د. أحمد مرتضى(*)

 

نتيجة انحسار سيطرة الدولة الإسلامية عن العالم الإسلامي منذ القرن الرابع عشر الهجري – بدايات القرن العشرين الميلادي -؛ كثُر انبثاق الجماعات الإسلامية، وأصبح ذلك من إرهاصات عصر العولمة في القرن الحادي والعشرين الميلادي.

والهدف من هذا البحث هو القراءة الواعية لحركة «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد»، المشهورة بـ «حركة بوكو حرام»، وذلك من حيث نشأتها، وتبلورها، والنظر في مبادئها، والأدلة التي استندت إليها، وهذا يقتضي التعمق في أدبياتها، والتأمل الدقيق للأقوال الصادرة من علماء الحركة، من أجل تكوين رؤية واضحة سليمة الدعائم.

ويعتمد هذا البحث على الأشرطة التي بثّ قادة الحركة فيها دعوتهم، وشرحوا خفاياها وزواياها، ومجموع هذه المفردات إذا صيغت في منظومة متحدة السياق تفيد في تحقيق هذه القراءة؛ إذ بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نقوّم هذه الجماعة تقويماً مناسباً لمقتضيات بروزها على الصعيد الوطني، وصمود أعضائها على آراءهم.

ويدور البحث حول سبعة محاور وخاتمة، على النحو الآتي:

 

أولاً: المفهوم الحقيقي وتداعيات النشوء.

ثانياً: المواجهات المسلحة.

ثالثاً: مبادئ الحركة.

رابعاً: مناهج الدعوة وآلياتها في الحركة.

خامساً: علاقة «بوكو حرام» بتنظيم القاعدة.

سادساً: التمويل في حركة «بوكو حرام».

سابعاً: موقف العلماء والعامة من الحركة وأفكارها.

ثم الخاتمة.

 

أولاً: المفهوم الحقيقي وتداعيات النشوء:

الاسم الحقيقي لهذه الحركة هو «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد»، وهو الاسم الذي يردّدونه ولا يرضون لهم اسماً سواه، وأطلق عليهم الناس، وبخاصة الإعلاميون، اسم «جماعة بوكو حرام»، وهذه التسمية قد شجبها أعضاء الحركة، ويفضّلون التسمية التي اختاروها لأنفسهم.

وأما مفهوم «بوكو حرام» المشاعة، وهي كلمة هوساوية، فلم يكن يعرفه سوى أهل الهوسا، وهي كلمة مركبة تركيباً مزجياً من لغتي الهوسا واللغة العربية، وقد كان الهوساويون يستعملون كلمة «بوكو» ويعنون بها «نظام التعليم الغربي»، وإذا أضيفت إليها كلمة «حرام» أصبح المعنى: نظام التعليم الغربي حرام، وبالأحرى أن تُفسر الكلمة بمحتواها الدلالي، وليس وِفق الترجمة الحرفية، وعلى ذلك يمكن أن تكون الترجمة الصحيحة هي: «اتباع النظام التربوي على السياق الغربي حرام».

ولم يشتهر لقب «بوكو حرام» اشتهاراً على مدى أوسع إلا بعد الاشتباكات الأخيرة في شعبان من السنة 1430هـ / يوليو – أغسطس 2009م، وإنما اشتهر المنتمون إلى «محمد يوسف» في ولايتي «برنو» و «يَوبي» بـ «اليوسفيّين»، نسبة إلى اسمه، ولا يرون غضاضة في إظهار هذه التسمية اقتناعاً منهم بها في تلك الفترة.

وأما «بوكو حرام»؛ فهي تسمية مشتقة من الفكرة التي يكثرون ذكرها مراراً لنصيحة المسلمين، وبخاصة الآباء، وطلبة المعاهد والجامعات، وسائر المعتنين بالتربية، فلُـقّبوا بها من باب التلقيب بما أكثر المرء من ذكره.

للناس من الكُتّاب والصحافيين، حتى العوام، تفسيرات عدة في تحديد المقصد الحقيقي لـ «بوكو حرام»، ولعل ذلك ناشئ عن عدم تداول أشرطة علماء «بوكو حرام» على نطاق واسع بين الأوساط العلمية وجمهور الناس، ولكن خير من يُعرب عن مفهوم الحركة هو زعيمها «محمد يوسف»، فقد كانت له خطب ومحاضرات خاصة بتفسير مقصدهم من تحريم دراسة «بوكو».

بعد إلقاء زعيم الحركة «محمد يوسف» محاضرة في ولاية «يُوبي Yobe»، أجاب عن سؤالات وُجهت إليه، كان من ضمنها سؤال عن مقصوده بتحريم «بوكو»، فقال: «يعنون بذلك الدراسة في المدراس التي أسّسها المنصِّرون، ويشمل هذا: المناهج الدراسية المقرّرة منذ الابتدائية، مروراً بالثانوية والمعاهد، إلى الخدمة الوطنية، حتى العمل».

 

خلفية لا بد منها:

قبل 2002م لم يكن هناك فكرة لحركة «بوكو حرام»، وإنما تمّ تأسيسها بعد حادثة 11 من سبتمبر، والأستاذ محمد يوسف من مواليد قرية نائية في منطقة يُونوساري من بلدة «غَشُوَ Gashuwa» من ولاية «يُوبيYobe » حالياً في شمال نيجيريا (1)، قبل اثنتين وثلاثين سنة من تأسيس الحركة.

في منتصف الثمانينيات ظهرت حركة «الإخوان المسلمين Yan Brothers» على المسرح العلني بزعامة إبراهيم الزكزكي، وقد اكتسبت حركته شباباً كثيرين، وقد انتظم «محمد يوسف» في هذه الحركة، المعروفة باعتمادها أسلوب الحماسة، وإثارة العواطف ضد الدولة باسم الدين.

وكان اهتداؤه إلى جماعة أهل السنّة والجماعة متأخراً، و «أبو يوسف» – كبعض الشباب المتحمّس- لم يلتحق بالدراسة النظامية، وإنما التحق بالفصول الليلية لمحو الأمية بمعهد الكانمي، ولكنه انفصل عنها بعد الفترة الثانية، وكانت مدة دراسته فيها سنة كاملة، إلا أنه أتقن القرآن اتقاناً في المدرسة القرآنية التي يتولاها والده، وقد حضر دروس بعض رموز السنّة في نيجيريا، وبعد الاهتداء إلى العلم عكف على الكتب الدينية باجتهاد شخصي.

وقبل 1994م بقليل ظهر التشيُّع والميل إلى العمالة للجمهورية الإيرانية في تصرفات زعيم جماعة الإخوان المسلمين «إبراهيم الزكزكي» وبعض المقربين منه، فتفككت جماعة «الإخوان» إلى كتلات، استمر بعضهم مع الزعيم الشيعي، وتوجه بعض آخر نحو السلفية، بينما أسس آخرون جناحاً جديداً على خطى الإخوان باسم «جماعة التجديد الإسلامي»، ورأوا الحفاظ على منهج «الإخوان» السابق بفارق جذري هو قطع الصلة بالجناح الشيعي بتاتاً، وبقي أمير كلّ بلد مع تابعيه؛ منتمياً إلى أحد الأجنحة الثلاثة؛ إما إلى الحركة الأولى بتوجهها الشيعي، وإما إلى الحركة الثانية برأيها التجديدي، أو الانتماء إلى أهل السنّة والجماعة.

 

تأسيس الحركة:

وفي غضون 1999م خضعت جمهورية نيجيريا – للمرة الثالثة – للنظام الديمقراطي، ولكن حاكم زنفرا الحاج أحمد ثاني يَرِيْمَابَكُورَا وجد في دستور الجمهورية النيجيرية مسوّغاً لإعلان تطبيق الشريعة في ولايته 2001م، ودعا سائر حكام الولايات الشمالية إلى ذلك، فاستجابت بعض الولايات للدعوة، بعد إلحاح شديد من قِبل رعايا هذه الولايات، فأعلنت حوالي اثنتا عشرة ولاية تطبيق الشريعة الإسلامية في حدود تخومها.

لا ريب أن الأستاذ محمد يوسف قد تأثر بانشقاق «جماعة الإخوان»، فتمكّن بصفته أحد رموز الإخوان من قيادة الفرقة التي انشقت معه، واستمر في تعليمهم وتوجيههم، واقترب من «جماعة إزالة البدعة وإقامة السنّة» جداً، ثم أصبح صدراً في ولايتي «يُوبي» و «برنو»، وبقي حيناً من الدهر على ذلك.

وبدأت أفكاره تتطور، ويُدخل تعديلات يراها تقدّمية في مجال الدعوة، لحدٍّ ملفت للنظر، ويرجع ذلك – كما قال الأستاذ محمد يوسف نفسه – أنه بعد انضمامه إلى جماعة الإزالة، كان هناك ثلاثة مساجد يتشاركون في إدارتها، فحصل تنازع في الإدارة بين أصحابه وبين جماعة الإزالة، وانتهى التنازع أخيراً بانحياز طلابه إلى أحد المساجد، وتركوا المسجدين الآخرين لجماعة الإزالة (2)، وهذه نقطة البداية، واستمر مع جماعته حتى استقل بتأسيس حركة «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد» حوالي عام 2002م.

 

ثانياً: المواجهات المسلحة:

ترجع بداية المواجهات المسلحة إلى انبعاث جماعة – ممن تأثروا بدعوة «محمد يوسف» – للاشتباك مع رجال البوليس عام 2003م، بدأت الأحداث حين اعتزل بعضهم زاهدين عن الدنيا منعزلين عن الناس في قرية «كَنَمَّ Kanamma» وفي بلدة «غَيْدَمْ Gaidam» بالقرب من جمهورية النيجر، فاشتُبه في تصرفاتهم، وأُبلغت عنهم الشرطة، فتحقّقت الشرطة منهم بلا جدوى، ولكن أُبلغ عنهم للمرة الثانية بسبب ما يقومون به من أعمال مشبوهة، وفي هذه المرة هجم عليهم رجال البوليس والجند، وتركوا منهم قتلى وجرحى.

شوهد رجال البوليس يأتون بأعضاء الحركة حتى بعض العرجى منهم، فيطالبونهم بالاضطجاع على بطونهم، ثم يطلقون على كلّ فرد منهم رصاصتين أو ثلاثة

وفي حملةٍ مقابلة؛ خرج جماعة برئاسة الشيخ «بَابَ Baba» بغضبة عارمة للأخذ بالثأر، استأصلوا فيها رجال الشرطة الذين قابلوهم في الطريق، وقطعوا مسافة طويلة مشياً على الأقدام حتى وصلوا «دماتُرُو» عاصمة ولاية «يوبي».

وأهل «كنّم» متشدّدون لحدّ أنهم يكفّرون حتى محمد يوسف حسبما يقول هو نفسه (3) ، ولم ينشرح صدره بخروجهم، للعلاقة المعروفة بينه وبينهم، وقد بلغه خبر الخروج وهو في المملكة العربية السعودية، ومع ذلك انهالت عليه حكومة نيجيريا بالتهديد والضغوط، فبقي هناك قرابة ثلاثة أشهر، حاول بعدها الرجوع فأقنعه بعض الناس ليبقى إلى وقت الحج، وكان الباعث الحقيقي لزيارته في رمضان عام 2003م هو العلاج في مستشفيات المملكة، وعلى أية حال؛ فذلك الخروج يطلق عليه أعضاء الحركة في أدبياتهم بـ «جهاد كَنَمَّ JihadinKanemma».

ومن ثم استمر «محمد يوسف» يواجه التحديات من قِبل حكومة ولاية «برنو»، والحكومة الفيدرالية بالمراقبة والتفتيش، وكان بعض الدعاة يتهمونه بالغلو والتطرف، في حين أن بعضاً آخر من رجال الدعوة ينصحونه بأن يستبدل الضجيج بالهدوء ونشر العلم.

على الرغم من ذلك؛ فقد اتخذ «أبو يوسف» مدينة «برنو» معقلاً لدعوته، استمر فيه ناشطاً في تحريض الشباب على الجهاد ضد ظلم الحكام، وتحذير الناس من الدراسة على نمط «بوكو»، وضد كل ما يتّسم بـ «الحداثة»، ولم تفتر عزيمة «محمد يوسف» في هذه الفترة عن التجوال في كلّ مدن شمال نيجيريا من «برنو» إلى «صكتو» لإلقاء محاضراته في الدعوة والاستعداد للجهاد.

وقد وفّق لحشد مجموعة من الشباب المتحمّس لإقامة الدولة الإسلامية، جاؤوا إليه مبايعين من الأماكن التي انتشرت فيها دعوته، وخصوصاً من ولايات الشمال الشرقية الخمس، وهي: «غومبي» و «أدماوا»، بالإضافة إلى «برنو» و «يوبي» و «بوثي».

وانتشرت دعوة الحركة أيضاً في ولايات الشمال الغربي، وهي: «كانو»، و «جيغاوا»، و «كتسينا»، و «صكتو»، و «كبي»، وتجاوب معه فيها عدد قليل، وإذا هاجر الناس إلى «برنو» يتجمّعون في المركز، وفي حارة «قَوزَارِي Gwazari» على طريق الذهاب إلى حارة «رُوَنْزَافِي RuwanZafi» في «ميدغري».

 

مجزرة شعبان 1430هـ / يوليو 2009م:

وفي بداية سنة 2009م صدر قرار من الحكومة الفيدرالية باستعمال القلنسوة الواقية للرأس، وقد تزامن هذا مع تحايل قام به بعض السارقين لاغتصاب أموال طائلة من والد حاكم ولاية «برنو» – على ما يقال -، فاشتط الحاكم غضباً وأمر رجال البوليس بتنفيذ قرار القلنسوة الواقية في أطراف ولاية «برنو»، وسمّى مهمتهم الخاصة بـ Operation Flush Out ، وقد نفذوا تلك المهمة بتشدد بالغ، تأذى منها شعب ولاية «برنو».

وفي هذه الأثناء خرج بعض أتباع «محمد يوسف» لحفر قبر دون القلنسوة الواقية، فاستقبلهم رجال المهمة الخاصة بعنجهية واحتقار، ولما خرج سائر المشيعين للجنازة شاهدوا الوضع المهين لإخوانهم، فحصل اشتباك عنيف هناك، أسفر عن جرح قرابة ثمانية عشر رجلاً من عناصر الحركة، لم تقبلهم المستشفيات إلا بعد عناء، مما أدى إلى وفاة أربعة منهم بعدُ.

غضب «محمد يوسف» من هذه العملية، وألقى خطابه المشهور، الذي أسماه «الرسالة المفتوحة إلى رجال الحكومة الفيدرالية»، هدّد فيه الدولة، وحدّد لها أربعين يوماً للبدء في إصلاح العلاقة بينها وبين حركته، وإلا سيبدأ عملية جهاد على مدى أوسع لا يُوقِفه إلا الله! فمضت الأربعون يوماً بأيام قلائل، ولم تحرك الحركة ساكناً، غير أن القيادة قد أعدّت – فيما بدا للمحللين – تنظيماً واستراتيجية استعداداً لخوض الحرب.

ظل أعضاء الحركة إبّان الأزمة يترقبون صدور فتوى من قيادتهم تبيح لهم الانطلاق، وكانت تحركاتهم ومحاضراتهم وخطاباتهم في البلدان تنمّ عن الاستعداد للمواجهة، ولهذا تحرّك رجال الشرطة في ولاية «بوثي» وهاجموا تجمّعاً للحركة في مسجد لهم، فاندلعت المواجهة عندئذ، وتأزمت العلاقة بين الحكومة وهذه الجماعة في تلك الليلة من شهر شعبان من السنة 1430هـ الموافق ليوم الأحد 26 من يوليو 2009م.

وفي حركة مقابلة؛ اقتحم بعض عناصر الحركة المسلحين مقر الشرطة الرئيس بـ «دُوظَنْ تَنْشِنْ DutsenTenshin»، وبعض المباني الحكومية في ولاية «بوثي»، فلم تستسلم الشرطة، ودافعت مستميتة، فحصل نتيجة لذلك اشتباك عنيف بين قوات الأمن والمسلحين في تلك الآونة، وفي الصباح تطايرت شرارة المواجهات إلى «دَمَاتُرُو» عاصمة ولاية «يوبي»، وانتقل الاشتباك بحرارة في نصف النهار إلى ولاية «برنو»، فتحوّلت العاصمة «ميدغري» إلى أرض المعركة، حيث كان المركز العام للحركة، ومثوى رأسها، وكبار الدعاة إليها.

واستمرت الحرب لمدة خمسة أيام، من الأحد إلى الخميس، انتقلت عَدواها إلى كبرى ولايات شمال نيجيريا: «ميدغري» و «بوثي»، و «كنو»، واقتحمت قوات الأمن معاقل الحركة في «بوثي» و «برنو»، وحُوصر الذين ثاروا في قرية «وُدِلْ WUDIL» بـ «كنو»، وأدى كلّ ذلك إلى مقتل أكثر من سبعمائة شخص من بين رجال الحركة والشرطة والجند وغيرهم من الشعب، واضطر أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة من سكان المنطقة للنزوح عن مساكنهم بعد اندلاع القتال.

 

نهاية المجزرة ومقتل زعيم الحركة محمد يوسف:

وفي أثناء المعركة اقتحمت الشرطة والجند المسجد الذي يستخدمه الأستاذ محمد يوسف لدروسه ومحاضراته (المعروف بمسجد ابن تيمية)، والواقع في المكان المعروف بالسكة الحديدية Railway على شارع «أَبّغَنَرَمْ Abbaganaram»، وفجّروه تفجيراً بقذائف مدوية، صكّت الآذان، وارتعدت من أجلها الجدران، وكانت حصيلة القتلى في المسجد وخارجه قرابة مائة من عناصر حركة «بوكو حرام»(4) ، وشوهد رجال البوليس يأتون بأعضاء الحركة، حتى بعض الجرحى منهم، فيطالبونهم بالاضطجاع على بطونهم، ثم يطلقون على كل فرد منهم رصاصتين أو ثلاثة (5)، وتوقفت المجزرة آنذاك بمقتل «محمد يوسف» نفسه بعد إلقاء القبض عليه، وإجراء محاورة مع بعض الجنود وكبار الشرطة، كما شاهد الكل ذلك مرئياً، لمدة خمس دقائق (6)، ثم قتلوه مكتوف اليدين، ويقولون إنه طلب الصفح والعفو قبل مقتله (7)، ولا ندري لماذا! وبعد الحرب حفرت الدولة المقبرة الجماعية لدفن الجثث في «ميدغري»(8) .

وكان مقتل «محمد يوسف» محاطاً بغموض عظيم، وتفسيرات عديدة من قِبَل مصادر الدولة، فمن يتحمل مسؤولية قتله؟ ولماذا؟ وما يثير دهشة بعض المحللين أنه لماذا لم يخضع للمحكمة حتى تُعرف التفاصيل عنه بمنطقه ه) ؟!(9).

 

إعادة تشكيل المنظومة:

بعد مقتل «محمد يوسف» تحدث ناطق رسمي للحركة بأن مقتله لن يغيّر مجراهم، ولم يؤثر فيهم سلباً، بل حفّزهم على الاستماتة وتنفيذ مشاريعهم. ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي في 16 أغسطس 2009م بياناً رسمياً أسفر عن تطوّر جديد للحركة، حيث تحدث فيه المدعو بـ «ثاني عمر»، وصف نفسه آنذاك بأنه «الزعيم بالنيابة»، ويعد بيانه هذا الأول من نوعه عقب تلك الاشتباكات الدموية، ذكر أن: «الجماعة ألحقت نفسها بالقاعدة، وأنها تنوي شنّ سلسلة من التفجيرات في شمال البلاد وجنوبها؛ ابتداء من أغسطس مما يجعل نيجيريا مستعصية على الحكم»(10) .

وفي نهاية شهر يونيو 2010م ظهر نائب «محمد يوسف» المعروف بـ «أبي بكر شيكَو» على صفحة الإنترنت، مقنِّعاً رأسه، ومدجّجاً بالبندقية أك 47، وظهوره هذا يشبه الرد على إشاعة مقتله ضمن مجموعة القتلى، ظهر يؤكد أنه بالرغم من مرور سنة كاملة على الهجوم عليهم فإنهم ما زالوا ملتزمين بمبادئ الحركة، وعلى وشك شنّ هجوم عنيف على الغرب الكافر ومتبعي أنظمتهم في نيجيريا (11)، ومن هنا أصبح الأستاذ أبو بكر شِيكَو هو زعيم الحركة، ويلقّبه أعضاء الحركة بـ «الإمام»، وقد استمر عناصر الحركة في النشاطات خفية بزعامته، ومساعدة نواب آخرين.

ويبدو أن الحركة في هذه الفترة عملت على تحقيق هدفين:

أولاهما: تحرير أعضاء الحركة الذين أُلقي القبض عليهم، وزُجّ بهم في السجون.

وثانيهما: الدفاع عن النفس، وفي سبيل الدفاع عن النفس ذكر «الإمام شيكَو» أن جماعته إنما تقاتل ضد ثلاثة أصناف من الناس، وهم: الشرطة والجنود المسلحون، والمسيحيون، ثم الوشاة بالحركة وأعضائها، وأما جمهور الناس فقد أكد أنهم لا يمسونهم بسوء، وقد قال الأستاذ محمد يوسف مثل ذلك في محاضرة ألقاها يوم الأحد 18 ربيع الأول 1430م.

وتتالت الأحداث بتفجيرات وإطلاق رصاصات هنا وهناك تستهدف أفراد الشرطة والجند أو مراكزهم، وكان لـ «مَيدغري» قسط كبير من الإغارة، وكذلك ولايتي «يوبي» و «بوثي»، وهكذا مرّ عام 1431هـ / 2010م في تهارج واضطرابات وخصوصاً في الولايات الثلاث المذكورة.

وقد كان عام 1432هـ / 2011م مليئاً بالأحداث المختلفة سياسية واجتماعية واقتصادية، خرج معظم النيجيريين لانتخابات إبرايل، فأصبح جونثان هو رئيس الجمهورية، وقد أحدث هذا خنقاً مؤلماً للكثير من الشعب المسلم، خصوصاً في الشمال.

وتزامنت هذه الزوبعة مع التطهير العرقي الحادث في ولاية جوس، حيث قامت مجزرة كبيرة، لقي فيها المسلمون ألواناً من انتهاك الأعراض والغصب والقتل الوحشي، عدة مرات، من أعظمها ما كان في شهر مايو، في أيام العيد، وهذا مما زاد الطين بلة، وأثار حفيظة المسلمين بمن فيهم «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد»، فتوسعوا في الإغارات والتفجيرات ضد المسيحيين.

وقد ذكرت بعض التقارير أن أكثر من 550 شخصاً لقوا حتفهم في عام 2011م، في قرابة 115 هجوماً (12)، سوى المصابين بالجروح والإصابات الخطيرة.

والسجل التاريخي لنيجيريا لا ينسى كذلك ثلاث حملات كبرى مما شنتها هذه الجماعة في ذلك العام:

أولاها: كانت ضد مكتب الأمم المتحدة بأبوجا، وذلك في 26 من أغسطس 2011م، وهو في الحقيقة تفجير عنيف قُصف به مبنى المكتب، نتج عنه سقوط خمسة وعشرين شخصاً، وإصابة أكثر من مائة شخص، وقد كشف هذا التفجير أن أعضاء الحركة على استعداد لإجراء ما يُسمّى بتعبير الإعلاميين بـ «العملية الاستشهادية» (13).

وثانيها: هو التفجير الكبير الذي يعد – في الحقيقة – الأول من نوعه، استهدف رئيس الشرطة النيجيرية الحاج حافظ رِنْغِمْ قبل عزله، وقع التفجير بالمركز الأعلى للشرطة بأبوجا، حيث فجر قائد السيارة نفسه، فلقي كثيرون مصرعهم، ونجا رئيس الشرطة من الإصابة، وكأن هذه الإغارة ردّ فعل لحديث تحدث به مع إذاعة بي.بي.سي – قسم الهوسا، كشف فيه عن خطة شاملة وعزم صارم للإطاحة بهذه الحركة.

والحملة الكبيرة الثالثة: كانت على كنيسة كاثوليكية في يوم عيد الميلاد للمسيحيين، اليوم 25 من شهر ديسمبر، في ولاية نيجر، بالمحافظة المعروفة بـ «مادَلّلا Madalla»، أدى الهجوم المفجّر إلى مقتل أربعين، وإصابة آخرين بجروح، ويُتهم اثنان من قيادات الحركة بهذه المهمة «كبير صكتو» و «بشير مادللا»، وقد ألقي القبض على الأخير في 17 من فبراير.

 

آخر تطورات الأحداث في عام 2012م:

وفي 2 يناير 2012م أصدرت الجماعة تحذيراً للمسيحيين الموجودين في شمال نيجيريا بإخلاء الشمال كلياً في حدود ثلاثة أيام، وإلا فالويل والثبور لهم، وبعد ثلاثة أيام، وذلك في 5 من يناير تحديداً، هجم عناصر الحركة على كنيسة في ولاية «غومبي»، وقتلوا زوجة أسقف الكنيسة مع ستة رجال آخرين.

وفي 6 من يناير لقي اثنا عشر رجلاً من قبيلة «إيبو Igbo» مصرعهم بمحافظة «مُوبِي» في ولاية «أدماوا»، وفي اليوم نفسه قُتل اثنا عشر آخرون في أثناء الطقوس في كنيسة في «يُولا»؛ عاصمة ولاية «أداماوا».

وفي 14 من يناير اعتُقل أحد المشتبَهين بتدبير الهجوم على كنيسة Madalla يُسمّى الأستاذ كبير عمر صكتو، ثم بعد أربعة وعشرين ساعة انفلت من الشرطة صدفة، لما ذهبوا به إلى مقره للكشف والتحقيق، وقد تعجب من هذه المهزلة الشعب النيجيري كافة، ووعدت الشرطة بمبلغ عظيمة لمن يدل عليه، ووقع «كبير صكتو» في كمين القوات الأمنية، وألقي القبض عليه من جديد في 7 فبراير.

وفي يوم الجمعة 20 يناير الساعة الخامسة مساء، اهتزت مدينة «كنو» بدوي الانفجارات المتتالية بعد تمام الساعة الخامسة مساء، وقد استهدف بها سبعة مواضع، كلها مراكز للشرطة، وذكرت المصادر الحكومية أن ما لا يقل عن 186 لقوا حتفهم جرّاء تلك التفجيرات بمدينة «كنو»، وهو أكبر عدد من القتلى في يوم واحد منذ بدأت الحركة بعمليات التفجير والهجمات المسلحة، الأمر الذي دفع الرئيس جونثان إلى زيارة مدينة «كنو» للتعزية ومشاهدة مدى الخسائر، وبعد رجوعه إلى «أبوجا» أعلن عزل القائد الأعلى للشرطة، الحاج حافظ رنِغِمْ من أصل ولاية جِغاوَا، وأبدل مكانه الحاج أبو بكر من أصل ولاية زَنْفرا.

وظهر «الإمام شِيكَو» فيما أذاعته بي.بي.سي ظهراً في 26 يناير، مُقراً أن جماعته هم الذين شنوا تلك الغارة الشعواء بأمر منه، وأظهر أنه حادث مفرح جداً، وألقى باللائمة على الحكومة لأنهم بعد انتهاء الإغارة بدأ رجال البوليس بإطلاق الرصاص عشوائياً على الشعب.

دخل الشعب النيجيري، وبخاصة الشماليون، في معاناة ورعب من الأوضاع المتأزمة، وأخوف ما يخيفهم الجيش ورجال البوليس، حيث يعاملون الناس معاملة خشنة

والملفت للنظر في يوم 26 من يناير أن الرئيس جونثان طالب قيادة «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد» أن تظهر في الساحة، وأشار إلى إمكانية الهدنة مع الحركة لإيقاف المواجهات وإيجاد السلام الشامل.

وكأن خطابه هذا جاء استجابة لرغبة كثير من ذوي الهيئة في إيجاد جوٍّ لصالح للهدنة، لكن لم تستجب قيادة الحركة للدعوة إلى الهدنة، وقد ذكر «الإمام شيكو» في شريط مسجل في 11 من يناير 2012م، قبل تفجيرات «كنو» عبر موقع يوتيوب، أنهم يقبلون مبادرات الهدنة ما دام أنها موافقة للهدنة الشرعية المبيّنة في القرآن (14) .

وفُوجئت بعض البيوتات في «ميدغري» ليلة السبت 28 بحشد من الجند يتخطفون بعض الشباب، وبعد تجميع أحد عشر شاباً أطلقوا عليهم النار وأعدموهم، وظهر بعد ذلك أن أولئك الشباب كانوا من «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد»، وهذا بلا ريب مما يثير حفيظة زعماء الحركة.

وحصل في يوم 29 من يناير شيء مهم للغاية؛ إذ تحدث «أبو القعقاع» المتحدث باسم الحركة مع الصحافيين، وذكر أنهم أرسلوا رسائل إلى سلطان مسلمي نيجيريا محمد سعد بـ «صكتو»، وبعض كبار السياسيين في تلك الولاية، مطالبين إياهم بالتدخل في إطلاق سراح رجالات الحركة المعتقلين، وإلا سيوقعون دماراً شاملاً كما وقع في أماكن شتى بولاية «كنو»، وطالب في بيانه الحكومات بإطلاق سراح أعضاء الحركة المقبوض عليهم رجالاً ونساء؛ أينما كانوا (15).

وذكرت القوات الأمنية أنهم ألقوا القبض على «أبي القعقاع» المتحدث باسم الجماعة ليلة 31 من يناير 2012م (16)، غير أن الجماعة أنكروا القبض عليه، وتحدث «أبو القعقاع الحقيقي» مع الصحافيين، وأثبت أن المقبوض عليه ليس هو، وإنما يُدعى «أبو الدرداء»، وهو بالفعل من كبار عناصر الحركة، يشغل رئيس لجنة المفاوضات، وقد أرسلته الجماعة للاستعداد للهدنة المطروحة، ولكن جاء القبض عليه مخيباً للأمل وإجهاضاً لترتيبات الأمن والسلام في المستقبل.

وأضاف أن الحركة تتولى مسؤولية ذبح ستة أشخاص في «ميدغري»، وبيّن أنهم كانوا من قَبل من أعضاء الحركة ثم خانوها وأرشدوا الجند إلى أماكن وجود أحد عشر رجلاً من عناصرها، وهم الذين قتلهم الجند، ولا ريب أن قتلهم تفسير تطبيقي لما تقوله الحركة حول حتمية الهجوم على الوشاة بها.

وفي 7 من فبراير فوجئت ولاية «كدونا» بثلاث هجمات عنفية، ولم تسفر الهجمات عن قتلى، غير أن هناك كثيراً من المصابين بالجروح.

وفي أثناء هذه الأوضاع نشرت محطة تلفازية «NTA» شريطاً، يدّعي فيه شخصان متقنعان أنهما من الجماعة، واستخدم المتحدث بينهما اللغة الإنجليزية، وبيّن أنها عازمة على إجراء اتفاقيات السلام مع قيادات نيجيريا، وذكروا أربعة من كبار الشخصيات، وهم: الشيخ أبو بكر غَيرُو، والدكتور شَتِيما علي منغُنُو، والحاج علي بُوكَر إبراهيم- حاكم ولاية «يوبي» السابق، وشدّد على أن ما يبرمه هؤلاء الأربعة سيغير مجرى الأوضاع المتأزمة سريعاً.

ولكن في المقابل كذّب المتحدث باسم الحركة المعروف بـ «أبي القعقاع» هذا الشريط في تحاور هاتفي مع الصحافيين بـ «ميدغري»، وأوضح أنهم لا يقبلون أي مباردة للهدنة بعد القبض على «أبي الدرداء»(17)، وأكبر شاهد على ذلك الهجومات الثلاثة على ولاية «كدونا»، الولاية التي تمّ القبض فيها على «أبي الدرداء» ، ثم ظهر وزير الإعلام النيجيري يبدي تشكك الدولة في صحة ذلك الشريط، وأنها ما زالت على استعداد للهدنة مع جماعة «بوكو حرام»(18) .

 

نتائج الأحداث والمواجهات السابقة:

أولاً: تعطل المصالح العامة، حيث فرض حظر التجوال في بعض المدن، فتوقفت البنوك والأسواق عن العمل، وأُغلقت المدارس، وتجمّدت المجالسُ والمعاهد العلمية لعدم توافر الأمن، ودخل الشعب النيجيري، وبخاصة الشماليون، في معاناة ورعب من الأوضاع المتأزمة، وأخوف ما يخيفهم الجيش ورجال البوليس الموزّعون على الشوارع والسكك، حيث يعاملون الناس معاملة خشنة بالتخويف والضرب وأخذ الرشاوي.

ثانياً: ظهور أصوات تنادي بتقسيم الدولة، فقد بدأت بعض القبائل تنادي بتقسيم دولة نيجيريا إلى دولتين في الجنوب والشمال، وكانت قبيلة «إيبو» على مقدمة المناشدين لهذا التشقيق، وقد شجب هذه الدعوة بعض زعماء القبيلة، وكثير من كبار الشماليين، ولكن ظهرت أحداث خطيرة، حيث بدأ بعض الجنوبيين بالهجوم على المساجد بالتحريق والهدم، الأمر الذي قد تشتعل به نار الفتنة!

ثالثاً: انتشار الفساد بأضرابه في الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية، حتى قطع شوطاً بعيد المدى في نيجيريا، وقد استطاع بعض المحتالين – وسط هذا الخضم – أن يلفّقوا الأكاذيب والحيل لأكل الأموال باسم الحركة، كما هو قد يدل على ذلك الشريط المرسل إلى المحطة التلفازية السابقة؛ إذ لم تكشف المحطة مصدرها، ولم يذكر المتحدث فيه عن اسمه، بل إن الجماعة لا تستخدم اللغة الإنجليزية أداة للنشر وتوجيه الخطاب للشعب أو لقادة نيجيريا.

وقد تزامنت هذه الأحداث مع البيان الذي نشره البروفيسور وُلَيْشُويِنْكَا، حيث ذكر أن حياته مستهدفة من قبل عناصر «بوكو حرام»، وهذا مع أن البروفيسور معروف بانتقاده اللاذع للشماليين(19) .

 

ثالثاً: مبادئ الحركة:

سوّغ «محمد يوسف» موقفه وموقف حركته عدة مرات من تعلّم العلوم العصرية قائلاً: إن نظام التعليم الغربي يتعارض مع تعاليم الإسلام

«جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد» من الحركات المعاصرة التي ترى أن تطبيق الشريعة لا يحصل إلا بالسلاح والمواجهة لإزالة الحكومة الظالمة، وردع معاونيها، وتوجّه الحركة الفعلي والمنهجية التي رسمها مرجعيتها يدلان على ذلك.

ونستطيع اكتناه المحتوى الحقيقي للحركة في دراسة متأنية لمبادئها والمناهج التي اختطّها أبرز قياداتها وعقلها المدبِّر، أعني الأستاذ «محمد يوسف»، لتحقيق الهدف وتفعيل الحركة، وكذلك ما يؤخذ من البيانات التي يصدرها قائدها «الإمام شيكو» على صفحات يوتيوب، فإن له دلالات ذات قيمة في تحليل اتجاه الجماعة.

وللحركة كتابات خاصة بحث فيها الكُتّاب منهم عن هذه المسائل، مثل كتاب «هذه عقيدتنا ومنهج دعوتنا» لمؤسس الحركة، وهناك كتاب آخر بعنوان «جاء الحق…»، أخفى مؤلفه اسمه الحقيقي، وسمّى نفسه «علاء الدين البرناوي»، وغير ذلك من الكتيبات، وقاموا بخطب منبرية، ومحاضرات توعوية كثيرة، بثّوها في أشرطة وسيديهات، حتى على الإنترنت.

 

وفيما يأتي نستعرض أبرز مبادئ الحركة:

هذه المبادئ والمناهج استخلصتُها – أنا – من أشرطة قيادات الحركة وكتبهم، وليس محررة من قِبلهم:

1 – إثبات الحاكمية لله تعالى وحده، وحرمة الديمقراطية لمضادتها الإسلام جملة وتفصيلاً،والسياسيون المنتخبون عن طريق الديمقراطية كلهم كفار؛ لإيمانهم بنظام يجري على الطرف النقيض للإسلام؛ «لأن الحكم بالقانون الوضعي كفر بواح» (20)، وينقد «محمد يوسف» قول القائلين: «لا يجوز الخروج، حتى ولو كان الحاكم كافراً تجب طاعته. لا شك أن هذا من جملة عقائد المرجئة…»، واستدل بحديث لتقوية رأيه، وهو ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله خطيباً، فكان من خطبته أن قال: «ألا إني أوشك أن أُدعى فأجيب، فيليكم عمال من بعدي، يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهراً، ثم يليكم عمال من بعدهم يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم، ووازرهم، وشد على أعضادهم، فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم، واشهدوا على المحسن بأنه محسن، وعلى المسيء بأنه مسيء»(21) .

2 – ويعتقد أعضاء الحركة أنهم «الفرقة الناجية»، وبهذه القناعة يتحركون، ودليل ذلك – في نظرهم – أنهم يُحيون روح الجهاد في مسلمي نيجيريا.

3 – تحريم التعلّم في المدارس النظامية من الابتدائبة إلى الجامعة، لعدة أسباب؛ منها(22) :

– أن المسيحيين المنصِّرين والمستعمِرين هم الذي أسّسوا هذه المدارس منذ البدء لتخدم غايتهم في تنصير الأمة المسلمة، وقد كان نظام التعليم تابعاً للإسلام في بلادنا قبل مجيء المنصِّرين، ولم يزل مستقيماً على الجادة حتى تغلّب المستعمِرون على جنبات البلاد، فكرّسوا أنظمتهم على كلّ مرافق الحياة، ولأهمية نظام التعليم، لارتباطه الوثيق وتأثيره في الحياة، قد خططوه، وأفرزوا المناهج، وفق ما يحوّل المسلم رويداً رويداً إلى الكافر، أو العميل لهم.

– انتشار الاختلاط الممزوج بالتبرج في الفصول والقاعات وساحات المدارس، والله تعالى يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب : 33]، واقتضى هذا انتشار الفواحش والرذائل كالزنا والسحاق واللواط.

– تعلّم بعض المواد والأفكار والنظريات المضادة للدين، نحو نظرية دارون في تطوّر خلق الإنسان، والتي تخالف قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم : 20]، واعتقاد بعضهم وقوف الشمس ودوران الأرض حول الشمس، ونظرية الذرة بأنها لا يمكن خلقها ولا إفنائها تخالف قول الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن : 26 ، 27]، وأن للنطفة روحاً متحركة يخالف قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة : 28]، وأن المطر يعود إلى السماء في الصيف، ثم ينزل في الربيع، يقول: «المطر مثلاً نحن كمسلمين نعتقد أنه من عند الله، وليس من صنع الشمس»، تخالف هذه النظرية قول الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون : 18]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ…﴾ [النور : 43].

وكان «محمد يوسف» سوّغ موقفه وموقف حركته عدة مرات من تعلّم العلوم العصرية قائلاً: إن نظام التعليم الغربي يتعارض مع تعاليم الإسلام، والأمثلة على ذلك كثيرة، كما لا يؤمن «أبو يوسف» بأن الأرض كروية.

4 – رفضت الحركة العمل تحت الحكومات الديمقراطية الحالية، سواء في الشرطة والجند والأمن، وسائر الوظائف الديوانية؛ لأن ذلك من جملة الطاعة المطلقة لنظامها الكافر، والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود : 113]، وبعد أن ذكر «محمد يوسف» جملة من الأحاديث قال: «فمجموع هذه الأحاديث تدل دلالة قطعية على أن العمل لا يجوز تحت الحكومة التي لا تحكم بالكتاب والسنّة، إنما تحكم بالقوانين الشيطانية، وكذلك لا يجوز عمل الشرطة والجندية تحتها من باب أولى»(23) .

 

رابعاً: مناهج الدعوة وآلياتها في الحركة:

تفترق كلمة «المنهج» عن كلمة «المبدأ»؛ من حيث أن «المبدأ» هو العقيدة العامة الكامنة في الضمير، يمضي نحوها صاحب المبدأ كغاية، وأما «المنهج» فهو الوسيلة التي رسمها صاحب المبدأ وهو يؤمن أن خطواته توصله مباشرة أو في نهاية المطاف إلى غايته، ولكل «مبدأ» وسيلة يُتوصّل بها إليه، غير أنها تختلف من حيث المشروعية وقابلية التطبيق.

ونتيجة لدراسة للمصادر المكتوبة، وما بثّه قادة الحركة باللغات الثلاث التي يَتَحدثون بها (الهوسا وكانوري، واللغة العربية) في خطبهم ودروسهم ومحاضراتهم المخزّنة في الأشرطة، استخلصت أهم ما ظهر أنه المنهج المختط لترسيخ المبادئ التي تريد الجماعة تحقيقها واقعياً.

ونجملها في النقاط الآتية:

1 – تشكيل الدولة:

تتطلب الدولة – كلّ دولة – مقوّمات خاصة؛ من أهمها «الإمام» الذي يقودها، ويكون رمزاً لعناصرها، ومرجعاً لشؤونها، و «محمد يوسف» قد تمّت له «البيعة» بالإمامة من قِبل عناصر حركته، ومن ثم كانت له صلاحية فرض الخوض في المعارك، وتحديد بنود الأمن والسلام.

ولهذا الإمام نائب عام، وهو «أبو بكر شِيكَو»، وأمين عام للحركة، وهو «محمد نور»، كما أن لكل ولاية من ولايات نيجيريا أميراً، تحته مندوبون من جهات بلده، ومسؤولون آخرون في كل الحكومات المحلية.

وللحركة مجلس للشوري، ينظر في الأمور الطارئة للتحقيق والمناقشة وإبرام الرأي الأخير، وكان «محمد يوسف» قبل وفاته لا يحيد قيد أنملة عمّا ارتآه ذلك المجلس، فحينما قطع مجلس الشوري – مثلاً – مشورة البدء بالجهاد على أراضي نيجيريا؛ أعلن «محمد يوسف» ذلك في المحاضرة المشهورة بـ «الرسالة المفتوحة إلى الحكومة الفيدرالية»، وذكر فيها أن جماعته خاضت في صميم المعركة مع حكومة نيجيريا.

2 – المنهج التربوي:

التربية التي يعتني بها أعضاء الحركة تجمع بين التربية الروحية والبدنية، أما التربية الروحية؛ فقد كانت مساجدهم مسكناً، ومدرسة، ومراكز لقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن، والأذكار، وكانت مرجعية الحركة يكررون على مسامع عناصرها ترك الذنوب، وكلّ ما يخدش المروءة، ويُسقط الأعراض من حضور صالات الرقص، والسينما، وشرب الخمور، والزنا، والرياء والكبر والحسد والحقد، إلخ (24).

وأما التربية البدنية؛ فإنهم في بعض الأحايين يقومون في المساجد نفسها، يربّون أنفسهم على الرمي وبعض الأنشطة المقويّة للجسد، ولهم جولة على الأقدام كلّ صباح بعد صلاة الفجر، ويدعوهم الزعيم إلى التمرينات، ولو في البيوت، لإجادة الرمي والتصويب وسائر الأنشطة، وفوق ذلك هناك عناصر تقوم الحركة بتدريبهم تدريبات عسكرية في الفيافي، وإرسالهم إلى أصحابهم في العقيدة والحركة في البلدان النائية، والدول المجاورة.

3 – المنهج التعليمي:

يقف منهج «بوكو حرام» التعليمي على الدروس المجلسية والمحاضرات، وإقراء الكتب في مساجدهم الخاصة، وبما أن ولاية «برنو» هي معقل الحركة؛ فإن لهم فيها أربعة مجالس كبيرة في «ميدغري»، وهي:

1 – مركز ابن تيمية: كان «محمد يوسف» يلقي فيه دروسه يومي السبت والأحد.

2 – حارة دُوْكِي UnguwarDoki : اتخذ فيها مجلساً لتفسير القرآن كلّ يوم الجمعة ليلاً، وهو أكبر مجالسه.

3 – مسجد فِزَان Fizan : كان يلقي فيه بعض الدروس، وينوب عنه بعض الدعاة في غيابه.

4 – مسجد مَفُوْنِي Mafoni : يلقون فيه المحاضرات العامة مرة أو مرتين في الشهر.

استفاد أعداء الإسلام من ثورة هذه الحركة، وكان من نتائج ذلك أن هرول رؤساء نيجيريا يستنجدون بأمريكا وإنجلترا في مواجهة هذه الحركة وكان تركيزهم في بعض الكتب، أو المقاطع من بعض الكتب التي تحض على الجهاد، وتوضّح نواقض الإيمان، وتشمل الكتب المدرّسة لديهم: تفسير القرآن، وصحيح البخاري، ورياض الصالحين للإمام النووي، وبلوغ المرام للحافظ ابن حجر، والرسالة لابن أبي زيد القيراوني، والأصول الثلاثة وكتاب التوحيد (كلاهما للشيخ محمد بن عبد الوهاب)، وأحكام الجنائز وكتاب صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (كلاهما للشيخ الألباني)، والولاء والبراء للشيخ الفوزان، وغيرها، وقد بلغ من اعتناء «أبي يوسف» بالمجالس والدروس أن أصبحت هي شغله الشاغل على مدار الأسبوع، قلما تفوته إلا أن يذهب لدرس آخر في بعض المدن والولايات.

ومن جانب آخر لهم مدراس خاصة لتحفيظ القرآن للصغار، وبخاصة المدرسة الملحقة بمسجد ابن تيمية، كان الصغار يتعلمون القرآن مجوداً، ويحفظون الأوراد النبوية، وتلتزم المدرسة كذلك بالمظاهر والزي الإسلامي من لبس العمامة للفتيان، والحجاب للفتيات، وقد انتهز المدرسون في هذه المدارس فرصة للدعوة، وتطعيم الأطفال بعض الأفكار التي آمن بها بعض زعماء الحركة، كتحريم مشاهدة التلفاز، وغير ذلك.

ويفضل أعضاء الجماعة استخدام اللغة العربية في التحدث والتخاطب، ولعله من أجل مكانة اللغة في دين الإسلام، وهو اللغز الذي عسر فكه لدى بعض الشعب، فظنّوا أنهم ليسوا بنيجيريين، وإنما أتوا من بعض الدول الإفريقية، وحاولت القيادات تمييز الجماعة عن باقي الحركات السلفية، لحد أنهم يعدّون سائر أهل السنّة كسالى، وهذا صريح في بعض خطابات «محمد يوسف»، وكان يصب جام غضبه على كسالى من العلماء، على أنه في بعض الأحايين كان ينهى أعضاء الحركة عن إطلاق كلمة «الطاغوت» على العلماء(25) .

 

4 – المصادر العلمية المعتمدة لدى الحركة:

تقول قيادات حركة «بوكو حرام» إنهم يعتمدون على فتاوى العلماء السابقين في كلّ ما يقولونه من رأي، وكان من دأب زعيم الحركة أن يذكر أسماء المراجع والمصادر التي هي كالقطب لحركته، أو لرأي ذهب إليه، يذكر مثلاً كتاب الشيخ بكر أبي زيد رحمه الله تعالى «المدارس العالمية الأجنبية»، وكتاب «مدارك النظر في السياسة: بين التطبيقات الشرعية والانفعالات الحماسية» للشيخ عبد الملك بن أحمد بن المبارك رمضاني الجزائري، وكتاب «حكم الجاهلية»، وهي مجموعة مقالات وتعليقات للشيخ أحمد محمد شاكر- جمعها ابنه الأستاذ أسامة، وكتاب «العلمانية» للشيخ أحمد شاكر أيضاً، وقد صرّح «محمد يوسف» في بعض أشرطته أنه تأثر جداً بهذا الكتاب (26).

ومن المصادر التي تعتمدها مرجعية «بوكو حرام» أيضاً: «فتاوى اللجنة الدائمة»، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وتفسير ابن كثير، وفتاوى بعض العلماء المعاصرين أمثال الشيوخ: الألباني، وابن باز، وابن عثيمين، وغيرهم.

وتكرر قيادة هذه الحركة أن ما أتت به من الفتاوى في القيام ضد الحكام الظالمين، وتحريم التعليم على نمط «بوكو»، وما إلى ذلك كله مستقى من فتاوى العلماء السابقين، ليسوا هم من استنبطوها، وما لهم فيها إلا قراءتها وتفسيرها وترجمتها إلى لغة الهوسا، بالرغم من أنه – في الحقيقة – ليس بالضروري أن يكون الكلام المذكور هو الرأي الذي يعتقده ويفعله – عملياً – العالم المنقول كلامه، ومع ذلك يتحدى «أبو يوسف» كلَّ من كان يرى أن دعوته أو ما يقول، فيه: «المغالطة» و «الخطأ»، أو «سوء الترجمة»، أو «عدم الفهم»، و «طفولية التفكير»، و «عدم النضوج في العلم» – أن يتقدم مشكوراً ليعيد النظر فيما يقوله، ويبين للناس الحقيقة! وكرّر ذلك قائد الحركة الحالي بأن تأويلات المتأولين لإقرار النظام الديمقراطي، وتثبيت إمكانية تحالف علماء المسلمين مع المسيحيين، كلّ ذلك هُراء لا أساس له، ولا يصرفهم عن تنفيذ أمر الله تعالى.

 

خامساً: علاقة «بوكو حرام» بتنظيم القاعدة:

يظهر «الانتماء الروحي» لهذه الجماعة إلى تنظيم القاعدة في الاستشهادات بأقوال رموز القاعدة التي يكثر منها زعيم الحركة، حيث ينقل مثلاً عن أبي مصعب الزرقاوي، ويصفه بـ «المجاهد» ، وغيره(27).

واتضحت مؤخراً علاقة حركة «بوكو حرام» مع تنظيم القاعدة في بعض المواقف، وهذا ما بيّنه «موسى تنكو» الناطق الرسمي باسم الحركة – في النشرة الهوساوية بإذاعة BBC – بعد مقتل قائدها، حيث أكد انضمام حركتهم إلى تنظيم القاعدة (28)، وقد يكون لهذا البيان تفسير آخر، وهو بثّ الروع بين صفوف رؤساء الدولة، ورجال الأمن، دون أن يكون له أثر واقعي.

وحسبما تنقله بعض وكالات الأنباء في مواقعها على الإنترنت؛ فإن هذه الحركة قد تمّ استدعاؤها من قبل أمير تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الجزائري (أبي مصعب عبد الودود) للانضمام في مظلة القاعدة، وكان من ضمن أطروحته التي صرّح بها لهم: أنه يحلم بتوسيع منطقة نفوذه لتشمل نيجيريا (29)، ولكن بعض المصادر تؤكد أن الحركة على علاقة وطيدة مع التنظيم من خلال السلفية الجهادية في الجزائر، والثوار في تشاد، وخصوصاً أن ولاية «برنو» تجاور جمهورية تشاد، وقد تمّت الاتفاقات بينهم وبين «أبي يوسف» طيلة دعوته إلى مبادئ الحركة(30) .

ولا يعني سرد هذه الأخبار هنا التصديق بها كلياً، غير أنها على أية حال مؤشر إلى انتماء الحركة – ولو فكرياً – إلى تنظيم القاعدة – إن صحّ التعبير!

 

سادساً: التمويل في حركة «بوكو حرام»:

بنى بعض المحلّلين على تلك الأخبار السابقة – وغيرها، مما تجمّع لديهم- أن تنظيم القاعدة هو المورد الأساس والمموّل الأول للحركة؛ بينما يرى بعض آخر أن بعض رجال الدولة النيجيرية لهم دَخْل حتى النخاع في استثارة «محمد يوسف» ضد الحكومة، ويموّلون كل نشاطاته (31).

ويقول آخرون إن هناك بعض الأثرياء، قد تكونت العلاقة الوثيقة بينهم منذ انتماء «أبي يوسف» إلى جماعة أهل السنّة والجماعة في التسعينيات، فهؤلاء الرجال هم الذين يتكفلون برأس مال الحركة.

هذه التكهنات من الأمور التي تحتاج إلى مستند قوي، نعم! للباحثين أن يسألوا مَنْ يموّل محمد يوسف في حياته؟ إذ أنه لم يرث هذه الأموال، وليس ببائع عقارات، ولم يشتهر بالتجارة، ولا كان موظفاً – في أبعد الافتراضات -! وإنما صرف همّه إلى الدعوة، بيد أنه دافع عن نفسه بأن له إخوة يقومون باستثمار أمواله، ويفلحون أرضاً لهم كبيرة، ومع ذلك لم يقتنع الناس، لمّا تحققوا من قيامه بحاجات فوق مستوى دخله، الأمر الذي يدل على أن تحت الدخان تتأجج النيران!

لذلك لم يزل الناس يتساءلون طالبين الجواب الكافي: ما المصادر المموِّلة التي تمّد «محمد يوسف» حتى يذبح لتابعيه الساكنين في المركز شياهاً وأبقاراً كلّ أسبوع، ويفعل أشياء أخرى لا يمكن لرجل عادي أن يقوم بها – كما يرى بعض المحللين – إن لم تكن هناك جهة خفية تموّله؟! هذه تساؤلات يرددها الصحافيون والمتابعون لنشاط الحركة! وصرّح الرئيس جونثان بوجود عناصر الحركة في حكومته، لكنه لم يذكر التفاصيل، لا هو ولا أحد الوزراء أو أعضاء الحكومة!

صحيح أن بعض أعضاء الحركة من الولايات المختلفة قد باعوا ممتلكاتهم من البيوت وحُلي النساء استعداداً للجهاد، وذلك في بداية الأمر، وجمع ناشطو الحركة من التجار ما يرونه مناصرة لها، ولم تخرج هذه المسألة لحدّ الآن من الغموض؛ إذ الحركة استمرت في نشاطاتها من غير أن تعوزها النفقة!

 

سابعا: تأثيرات الحركة في الدعوة داخل نيجيريا وخارجها:

لا شك أن ما يحدث في شمال نيجيريا له انعكاسات سلبية على الدعوة، من جانب أن أعضاء الحركة لهم انتماء قوي إلى أهل السنّة، الأمر الذي اتخذه بعض أعداء السنّة من النصارى وأهل البدع ذريعة للطعن في أهل السنّة كافة، ويقومون بتحريض الحكومات ضدهم، وهذا – والحمد لله – لم يؤثر كثيراً، بسبب الجهود التي ما يزال علماء أهل السنّة يقومون بها لتوضيح منهج السنّة، وتوجيه النصائح إلى قيادات «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد».

غير أن أعداء الإسلام استفادوا من ثورة هذه الحركة، حيث لوّحوا بوضع شمال نيجيريا في قائمتهم السوداء للإرهابيين، وكان من نتائج ذلك أن هرول رؤساء نيجيريا يستنجدون بأمريكا وإنجلترا في مواجهة هذه الحركة، وجرت بينهم اتفاقيات؛ من ضمنها أنهم يقومون بتدريب القوات الأمنية النيجيرية على مكافحة الإرهاب، وتقوم أمريكا بفتح مكتب عريض، أو قنصلية في ولاية «كنو»، حدث هذا بعد المواجهات التي حدثت في الولاية، ولا يتوقع أي مردود إيجابي للشعب إزاء تلك السياسات.

 

ثامنا: موقف العلماء والعامة من الحركة وأفكارها:

تصدّى علماء أهل السنّة للمنهج الذي اتخذته «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد» منذ بدايتها، موضحين لقياداتها الزغل المنطوي في منهجهم، كما قاموا بمحاضرات وإصدار كتيبات ومقالات شارحة للمنهج السوي، وجرت مناظرات بين بعض العلماء وقيادات الحركة حول توجهاتها، ولكن أعضاء الحركة يرمون علماء أهل السنّة بالكسل، وعدم التحرك لنصرة الدين.

وقد بيّن العلماء أن الأمر يحتاج إلى اتباع الحكمة والموعظة الحسنة، وليس الأخذ بمنهج العنف ولغة السلاح، ومن جانب آخر، يرون هذه الحوادث فتنة تحتاج إلى التؤدة والدعاء، لذلك يجتهدون في دعاء القنوت في مساجدهم.

وأما العامة؛ فإن موقفهم لم يتغير عن موقف العلماء، لكنهم لا يشعرون تجاه القوات الأمنية النيجيرية بأسى أو تحسّر لما يصيبها، ويرون أنه قصاص لما يلاقيه الشعب على يد رجال الأمن من التعذيب والتصفية الجسدية.

 

الخاتمة:

هذا البحث استعراض وجيز لتاريخ حركة «جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد» (بوكو حرام)، والإشارة إلى الدوافع إلى نشأتها والغرض منها، وثبت لنا أن الحركة لها كيان مؤثّر، وأنها ليست جمعية ربحية، ولا تعمل لأي جهة رسمية أو غير رسمية، ولها اهتمام بطلب العلم الشرعي ونشره، والنهي عن الانضمام في المدارس النظامية الموجودة لمضادة جوانب في مناهجها لتعاليم الإسلام.

ولكن لم يظهر لحد الآن ما يثبت أنها تكفّر سائر المسلمين، وإنما حصرت قتالها ضد ثلاث طوائف، وهم: قوات الأمن، والنصارى، والوشاة بهم، وقد قتلت الآلاف من هذه الطوائف، بمن فيهم أفراد من سائر الشعب، وتعتقد الحركة بذلك أنها تسعى لإعادة الدولة الإسلامية في أرض نيجيريا.

وقامت الحكومة النيجيرية بدحر اعتداءات رجال «بوكو حرام»، واتبعت كل وسيلة متاحة لاصطياد عناصر الحركة، وقد نجحت في إلقاء القبض على ثلاثة من كبار قياداتها.

ويرى الشعب أنه قد طال أمده تحت ظلم الحكام وفساد السياسيين، وهذه المرة قد دارت الكرّة على الظالمين أنفسهم، وبالرغم من ذلك ما زال الرعب مطوقاً لقلوب الشعب النيجيري عامة، لذلك ما زالوا يدعون الله تعالى أن يرفع هذه الفتنة، وينحيها عن هذا الوطن.

 

الهوامش والإحالات:

(*) قسم الدراسات الإسلامية – جامعة بايرو- كنو.

 

(1)عمر الكدي: زعيم «بوكو حرام» النيجيرية.. نهاية غامضة لرجل غامض، على هذا الموقع:

http://www.rnw.nl/arabic/article/15235

(2) أجوبته لتساؤلات بي.بي.سي. بعنوان: BBC Interview with Boko Haram Leader.

(3)شريط «كشف الشهبات».

(4) Nigerian Army attacks Islamist mosque, kill scores،

الرابط: http://www.zeenews.com/news551374.html

(5) نشرت محطة الجزيرة الإنجليزية بعض اللقطات التي ظهر فيها الإعدام العنجهي لبعض المتهمين بالانتساب إلى جماعة «بوكو حرام»:http://www.aljazeera.com/news/africa/2009/07/200973135730251561.html

(6) راجع خبر حوار محمد يوسف مع الجند قبل مقتله : إضغط هنا

(7)جريدة الشرق الأوسط، مقال بعنوان: شرطة نيجيريا: زعيم «بوكو حرام» طلب الصفح قبل قتله: مقتل الملا محمد يوسف زعيم «طالبان نيجيريا» بعد اعتقاله، يوم السبـت 09 شعبـان 1430 هـ 1 أغسطس م2009 العدد 11204، على هذا الموقع:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11204&article=529987

(8) Newstime Africa, Mass Burial For Boko Haram Victims, Mass Burial For Boko Haram Victims | Newstime Africa

 

(9) News Africa, Profile: Boko Haram, Tuesday, February 09,2010

http://english.aljazeera.net/news/africa.html

 

Steve Coll reports for The New Yorker, (Think Tank): BokoHaram,July, 2010:

 

http://www.newyorker.com/online/blogs/stevecoll/2009/08/boko-haram.html

 

ومقال: البرلمان النيجيري يدعو للتحقيق بمجزرة بوكو حرام، السبت 13 فبراير 2010م، على موقع: http://www.islamstory.com

 

(10) محيط – جيهان مصطفى: «بوكو حرام».. كابوس أوباما في نيجيريا، على هذا الموقع:

 

http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=332544

 

(11)Ben Shemang, Boko Haram deputy alive, vows to continue anti-Western fight, 02 July 2010: Boko Haram deputy alive, vows to continue anti-Western fight – Nigeria – RFI

 

(12) بي.بي.سي هوسا، أخبار المساء، 24 من يناير 2012م، وكذلك التقارير المنشورة بعنوان:- Nigeria: Boko Haram Widens Terror Compaingn, Bring Attackers to Justice, Step up Security, published by Human Rights Watch, www.org/news/2012/23/nigeria-boko-haram-widen-terror

(13) راجع هذا الموقع لمشاهدة الرجل الذي نفذ العملية، وتحمل الحركة المسؤولية:

(14) http://www.youtube.com/watch?feature=endscreen&v=wqLUUv7G5fg&NR=1

(15) http://www.9jabook.com/forum/topics/sss-arrests-boko-haram-leader-s-wife-son

(16) http://www.bbc.co.uk/hausa/news/2012/02/120201_qaqaarrest.shtml

(17) بي.بي.سي- قسم الهوسا، نهار الثلاثاء 7/2/2012م.

(18) بي.بي.سي- قسم الهوسا، ليلة الخميس 8/2/2012م.

اترك رد