المسلمون في إثيوبيا

 flag_EV_647498776

عرفت بلاد الحبشة قديماً ببلاد كوش ، وعرفها العرب بالحبشة ، وهذا يعني الخليط البشري ، وأطلق عليها حديثاً إثيوبيا ، ومعناها الوجه المحروق عند الإغريق ، وتضم منطقة الحبشة إثيوبيا وجيرانها من الشعوب التي استولت عليها وهما إرتريا وأوجادين . ولتشعب المشاكل التي تواجه المسلمين بالحبشة وتعدد جوانبها ، سيتم تناول كل وحدة سياسية على حدة ، مبتدئين بإثيوبيا ثم إرتريا فالأوجادين . ( وسنتناول في هذه الحلقة المسلمون في إثيوبيا ) .

الموقع :

ev_434365685

توجد في القسم الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا ، تحدها السودان من الغرب والشمال وإرتريا وجيبوتي من الشرق حيث البحر الأحمر وكينيا من الجنوب والصومال من الجنوب والجنوب الشرقي ، وتبلغ مساحة الحبشة والمناطق المستولى عليها 1,223,600 كيلو متر مربع ، وسكانها حالياً قرابة 31,5 مليون نسمة ، دون إرتريا والأوجادين ، والعاصمة ( أديس أبابا ) ، والأمهرية لغة  البلاد ، رغم أنها لغة  الأقلية وإلى جانبها عدة لغات محلية مثل التجرينية ، والتبداوية أو كما تسمى بداويت والأورومية ، وإلى جانب هذه اللغات توجد اللغة الإنجليزية .

الأرض :

أرض أثيوبيا إقليم يتميز بعدة ملامح طبيعية ، وهو في الجملة هضبة متسعة الأرجاء شاهقة الارتفاع ، تطل بحائط جبلي على سهول ساحلية في الشرق ، ويقسمها الأخدود الأفريقي إلى قسمين : يمثل كل منهم هضبة ، فهناك هضبة إثيوبيا الوسطى ، والتي تشغل القسم الأكبر من الحبشة ، وترتفع بعض قممها إلى أكثر من 4000م وتقطعها وديان عميقة تتصرف إلى النيل ، ومن أبرز أنهارها النيل الأزرق أهم المنابع الموسمية لنهر النيل ، ويليه نهر عطبرة.

أما القسم الآخر فهو الهضبة الصومالية ، وتوجد شرقي الأخدود الفاصل بين الهضبتين ، ومن هذه الهضبة  ينبع نهر جوبا ونهر شبيللي ، ويتجهان إلى الصومال ، وهناك نهر أواش (هواش) في سهول الصومال ، وبالهضبة الإثيوبية العديد من البحيرات في النطاق الأخدودي وعلى المرتفعات ، وأبرزها بحيرة  تانا حيث ينبع النيل الأزرق ، وتنقسم الهضبة إلى ثلاثة أقاليم مختلفة الارتفاع والمناخ والنبات .

المناخ :

من العوامل المؤثرة في مناخ أثيوبيا موقعها ضمن المنطقة المدارية ، ولكن تنوع تضاريسها أدى إلى تنوع أنماط المناخ بها ، فمن شديد الحرارة في السهول إلى نمط معتدل على المرتفعات ، والأمطار غزيرة  في بعض المناطق ، وقليلة في مناطق أخرى ، والمطر يتساقط بين شهري يونيو وسبتمبر ويسمى هذا بفصل المطر الغزير ، وهناك فصل مطري قصير يمتد بين شهري مارس ومايو ومطره قليل .

وينقسم مناخ الحبشة إلى عدة أقاليم منها ، إقليم القلا الحار في السهول وإقليم الويناديجا ويسود فو ق المناطق المتوسطة الارتفاع وهو شبه معتدل ، ثم إقليم الديجا ويسود فوق المناطق الشديدة الارتفاع ويسوده طابع معتدل بارد .

السكان :

muslim_ev_485326165

تتكون البنية البشرية في الحبشة من عناصر سامية وحامية ، وأقليات زنجية لذا تتعدد اللغات والأديان ، فمن سكان الحبشة  قبائل التيجري ، والأمهرا ، والشوا ، وجوجا ، ولغتها التجرينية والأمهرية ، ويشكلون ثلثي السكان ، وتعيش معظم هذه المجموعة في الهضبة الوسطى ، قبائل الجالا (أورومو) التي تعيش في جنوب وشرق الحبشة ، وامتدت هجرتهم إلى وسط الحبشة والصوماليون والدناكل ، ويشكلون أغلب العناصر الحامية ويكونون أكثر من نصف السكان ، ويعتنق معظمهم الإسلام ، وهناك قبائل البجاة ومعظمهم من المسلمين ، وإلى جانب العناصر الرئيسية السابقة أقلية زنجية مختلطة منها الأجوا ثم أقلية من الفلاشا أي الأغراب وأغلبهم من اليهود . ويقدر عدد سكان أثيوبيا في سنة 1408هـ – 1988م (31,5) مليون نسمة .

النشاط البشري :

islamif_737355139

الزراعة والرعي حرفتان أساسيتان بأثيوبيا ، تعيش عليهما الغالبية العظمى من السكان ، والزراعة مبعثرة ، وتروى بالأمطار ، وتتنوع الحاصلات الزراعية ، وذلك بسبب تعدد الأنماط المناخية ، فتنتج الحبشة القمح ، والشعير من المناطق المرتفعة ، والذرة من المناطق المنخفضة ، كما تزرع البقول ، ومن الحاصلات النقدية البن (193 ألف طن) ، ويمثل أكثر من نصف صادراتها ، ويزرع في المناطق الجنوبية الغربية ، كما يزرع القطن ، وقصب السكر ، والموز ، أما الثروة الحيوانية في سنة 1408هـ – 1988م ، فتحتوي 31,5 مليوناً تقريباً من الماشية ، 23 مليوناً من الأغنام ، و17 مليوناً من الماعز ، وتشمل هذه الأرقام كل من إرتريا والأوجادين ، وإنتاج أثيوبيا من المعادن ضئيل ، فمن الذهب حوالي 1000 كيلو جرام ، ومن البلاتين 621 كج ، وإلى جانب هذا ثروة خشبية تنتج من مساحات واسعة ، تتمثل في الغابات المدارية والموسمية ولكن مشكلة الاستغلال تأتي من تخلف النقل بالبلاد .

كيف وصل الإسلام الحبشة ؟

mous_ev_631890078

تمثل أول وصول إلى الحبشة في عدد صغير من المهاجرين من الصحابة رضوان الله عليهم في العام الخامس من البعثة النبوية ، ولقد اختيرت الحبشة لأسباب عديدة ، منها عدل حاكمها ، ومنها الجوار الجغرافي ، وصلة القربى بها . وكان هذا الوصول هجرة عادت بعد تغيير أسبابها ، غير أن الوصول الفعلي للإسلام إلى الحبشة ، جاء عن طريق محورين رئيسيين أولهما محور بحري من بلاد العرب عبر البحر الأحمر ومضيق عدن ، فبعد أن استقر الإسلام بجزيرة العرب نقلت الدعوة خارج الجزيرة ، ففي سنة عشرين هجرية أرسل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه سرية بحرية  لتأديب قراصنة البحر الأحمر من الأحباش ، ورغم عدم توفيق هذه السرية ، إلا أن الدولة الأموية أرسلت قوات بحرية احتلت جزر دهلك قرب الشاطئ الإرتري ، واتخذت الدعوة الإسلامية طرق التجارة ، فانتشرت تحت جناح السلم .

وظهرت جاليات عربية مسلمة في مدن الساحل مثل باضع وزيلع وبربرة ، وبدأ نفوذ الدعوة ينتقل إلى الداخل في السهول الساحلية ، وفي صلب الحبشة ، وما أن حل القرن الثالث الهجري حتى ظهرت أمارات إسلامية في النطاق الشرقي ، والجنوبي الشرقي من الحبشة ، ودعم هذا الوجود الإسلامي ، هجرة بعض الجماعات العربية . وزاد اعتناق أبناء البلاد للإسلام ، فظهرت سبع أمارات إسلامية في شرقي الحبشة وجنوبها ، فكانت أمارة شوا الإسلامية سابقة عليها جميعاً ، وتأسست شوا على أيدي نسل (هشام المخزومي) ، وكشفت عنها الوثيقة التي اكتشفها المستشرق الإيطالي (شيرولي) ونشرها في سنة 1355هـ – 1936م ، واستمرت هذه الأمارة من القرن الثالث ، وحتى نهاية القرن السابع ، وإليها يعود الفضل في وصول الإسلام إلى قلب هضبة الحبشة ، لذلك كانت هذه الأمارة في عزلة عن العالم الخارجي .

ولما ضعفت في أواخر أيامها برزت أمارات أخرى ، ولقد مدت أمارة شوا الدعوة إلى حوض النيل الأزرق ، وورثت دولة أوفات أمارة شوا ، ولقد برزت أوفات كأقوى الأمارات الإسلامية السبع بالحبشة ، وهي دوارو ، واربديني ، وهدية ، وشرخا وبالي ودارة ، ولو أتيح لهذه الأمارات الاتحاد لتغير وجه تاريخ الحبشة ، غير أن التفكك والضعف جعلها تخضع لملوك الحبشة ، وأمام التحديات ظهر حلف إسلامي من الأمارات السابقة ، وجند له ملوك الحبشة فلقد قضي الإمبراطور (عمد أصيون) على دولة أوفات ، في سنة 729هـ ، وأسفرت الاشتباكات عن عقد هدنة مع التحالف الإسلامي ، بعد تدخل المماليك وهددوا ملوك الحبشة ، ولم تدم الهدنة طويلاً ، واشتد الصراع مرة أخرى خصوصاً بعد عقد مؤتمر فلورنسا بين الكنيسة الغربية والكنيسة الشرقية في سنة 857هـ – 1453م ، وحضره مندوب عن الحبشة .

وتكرر الصراع عدة مرات وقامت أمارات أخرى في غمرة هذا الصراع ، وبرزت من بينها أمارة عدل الإسلامية ، ثم أمارة هرر ولما ضعفت حركة المقاومة ، قاد الأئمة الجهاد ضد الأحباش ، وظهر الشيخ أبو عبد الله الزيلعي وجمال الدين عبد الله بن يوسف ، ثم برز الإمام أحمد بن إبراهيم ، والذي لقب (الجري) أي (الأشول) وخاض غمار حرب عاتية ، استولى فيها على مناطق عديدة من الحبشة ، فبحلول سنة 942هـ – 1535م ، كان قد استولى على وسط الحبشة وجنوبها ، ثم استولى على عاصمة الحبشة ، وطارد ملكها ، الذي استعان بالصليبيين ، وكان ملوك الحبشة على صلة بهم منذ الحروب الصليبية بالشام ، وكانت الاتصالات تتم عن طريق دير حبشي في بيت المقدس ، وبعد هزيمة الصليبيين في الشام وفد عدد من جواسيسهم على البلاد الإسلامية في محاولات للاتصال بملوك الحبشة ، تمهيداً لعودة الحروب الصليبية وأسفرت الاتصالات عن تكوين حلف صليبي ، لعب البرتغاليون فيه دوراً رئيسياً .

ولقد تدخل البرتغاليون في الحرب الدائرة بين الإمام أحمد (الجري) والحبشة فوصلوا إلى ميناء مصوع في 948هـ – 1541م ، وأخذوا في شق طريقهم نحو الداخل بمعاونة أمراء الحبشة ، ونتيجة لهذا التحالف هزم الإمام أحمد في سنة (950هـ) ثم استعان الإمام أحمد بالأتراك العثمانيين فأرسلوا إليه نجدة من 900 جندي ، وأحرز انتصاراً على التحالف الحبشي البرتغالي ، ولكنه أخطأ في إعادة الأتراك ، وأتى غزو الإمام أحمد بنتائج عظيمة لانتشار الإسلام في وسط الحبشة  وفي سائر أنحائها ، ومن أبرز هذه النتائج انتشار الإسلام بين قبائل الجلا ، أورومو وهكذا كانت ثمار المحور البحري الذي نقل الإسلام من جزيرة العرب إلى الحبشة .

أما المحور الثاني : فجاء بالإسلام من الشمال ، فبعد فتح مصر استمر تقدم الإسلام نحو الجنوب وقام البجاة الذين تمتد أرضهم من حدود مصر الجنوبية حتى حدود الحبشة بنقل الإسلام عبر هذا المحور الشمالي . ولقد انتشر فريق من التجار العرب عبره ، كانت منهم جماعات عديدة من جهينة وربيعة وقيس عيلان ، وانتشر الإسلام بين البجاة ، وقد أشار المسعودي إلى هؤلاء المسلمين عبر المحور الشمالي وتقدم الإسلام إلى عيذاب وسواكن وتجاوزهما إلى الجنوب ، والتقى المحوران في أرض الحبشة .

وساد الإسلام النطاق السهلي الساحلي في شرقي الحبشة ، والمعروف الآن باسم إرتريا ، كما توغل إلى المرتفعات الجنوبية ، بل وصل إلى وسط الحبشة ، واستمر الصراع بين المسلمين والمسيحيين ، بل انتقل بين المذهبين المسيحيين الكاثوليكي والذي وفد إلى الحبشة مع البرتغاليين ، والأرثوذكسي المذهب الأساسي للمسيحيين الأحباش ، وقد أدى هذا إلى مهادنة المسلمين بالحبشة ، فأخذ الإسلام يزداد انتشاراً في ظل السلام .

ثم عاد الاضطهاد في عهد الإمبراطور يوحنا في نهاية القرن الحادي عشر الهجري ، وفي القرن التالي سادت الانقسامات الحكم الحبشي ، وسيطر الجالا على الحكم وانتشر الإسلام في هذه الظروف بين قبائل التيجري في القسم الشمالي من هضبة الحبشة ، ثم تعرض المسلمون إلى الاضطهاد مرة أخرى في عهد الإمبراطور تيودور في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وفي عهد يوحنا من بعده وقد دخل في صراع مع الثورة المهدية بالسودان ، وفي عهد منليك خليفة يوحنا ظهر النفوذ الاستعماري وأخذ في التدخل للسيطرة على العديد من مناطق شرقي أفريقيا . فإذا نظرنا إلى المنطقة ككل بما فيها إرتريا والأوجادين نجد المسلمين أغلبية ، ويشكل المسيحيون ثلث السكان ، وإن جاز وصفهم بالأقلية فإنما هذا ينطبق على وسط الحبشة فقط ، حيث يشكل المسلمون ربع سكان هذه المنطقة ، فالمسيحية تتغلب عددياً بين قبائل تيجري والأمهرا وجوجام ، أما وضع المسلمين في المنطقة ككل فيتمثل في النسب الآتية (51% مسلمون ، 40% مسيحيون ، 9% وثنيون) .

وبما أن المسلمين في إرتريا يشكلون الأغلبية وكذلك وضعهم في الأوجادين، وحيث أن المنطقتين من المعاقل الهامة للإسلام ، كما أن الوضع البشري والتاريخي بهما يختلف عن الوضع في وسط الحبشة ، لهذا تناولت وضع المسلمين في إرتريا والأوجادين كلا على حدة ، وتتشابه الأحوال في بعض الأوجه ، منها التحديات وظروف الانتشار والتعليم الإسلامي ، فهذه سمات مشتركة . لذا فضلت معالجتها مع قضية المسلمين بالأوجادين ، ومن أبرز ملامح قضية الإسلام بهذه المنطقة الكفاح المشترك ، فكما ظهرت جبهات تحرير إرتريا والأوجادين ظهرت جبهة تحرير أخرى في قلب إثيوبيا وهي جبهة تحرير التيجري في شمال وسط الهضبة الحبشية وبدأت جولتها مع المجلس العسكري الحاكم في إثيوبيا ، وخاضت معركة في مدينة ( تسيرغا ) ، كما استولت على مدينتي فريس ماي ، وإيداجا – أربي في سنة 1402هـ .

كذلك ظهرت الجبهة الإسلامية لتحرير أورومو ، وهكذا تعبر هذه الجبهات عن حقيقة الوضع المتدهور داخل الحبشة ، ولقد حدث تحسن ضئيل على أوضاع المسلمين بإثيوبيا ، فبدأ المسلمون في بناء بعض المساجد والمدارس الإسلامية ، وعاد التعليم الإسلامي إلى المدارس الملحقة بالمساجد ، وجدير بالذكر أنه في العاصمة 13 مسجداً أبرزها مسجد النور وملحق به مدرسة إسلامية ، ولقد تم إنشاء 600 مسجد ومصلى في خلال العشر سنوات الأخيرة ونأمل أن يستمر هذا التحسن في أحوال المسلمين وينالوا حقوقهم من السلطات الإثيوبية ، وتخف حدة التحدي والبطش بالمسلمين عامة وبرجال الدين خاصة وتتوقف حملات عرقلة العمل الإسلامي .

ظهرت محاولات للصلح بين الحكومة الإثيوبية وجهات التحرير في الحبشة وإرتريا ، ونقلت الأنباء أخبار عقد جلسات للمصالحة بين جبهة تحرير إرتريا ، والجبهة الإسلامية لتحرير أورومو ، وجبهة تحرير تجري وعقدت الجلسات في لندن ، ولقد أنهار الحكم الدكتاتوري في إثيوبيا أخيراً وفر منجستو من البلاد ، وسيطرت جبهات التحرير المختلفة على الحكم ، ونسأل الله أن يستعيد المسلمون في إثيوبيا كيانهم الإسلامي .

الهيئات الإسلامية :

توجد هيئات ومؤسسات في إثيوبيا 8 منها في أديس أبابا ، كما يوجد بعضها في ديرداوا وباتي ، ووالدايا .

المصدر : السكينة

 

Leave a Reply