لزم كريموف وأذنابه في وسائل الإعلام المحلية الصمت المطبق صمًّا بكماً عمياً طوال يوم كامل من بدء المجزرة ، بل إن بعض القنوات التلفزيونية الحكومية لم تتوقف عن بث الأغاني لحظة واحدة ، وبعضها الأخرى كانت تبث دعايات الملابس النسائية الداخلية ، وأما القنوات الروسية فقد قطعت عن الشاشات تماماً. كل ذلك في وقت تنفذ فيه تلك المجزرة المدهشة على رؤوس المدنيين العزل من النساء والأطفال والشيوخ وجميع أهالي أنديجان، وكان الجنود الأوزبكيون يطاردون الجميع ويتفقدون الجرحى من بين الجثث فيقتلونهم واحداً واحداً !

ثم واصلت القوات الحكومية مهمتها طوال الليل بنقل جثث النساء والأطفال عبر شاحنات عسكرية إلى جهات مجهولة خارج أنديجان، كما قامت مجموعات منهم بغسل وتنظيف الشوارع والطرقات والجدران والأنهار من آثار الدماء.

بعد ذلك بدأت قناة الحكومة الأوزبكية في مساء اليوم الرابع عشر 14/مايو تتحدث عن أحداث أنديجان، وظهر فيها وجه كريموف البشع، وكان مستميتاً لإظهار نفسه بمظهر “الحليم الرحيم والشجاع” الذي يخرج أمام الشعب ويصارحهم بكل شفافية – كالعادة-، فادعى بأنه “لم يقتل أحد من المدنيين من عامة الشعب”، “لم يكن في الميدان أحد من المواطنين غير المسلحين”، “لم يكن هناك سوى مجموعة من الإرهابيين المسلّحين”، وأن “الإرهابيين الإسلاميين حاولوا للانقلاب على الحكومة” !

هذه “حليمه بوخارباييفا” -التي كانت تحت أمطار النيران متخفّية داخل أحد الأنهار الصغيرة وهي تنشر للعالم أخبار الإبادة الجماعية والني قابلت 13 مايو مع الذين استولوا على المبنى الحكومي- تقول:

“كنت في مدينة فرغانه (تبعد عن أنديجان حوالي مائة كيلوميتر) حينما خرج كريموف في التلفزيون ورأيته كيف يخدع الجميع في مؤتمره الصحفي زاعماً بأنه لم تطلق طلقة نارية حتى الساعة 18:00 (من يوم الجمعة 13/مايو) وأن الجنود لا يطلقون النار على النساء والأطفال، وأن الهجوم لم يبدأ إلا بعد أن انقسم المسلّحون إلى ثلاث مجموعات في الساعة 19:30 وبدؤوا ينسحبون من المدينة، وأنهم كانوا من الفدائيين الإسلاميين، وأن كل هذه الأحداث إنما تم التخطيط والتدبير لها قرغيزستان وأفغانستان ؟!

هذا محض كذب وافتراء! الذين استولوا على المبنى الحكومي لم يكونوا من الأصوليين الإسلاميين، وأنا شخصياً لم أسمع أحداً منهم يطالب إقامة دولة إسلامية ! ولم يكونوا هناك علامات إسلامية أبداً ! ولم أسمع كلمة “الله أكبر” مرة واحدة ” !!

(انظر: “أنديجاني الحبيبة” – IWPR).

إذاً؛ دجل كريموف هذه المرة لم ينفعه في أحوج ما يكون إليه، وكان مقرّاً في نفسه لأول مرة منذ 15 عاماً بأن سلطته – التي أقامها ووطّد أركانها بظلمه وطغيانه ودجله – قد اهتزّت وزلزلت، ومهما حاول على ضبط نفسه وتملكها إلا أن اضطرابه الكبير ورعبه الشديد كان واضحاً على لفتات لسانه وقسمات وجهه.

وفي يوم 16/ مايو عقدت هيئة الادعاء الأوزبكي العام مؤتمراً صحفياً، وأثناء المؤتمر فاجأ الحضور ضيف جديد لم يكن مدعوّاً للمؤتمر، فحسب تعبير “بي بي سي” فاجأ إسلام كريموف جميع الحاضرين وهو في حالة غضب شديدة جداً” قائلاً: “كيف يتصور أن آمر بقتل شعبي العزيز؟!”.

وكان يرفع صوته عالياً ويحاول على تبرئة نفسه بمثل هذه الكلمات.

وفي يوم 18/مايو نظّم “كريموف” للدبلوماسيين وبعض الصحفيين الأجانب رحلةً إلى أنديجان تستغرق عدة ساعات ليريهم الأماكن التي أعدت لإطلاع الضيوف عليها، وقد عرّف السفير الأمريكي هذه الرحلة بأنها “رحلة سياحية”، وقد تولى التطويف بهم ثالث السفّاحين الثلاثة الكبار ألا وهو “ذاكر ألماتوف” – وزير الداخلية – الذي تلا للضيوف قصة “البطولة” التي أدتها قوات الحكومة في 13/مايو.

اترك رد