_new_islamandmony

إخوتي أخواتي كنا قد تجولنا بين أروقة التاريخ وتعرفنا بعض المعلومات التاريخية عن جاميكا، وكذلك الموقع والظواهر الجغرافية والديموغرافية لتلك البلاد حتى يتسنى فهم الكيفية التي وصل بها الإسلام إلى هناك، وكذلك معايشة أحوال إخواننا من المسلمين الذين تقلهم تلك الأرض، و اليوم نواصل التجوال ونتعرف الكيفية التي وصل بها الإسلام إلى تلك البلاد النائية فهيا بنا.

هناك روايات عديدة حول التوقيت الذي أشرقت فيه شمس الإسلام على جزيرة جاميكا، أغلب هذه الروايات تؤكد أسبقية وصول المسلمين لدول الأمريكتين والكاريبي عامة وجزيرة جاميكا خاصة قبل أن تصلها أقدام المستعمرين الأسبان.

وترجع أولى شهادات العرب والمسلمين الذين وصلوا القارة الأميركية إلى الإمبراطورية الإسبانية، حيث ذكر المؤرخون من الأسبان أن العبيد الذين أحضرهم الغزاة من شمال وغرب إفريقيا هم من أدخلوا الإسلام في القارة، والذين استقروا في دول مثل البرازيل وفنزويلا وكولومبيا وبعض جزر الكاريبي، حيث فقدوا الاتصال بجذورهم ولم يحتفظوا بهويتهم الثقافية واندثروا في النهاية.

إن الدلائل على وجود مسلمين في أميركا القديمة متعددة، حيث تتمثل في المنحوتات والنقل الشفهي والشهادات العينية والكتابات المحفورة.

وفي الفن الهندي الأميركي يمكننا رؤية أفارقة وساميين في أوضاع سلطة وصيت، خصوصًا في بعض المجتمعات التجارية في المكسيك. ويصف العالم سيروس غوردون في كتابه ‘’قبل كولومبوس’’ العثور على عملات في المنطقة الجنوبية من الكاريبي، وتم اكتشاف كمية كبيرة من عملات البحر المتوسط في المنطقة الساحلية في فنزويلا، والتي بهذا العدد الكبير لا يمكن أن تكون مجرد مجموعة عملات مجمعة.

وقد كانت غالبية العملات رومانية من عهد أغسطس حتى القرن الرابع عشر بعد الميلاد، إلا أن اثنين منها عربية من القرن الثامن عشر الهجري…

ولا ننسى أن العملات الرومانية ظلت مستخدمة في القرون الوسطى.

وكل ذلك يدل على أن سفينة يستقلها مسلمون قدمت من إسبانيا أو شمال إفريقيا قد عبرت الأطلسي خلال العام 800م.

وتعد هذه العملات بمنزلة دليل قوي على صحة التقارير التاريخية التي كتبها مؤرخون وجغرافيون مسلمون بشأن رحلات بحارة ومغامرين مسلمين عبر الأطلسي، مثل الشريف الإدريسي – أكبر جغرافيي الأندلس القديمة – في كتابه ‘’جغرافيا الإدريسي’’، فضلًا عن آخرين.

وفي تقرير آخر نشرته كذلك الجماعة الإسلامية بالأندلس في موقعها تحت عنوان الإسلام في أميركا قبل كولومبوس’’:

وصل المسلمون أميركا قبل كولومبوس بمئات الأعوام، الأمر الذي يمكننا التأكد منه، فقد زودنا كل من كلايد أحمد وينترز، وباري فيل وأليكساندر فون و وثيناو وإفان فان سيرتيما بدلائل على صحة ذلك، الأمر الذي يشكل حدثًا وليس مجرد رأي، إلا أن الكثيرين قد فضّلوا تجاهله في الماضي.

هذا وقد أبرز باري فيل، عالم الآثار النيوزلندي البارز والعالم اللغوي في جامعة هارفرد، دلائل تفصيلية في كتابه”قصة أميركا” عام 1980 م على أن المسلمين لم يصلوا أميركا قبل كولومبوس فقط بل إنهم كانوا نشطين للغاية هناك أيضًا، فالكثير من الكلمات في لغة سكان بيما في الجنوب الغربي ولغة الألجونكون عربية الأصل، كما وُجدت نقوش إسلامية على الصخور في أماكن مثل كاليفورنيا.

وقد عثر فيل على العديد من هذه النقوش.

كما عثر في الولايات الغربية بالولايات المتحدة على نصوص ورسوم تخطيطية وخرائط مسجلة في صخور تمثّل القطع الناجية الأخيرة لما كان في الماضي نظام المدارس وترجع إلى العام 700-800م، حيث كانت التعاليم تتضمن مواد مثل الرياضيات والجغرافيا وعلم الفلك والملاحة البحرية. وكانت لغة التعليم هي العربية الكوفية التي كانت منتشرة في شمال إفريقيا.

ويزودنا كذلك مؤرخ الفن الألماني، أليكساندر فون ووثيناو، بدلائل على وجود مسلمين في أميركا خلال الفترة ما بين عامي 900 و، 1300 أي قبل 500 عام من ولادة كولومبوس على الأقل! حيث عُثر على رؤوس محفورة يبدو عليها مظهر مسلمي شمال إفريقيا وترجع لما بين عامي 900 و، 1300 فضلًا عن مجموعة أخرى من الرؤوس التي ترجع إلى الفترة ما بين عاميْ 900 -. 1500.

ويشتهر إفان فان سيرتيما على نطاق واسع بكتابه “جاءوا قبل كولومبوس” 1976 الذي أوضح فيه أنه كان هناك اتصال كبير بين الأفارقة القدماء الأوائل، وسكان أميركا الأصليين، حيث يبرز فيه وفي كتاب آخر له بعنوان “الوجود الإفريقي المبكر في أميركا” 1987 أنه كانت هناك مستوطنات إسلامية إفريقية في الأمريكتين حتى قبل التخطيط لحملة كولومبوس.

وقد أوضح بحثه أن التجارة العربية الإسلامية كانت نشطة في أميركا.

وفي السجلات، يصرح كولومبوس ذاته، الرجل الذي ‘’اكتشف’’ أميركا أن انطباعه عن سكان الكاريبي أنهم كانوا ‘’محمديين’’، حيث كان يعلم بوجود مسلمين في العالم الجديد وأن مسلمي الشاطئ الشرقي لإفريقيا كانوا قد استقروا في الكاريبي وأميركا الوسطى والجنوبية والشمالية.

وعلى نقيض ما فعله كولومبوس، لم يأت هؤلاء المسلمون الأفارقة لاستعباد الشعوب أو سرقة أراضيهم وإنما جاءوا للتجارة وتزوجوا من سكان البلاد الأصليين.

واعترف كولومبوس كذلك في مذكراته الشخصية أنه بينما كانت سفينته تبحر بالقرب من جيبارًا على الساحل الشمالي الشرقي لكوبا يوم 21 أكتوبر عام 1492 رأى مسجدًا، كما عُثر على بقايا مساجد أخرى في كوبا والمكسيك وتكساس ونيفادا.

وفي الرحلة الثّانية لكولومبس، أخبره هنود هايتي أن أشخاصًا ‘’سودًا’’ قد وصلوا الجزيرة قبله، حيث قدموا لكولومبوس كدليل على ذلك رماح هؤلاء الزوار.

وكشفت عقب ذلك الدراسة المكثفة للمعادن المستخدمة في تصنيع هذه الأسلحة أنه لا يمكن أن يكون قد تم صنعها سوى في مكان واحد وهو غينيا.

وأبرز مؤرخ آخر يُدعى”بي في راموس” في كتابه “الوجود الإفريقي في أميركا الأولى “أن النظم الغذائية في الكاريبي كانت مشابهة للتعاليم الإسلامية. وعلى رغم الدلائل على وصول المسلمين الأفارقة إلى الأمريكتين قبل كولومبوس، والتي لم نذكر سوى جزء منها، إلا أن الجدل مازال مثارًا حول الأمر.

جملة القول أن أول مسلمين في جامايكا وغرب أفريقيا هم العبيد التي كانت تباع للتجار ويقومون بتقديمهم إلى جامايكا على متن السفن للعمل هناك. وبمرور الوقت معظمهم فقدوا هويتهم الإسلامية بسبب الاختلاط القسري للمجموعات العرقية. فالأغلبية الساحقة لهؤلاء العبيد كانوا من المسلمين الذين أرغموا على ترك دينهم تحت التهديد والتعذيب وعليه تقهقر الإسلام في حينها.

وكل من كان لهم أصل أفريقي و ينتمون إلى الدول التي وصلها المسلمون الأوائل وأقاموا فيها ولايات إسلامية كالماندينكية، فولا، السوسو، أشانتي الهوسا حاولوا بلا كلل الحفاظ على الممارسات الإسلامية في إطار من السرية، في حين يعملون كعبيد في مزارع في جامايكا.

وفي محاولة ثانية في القرن السادس عشر وبعد تحرير العبيد وعودة الكثير منهم إلى هذه البلاد بالإضافة للهجرة من الهند وباكستان بدأت المرحلة الثانية للحضور الإسلامي.

وهكذا في الوقت الذي تم فيه تحرير العبيد، كانت قد تلاشت الكثير من العقيدة الإسلامية وأركانها التي عاشوا عليها واعتنقوها في الماضي، وهكذا أصبح العبيد المحررين على معتقدات أسيادهم، بعد أن كان حوالي 16%من 37، 000 من الهنود وصلوا إلى جامايكا بين 1845 و 1917 و يعملون بالسخرة من المسلمين.

وكما حمل العبيد من أفريقيا إلى جاميكا، كذلك وصلها أيضا من باكستان عدد كبير من العمال والتجار وكان منهم محمد خان الذي أتى إلى جامايكا في عام 1915 في سن ال 15، وقد قام ببناء مسجد الرحمن في المدينة الاسبانية في عام 1957 م، قام محمد جولوب- والذي هاجر مع والده في سن 7 سنوات- ببناء مسجد حسين في ويستن مورلاند.

وقد قام المسلمون من العبيد الذين يعملون بالسخرة مع الجالية الجامايكية الأصلية المسلمة التي تشكل الآن الغالبية العظمى من السكان المسلمين في الجزيرة بوضع الأساس للمساجد الثمانية الأخرى التي أنشئت في جامايكا منذ 1960 م.

وهكذا بدأت الأحوال العامة للمسلمين في الاستقرار إلى حد ما، وفي الفترة الأخيرة أخذت الهجرة تتزايد وتتضاعف، وتتحول من هجرة عابرة إلى جالية مستقرة، باحثة عن تحقيق وجودها الديني والحضاري والثقافي.

نكتفي بهذا القدر في حلقتنا اليوم مع وعد باللقاء في لاستكمال رحلتنا في الحلقة القادمة إن شاء الله لنتحدث عن أحوال المسلمين وأهم التحديات التي يواجهونها هناك.

المصدر:مفكرة الإسلام

اترك رد