بينما كان الأنديجانيون يواصلون مظاهراتهم السلمية ويوقعون الحكومة في حرجٍ بالغٍ لجأت المخابرات الأوزبكية –حسب تحليل أكثر المراقبين- إلى إشعال فتنة دموية رهيبة تنبهر لها الشيطان إعجاباً وتقديراً، حيث اقتحم مسلحون مجهولون (مسيّرون بتخطيط المخابرات وفي ضمنهم بعض من أقارب السجناء) سجناً كبيراً بالمدينة في جنح الظلام في ليلة 12-13 من شهر مايو، فأطلقوا سراح السجناء ثم استولوا على المبنى الحكومي في المدينة.

 

وفي صباح يوم الجمعة 13/مايو بدأ الناس يجتمعون في ساحة “بابور ميداني” المجاورة للمبنى الحكومي، وكانت الشوارع المؤدية إليها ممتلئة بالناس وكأنهم سيل جارف، حتى وصل عددهم – على تقرير معهد الحرب والسلم “IWPR ” – إلى عشرين ألفاً من عامة الشعب من الرجال والنساء والأطفال الذين تجمعوا لبث شكاويهم وأمانيهم للرئيس الأوزبكي الذي أشيع بأنه سيحضر شخصياً لمقابلة أهل أنديجان.

ويبدو أن المخابرات التي خططت لتحويل التظاهر السلمي إلى هجوم مسلح (حتى تبرر ارتكاب القوات الهمجية للمذبحة التي يجري الإعداد لها) لم يتوقعوا أن تعداد المتظاهرين سيبلغ إلى مثل هذا العدد الهائل.

وقد حضر الرئيس إلى أنديجان في فجر ذلك اليوم إلا أن الجبن والرعب منعاه من اقتراب الميدان ومن الاستماع إلى مآسي الشعب، فـ”رئيس البلاد” بدلاً من إجراء “اللقاء المفتوح مع الشعب” دخل غرفة العمليات في مطار أنديجان وأجرى اجتماعاً طارئاً مع قوّاد الجيش والاستخبارات وأعطى الأوامر المطلوبة العاجلة لجنوده.

وبعد يوم من أن نفذّت قواته الأوامر على أتم وجه؛ خرج في شاشات التلفيزيون قائلاً: “ذهبت إلى أنديجان وقلت: ها أنا قد جئت، جئت من أجل لقاء شعبي ومن أجل حمايتهم”، وكان يقصد بذلك لقاءه السري في تلك الغرفة المجهولة مع جنرالاته المعدودين على أصابع اليد الواحدة !!

ولكن ما هو الدافع لافتعال هذه الفتنة؟

الهدف الحكومي من تدبير مثل هذه الفتنة الدموية هو صرف اهتمام الناس عن الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي عم البلاد وهيّج العباد، وذلك حتى يقتنع الناس بما يجدونه من لقمة العيش اليومية ولا يفكروا في الاعتراض على مظالم الحكومة في شيء لتتمكن الحكومة بذلك من القضاء على كل أشكال المعارضة وإسكات كل الأصوات المطالبة بالحقوق وإلقاء المسئولية عن هذه الاضطرابات على رؤوس المسلمين حتى تجلب لنفسها الدعم الدولي لمكافحة “الإرهاب الإسلامي”، كان هذا هو الهدف الأسمى لـ”الكريموفيين” من تدبير هذه المذبحة المروّعة!

وحتى تتمكن من تحقيق هذا الهدف كان على الحكومة الأوزبكية أن تخرج الناشطين ورجال الأعمال في البلد (الذين يبذلون قصارى جهدهم في الأعمال الخيرية بين الشعب المسكين الذي قهره الفقر المدقع) – تخرجهم إلى الميدان وتصنفهم ضمن المسلحين فتقضي عليهم مرة واحدة.

وإن كانت المخابرات قد فرحت من جريان أحداث ليلة الهجوم على السجن حسب تخطيطها إلا أن “الوقائع النهارية” تطورت تطوراً مفاجئاً مما جعل القسم الأخير من التخطيط ينقلب على الحكومة نفسها وتفتضح به أمام العالم أي فضيحة حيث وقع ما كان يحاول كريموف تجنبه دائماً ألا وهو المظاهرات الألفية وامتلاء الشوارع بالمحتجين خلال سويعات قليلة فقط.

القوات الحكومية تتجمع لمحاصرة الميدان
13/مايو/2005م

تركت السلطات الأوزبكية جميع الطرق المؤدية إلى الميدان مشرعة مفتوحة أمام الناس إلى منتصف النهار. وفي وقت الظهر وبعد امتلاء الميدان بالمتظاهرين أمر جنرالات كريموف قواتهم بمحاصرة المنطقة، فأغلقت جميع الطرق بالباصات العسكرية والآليات والمدرعات لمنع ازدياد الناس ثم لمنع تفرقهم وفرارهم من الميدان.

اترك رد