعيشون كل يوم بيومه. و حتى وقت قريب لم يُعمل على تشكيل مؤسسات للدولة (يجب التوضيح هنا أن “أصلان مسخدوف” الذي تم انتخابه لرئاسة الدولة قد قام بتوحيد كلمة السلطة في المستويات العليا للدولة و ذلك بضم منافسيه السياسيين في الانتخابات “شامل باساييف” و “موفلادي أودوغوف” إلى الحكومة). الجميع في الشيشان من الصغير إلى الكبير مسلّح و لا يوجد سلام و أمان على الروح

فالأجانب الذين يأتون إلى الشيشان أو إلى الجمهوريات المجاورة لها يتم خطفهم بتهديد السلاح ثم يُتركون لقاء فدية. و يقوم شيشانيون مُسلحون دوما بهجمات على الجمهوريات المجاورة مستخدمين الترهيب أو طرقا أخرى غير مشروعة لتكوين ثروة الأمر الذي سبَّب كره و نفور الشعوب المجاورة لهم. و كذلك يتم مع الأسف التدبير لعمليات تلقي بظلال سوداء على النصر المظفّر الذي أحرزه الشيشانيون ضد الروس و تهدف لتقويض أركان الاقتصاد

و لكن نأمل أن تتخطى الحكومة هذه المشاكل عبر تعزيز الانسجام القومي في المنطقة. إن علاقات القوزاق الذين يعيشون في قبيلة “ستافروبول كراي” الواقعة على الحدود الشمالية للشيشان باردة مع الشيشانيين. و هناك احتمال أن تتحول المناوشات بين الطرفين إلى نزاعات مسلَّحة

و حتى لو لم يكن هذا الاحتمال قويا إلا أنه موجود. و من جهة أخرى فإن تواجد الشيشانيين بكثرة في قرية “خاساف يورت” الداغستانية قد جعلهم يَدَّعون أنها يجب أن تكون تابعة لأراضيهم، لذلك فهناك مشكلة يحتمل ظهورها في أية لحظة. كذلك فإنه في النزاع الذي حدث بين الأوسيت و الأنغوش ـ بسبب سوء تفاهم سنبينه فيما بعد ـ قد انحاز الشيشانيون فورا إلى صفوف الأنغوش

أنغوشيا

من بين 160 ألف أنغوشي الذين يعيشون في الجمهورية، هناك ما يقارب 100 ألف من الروس و العناصر الأخرى. و قد بلغ عدد الملتجئين القادمين من الشيشان خلال الحرب الشيشانية ـ الروسية حوالي 100 ألف نسمة. و رغم أن الأنغوشيين يتكلمون نفس اللغة الشيشانية إلا أنهم يرون أنفسهم مختلفين عنهم، فقبل حرب الشيشان انفصل الأنغوشيون عن جمهورية الشيشان ـ أنغوشيا ليكونوا جمهورية مستقلة، غير أنهم لم يلقوا الدعم الكافي من حكومة غروزني بسبب انفصالهم و تكوينهم المختلف و مشاكلهم مع الأوسيت. منذ القدم و الأنغوشيون يعيشون على الضفة اليمنى لنهر “التيرك” و الأوسيت على الضفة اليسرى. ثم أنشأت روسيا عام 1874 مدينة فلادي قفقاس كقلعة عسكرية يمر من وسطها نهر “التيرك”، و كان طرفه الأيسر للأوسيت و الأيمن للأنغوش. و أثناء الحرب العالمية الثانية نفي الأنغوشيون إلى سيبيريا فأعطيت المنطقة التي كانوا يشغلونها إلى الأوسيت و يطلق اليوم عليها اسم “بريغورودني رايون”. في عام 1957عندما أصدر كروشتشيف العفو عن الأنغوشيين عادوا إلى أوطانهم منادين بأحقيتهم في “بريغورودني رايون” إضافة إلى سبعة قرى كانت أنغوشِّية قديما، إلا أنهم لم يتمكنوا من استرجاعها. و في الفترة الشيوعية كانت تقوم بشكل دائم نزاعات مسلحة و تحصل مذابح ما بين الأسيت و الأنغوش كان آخرها في عام 1992 حيث أخمدت الصعوبات بصعوبة بالغة. و يمكن في أية لحظة أن تحصل نزاعات كبيرة على حدود أوسيتيا الشمالية ـ أنغوشيا

أوسيتيا الشمالية

يبلغ عدد سكان أوسيتيا الشمالية 632 ألف نسمة. منهم 52 % أوسيت، 29 % روس، 5 % أنغوش، 14 % مجموعات أخرى. و قد أوضحنا أعلاه المشكلة ما بين الأوسيت و الأنغوش. إن كون أكثر الأوسيت مسيحيين أرثوذوكسا قد وطد روابط حميمة لهم مع الروس عبر التاريخ. و كان الأوسيت قد استوطنوا هذه المنطقة قبل الروس و لم تقع أرضهم تحت الاحتلال إلا عندما تم الفصل بين شرق القفقاس و غربه. لذا فإن علاقات أوسيتيا و منذ القدم باردة مع بقية شعوب القفقاس، و لم يحدث أبدا أن تدخلت في أي نشاط فعَّال ضمن التنظيمات التي أسسها شعب القفقاس. في الحرب الشيشانية ـ الروسية الأخيرة كان وجود مركز لقاعدة عسكرية في عاصمة أوسيتيا فلادي قفقاس, تشن روسيا منها غارات جوية على الشيشان و تقدم إمدادات عسكرية للجيش, قد أغضب الشيشانيين و أضاف سببا جديدا للنزاع بين الشيشانيين و الأوسيت حتى أنهم كادوا أن يخوضوا حربا ضد الأوسيت. أما سبب الجهود التي تبذَل من أجل توحيد أوسيتيا الشمالية مع أوسيتيا الجنوبية فهو تلك البرودة التي تسود علاقات أوسيتيا الشمالية و جورجيا

جمهورية القبردي ـ بلقار

يبلغ عدد سكان الجمهورية 753 ألف نسمة منهم 48 % قبردي، 9 % بلقار، 32 % روس، 11 % عناصر أخرى. و لقد نُفي البلقاريون إلى سيبيريا عام 1944 تماما كما حصل لكل من الشيشان و الأنغوش، و لدى عودتهم من المنفى عام 1957 ادَّعُوا أنهم لم يتمكنوا من استرجاع كل أراضيهم و أنهم يعانون من الضغط الثقافي و السياسي للقبردي، فشكلوا منظمة تحت اسم تورية تناضل من أجل استرجاع “حقوقها”. و في هذه الأثناء ارتفعت أصوات أعضاء المنظمة عالياً مجاهرة برغبتهم في الانفصال عن جمهورية القبردي ـ بلقار. و يطالب البلقاريون بنصف العاصمة نالتشيك و كذلك بالحدود الجبلية الجنوبية للبلد. و تُقدِّم المنظمات التركية الموجودة ضمن روسيا دعما سياسيا للبلقاريين. إلا أن انقسام الجمهورية ”بالحسنى” إلى اثنتين ليس بالأمر الهين. يعود ذلك إلى أهمية “مينغيتاف” لدى البلقاريين، و كذلك أهمية “أوشخمافة” لدى القبردي، فقد دخلت في صميم أساطيرهم و ضربت جذور كلا الشعبين عميقا في هذا التراب. و تعمل مجموعات من الطرفين على التسلح المستتر في الخفاء، و الويل كل الويل إذا ما بدأ انفجار الصراع المسلح، فلن تبقى المسألة محلية محدودة في نطاق الجمهورية، بل ستتحول المنطقة بانضمام الآتين من الجمهوريات المجاورة للحرب إلى بحيرة من الدماء. و في نفس الوقت تستمر النزاعات المسلحة بين البلقاريين و جيرانهم الأوسيت في الشرق بسبب الخلاف على تقاسم الأراضي

جمهورية القراشاي ـ شركس

القراشاي هو شعب مؤاخي للبلقار و يبلغ عدد القراشاي في الجمهورية 130 ألف نسمة، منها 31 % قراشاي، 42 % روس،10 % شركس، 7 % أبخاز، 3 % نوغواي، 7 % أوكرانيين و غيرهم. عاش القراشاي في منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1926 و حتى الوقت الذي نفوا فيه عام 1944. و عندما صدر العفوعلى المنفيين عام 1957 عادوا إلى أراضيهم السابقة. إلا أنهم لم يُمنحوا الحكم الذاتي مرة أخرى. بل أدخلوا تحت إدارة منطقة القبردي ـ تشركس ذات الحكم الذاتي. و حسب الدعاية المغرضة التي تبثها روسيا فإن العلاقات مقطوعة ما بين القراشاي و كل من الشركس و الأبخاز و الروس و الأوكرانيين الموجودين في الجمهورية. و تعبيرا عن تطلعات القراشاي للانفصال عن منطقة القبردي ـ تشركس و تأسيس جمهورية أخرى خاصة بهم، فقد أقاموا تنظيما باسم “جماغات”. و قام تحت رعاية هذه المنظمة مجلس ممثلي شعب القراشاي مجتمعين في 17 تشرين الثاني من عام 1990 بتنظيم مؤتمر أعلن فيه استقلال القراشاي، إلا أن موسكو لم تعترف بهذا القرار. و لقد خلق إعلان القراشاي لاستقلالهم توترا بينهم و بين كل من الشركس و الأباظة و الروس و الأوكرانيين المتواجدين في المنطقة. و يُعبِّر الأبخاز القاطنين في المنطقة عن معاناتهم نتيجة الضغط الذي يمارسه عليهم القراشاي. إذ يسود النفور و التوتر المنطقة بكل معنى الكلمة. و إذا لم يتصرف زعماء المجموعات العرقية بعقلانية فإنه يمكن و بكل لحظة أن يندلع نزاع ما في المنطقة. و من جهة أخرى يتابع القراشاي أخبار البلقاريين عن كثب، و من المؤكد أن البلقاريين سيصدر عنهم نفس ردة الفعل إذا ما سمعوا بنزاع ما في منطقة القراشاي. كذلك علينا أن نذكر أن جمهورية أبخازيا المجاورة لجمهورية القبردي ـ تشركس تتتبع عن كثب أخبار الأبخازيين هناك

الأديغة

يبلغ عدد سكان الأديغة 432 ألف نسمة، منها 22 % أديغة، 68 % روس، 3 % أوكرانيين، 7 % عناصر أخرى. في الأديغة لا يوجد أي نزاع بين الفئات المذكورة. إلا أنهم غير راضين عن وضع الأقلية التي جرى توطينها ضمن أراضيهم. يعمل الأديغة و بالطرق السياسية على اتخاذ التدابير التي تدعم وجودهم و تقوي ثقافتهم. يبلغ عدد الشابسوغ عشرة آلاف و هم يتكلمون نفس لغة الأديغة و يتواجدون على طول شاطئ البحر الأسود و يعمل الأديغة على إكسابهم مكانة بينهم بهدف دمجهم في بوتقتهم

أبخازيا

كانت أبخازيا في فترة الحكم السوفيتي جمهورية ذات حكم ذاتي تابعة لجورجيا. وعند إعلان جورجيا لاستقلالها قامت أبخازيا هي الأخرى أيضا بإعلان استقلالها. و قد قابلت جورجيا هذا القرار برفض عنيف. و في الرابع عشر من آب عام 1992 قام الجيش الجورجي باحتلال أبخازيا. و بعد سنة من الحرب الدامية نجح الأبخاز في طرد الجورجيين من أراضيهم و كان ذلك في 30 أيلول 1993. و عندها حصلت أبخازيا على استقلالها فعليا. طلبت جورجيا مساعدة رويا من أجل ضم أبخازيا مجددا إلى أراضيها. فتدخلت القوات الروسية لمساعدة جورجيا مقابل إعطائها إذنا لتأسيس قاعدة عسكرية روسية ضمن الأراضي الجورجية، و كذلك مقابل دخولها في رابطة الدول المستقلة. و منذ عام 1996 حتى الآن تقوم كل من روسيا و جورجيا بفرض حصار على كل احتياجات الحياة الأساسية. و لا يبدو أن المشكلة وشيكة الحل في الوقت الراهن. لم يؤثر ذلك الحظر مائة بالمائة على الشعب الأبخازي لأن الأراضي الأبخازية فيها من البركة و الخير ما يكفي لتلبية حاجات مواطنيها الغذائية. لا بد أن يعاود رئيس جورجيا ” شفردنادزة ” الكرة في الهجوم على أبخازيا حين يجد نفسه قويا بما فيه الكفاية. هذا و إن الشعب الأبخازي كله مسلح، إذ تعاني البلد من مشكلة الأمن حيث تقع من وقت لأخر حوادث سلب و نهب و جرائم. يتكون الشعب في أبخازيا اليوم من 100 ألف أبخازي، 90 ألف جورجي، 80 ألف أرمني، 60 ألف روسي، 10 آلاف تركي بالإضافة إلى 50 ألف من عناصر مختلفة.

أوسيتيا الجنوبية

هي عبارة عن منطقة ذات حكم ذاتي تابعة لجورجيا. يبلغ عدد سكانها 100 ألف نسمة 66 % منهم أوسيت. و يعيش في المنطقة 28 ألف جورجي و 6 آلاف من شعوب مختلفة. ارتحل شعب الأوسيت في القرنين الثالث عشر و الرابع عشر الميلادي أثناء اجتياح جيوش المغول للقفقاس متجاوزين سلسلة جبال القفقاس و أتوا إلى جورجيا و استوطنوا فيها منذ ذلك الوقت. و في الفترة السوفيتية تأسست جمهورية أوسيتيا الجنوبية. و عندما أفصحت الجبهة الوطنية في أوسيتيا الجنوبية عام 1989عن رغبتها بالانفصال عن جورجيا و الاتحاد مع أوسيتيا الشمالية لتكوين جمهورية موحدة، قابلت جورجيا هذا الأمر بردة فعل شديدة. و في صيف عام 1989 نشبت نزاعات عنيفة بين الجورجيين و الأوسيت، دخل على إثرها الجيش الجورجي إلى أوسيتيا في أيلول عام 1989. و استمرت النزاعات بشكل متقطع خمسة أشهر. و في نهاية عام 1990 ألغت حكومة “زفياد غامسخورديا” الحكم الذاتي في أوسيتيا الجنوبية. و قد قُتل في نزاعات 1991 حوالي الثلاثين إنسانا. اشتدت النزاعات في الأشهر الأخيرة من نفس العام و دخل الجورجيون القرى. و قد جرت السيطرة على تلك النزاعات عام 1992 بصعوبة جمة. و ما تزال المنطقة تُدار حتى الآن بقانون عرفي. و من الممكن توقع حدوث نزاعات أخرى في أية لحظة

أين الحل؟

إنه لمن الأسباب التي تعرقل حل المشاكل في القفقاس كون الزعماء في المنطقة من أفراد الطاقم الشيوعي القديم. إن هذا الطاقم الماركسي الذي “أصبح ديموقراطيا في ليلة واحدة” لا يعكس إرادة الشعب و لا تطلعاته، بل يدير سياسته بإيعاز من روسيا. و بذلك يصبح من السهل على روسيا تحريكه بأصابعها. لذا لن تجد مشاكل القفقاس طريقها إلى الحل إلا إذا زال النفوذ الروسي من القفقاس

لكي يتحقق هذا ينبغي تنحية من يناصرون الروس عن الحكم. و يجب أن يجتمع كل زعماء المجموعات القفقاسية الذين يتحلون بالعقلانية و يَعُوا حقيقة بئر النار الذي دفعوا إليه حتى يأخذوا احتياطاتهم. و لا بد من الإيضاح أن الإسلام وحده هو الملاط الجامع الذي سيمسك “موزاييك” القفقاس المكون مما يربوا على الخمسين شعبا فقوة الإسلام ـ رغم ضعف الإلمام بمبادئه وعلومه ـ هي التي تحول دون وقوع منازعات بين المِلل الداغستانية المختلفة. و إنه لمن الخطأ الكبير اعتبار المشاكل التاريخية التي كانت قد جرت في القفقاس جذورا للمشاكل الداخلية الموجودة بين الشعوب القفقاسية، إذ ظل الدين عبر التاريخ هو العنصر الفيصل في الحرب، حيث خاضت المجموعات القفقاسية المسلمة ـ على الدوام ـ حروبا مشتركة ضد قوى الاحتلال غير المسلمة، و لم تقع أية حرب بين المجموعات المسلمة في المنطقة قط. و إن ما سمي في الفترة السوفيتية “بحروب القفقاس” قد فهم الجميع حقيقتها على أنها ” حروب روسيا ـ القفقاس”. فلقد كان الإسلام هو منبع القوة الأساسي الذي زاد من ضراوة المقاومة و شد من أزر الوحدة و التعاون بين القفقاسيين في الحروب التي امتدت طيلة أربعة قرون

و إذا ازدهر الإسلام الأصيل في القفقاس على حقيقته سيدرك سكانه ببساطة زيف المشاكل القائمة بينهم و ستقوى أواصر المحبة في قلوبهم و هذا ما سيجعل العناصر التي تم توطينها فيما بعد تتقبل دين السكان المحليين ألا و هو الإسلام، و بإزالة العدو التاريخي للقفقاس سوف يعيش الجميع في غمار السعادة و الاستقرار، و هذا هو أقصر الطرق لبلوغ الهدف و أكثرها حسما. و ليس هناك أدنى ريب في كون الإسلام خير بيئة لتوحيد سكان القفقاس و أفضل منهج يمكنهم من متابعة حياتهم في جو من السعادة و السلام

من موقع وقف القفقاس

اترك رد