خطاب السفير ريتشارد هاس مدير قسم التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأميركية القي في مجلس العلاقات الخارجية واشنطن، العاصمة 4 كانون الثاني/ديسمبر، 2002

يسرني ويشرّفني أن أكون هنا مساء هذا اليوم. وأن يكون فؤاد عجمي هو الذي قدمني لأمر جيد فعلاً. فؤاد إنسان حكيم وخبير في صناعة الكلام، إذ أنه يوضح في كتبه ومقالاته وتعليقاته ما يبدو غير شفّاف في كثير من الأحيان. إنني مدين له مرّتين لأنه نقل موقع حصته الدراسية مساء هذا اليوم ليكون معنا. الواقع أنه جاء بحصته إلى هنا. وعليه، فإني أتصوّر إذاً أنه مدين لي لأنه لم يعد بحاجة إلى إعداد أي محاضرة لإلقائها في حصته. فبإمكاني القول، والحال هذه، أننا متساوون.

ويسرني أيضاً أن أتكلم في مجلس العلاقات الخارجية. أنا أشعر أنني في بيتي لأني عملت مرة في هذا المجلس.  فالمجلس لا يزال مؤسسة الفكر والرأي الرئيسية في هذا الحقل. أقول ذلك بكل إخلاص لأني، عندما عملت في مكان قريب لدى مؤسسة زميلة – وقد يقول البعض إنها منافسة – كنا نقيس النجاح بعدد البحّاثة لدينا الذين يظهرون على صفحات مجلة فورين أفيرز أو يشاركون في فرق الدراسة أو فرق العمل التابعة للمجلس.

ومن دواعي سروري مساء هذا اليوم أن تسنح لي فرصة التحدث معكم حول فرص تعزيز الديمقراطية في العالم الإسلامي. فمساندة وتوسيع رقعة الديمقراطية كانت دائماً مسألة مركزية بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية. فمنذ ظهور نقاط الرئيس وودرو ويلسون الأربع عشرة إلى مشروع مارشال، رأينا في توسع الحرية والديمقراطية مصلحة قومية أساسية. وقد شجعت الولايات المتحدة، في عهد أحدث، بلداناً مختلفة مثل كوريا الجنوبية، والفيليبين، والسلفادور، وجنوب أفريقيا، وتشيلي في مراحل انتقالها إلى الديمقراطية. كما لعبنا دوراً قيادياً في تأييد انتشار الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية الشيوعية سابقاً.

لا تزال الديمقراطية نقطة محورية في السياسة الأميركية اليوم. تؤكد استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة: “أن على أميركا أن تقف بحزم إلى جانب مطالب الكرامة الإنسانية غير القابلة  للتفاوض: حكم القانون؛ الحدّ من السلطات المطلقة للدولة؛ حرية التعبير؛ حرية العبادة؛ المساواة في العدالة؛ احترام النساء؛ التسامح الديني والإثني؛ واحترام الملكية الخاصة.”

لماذا ركزّت الولايات المتحدة بهذه الكثرة على الديمقراطية؟

ففي الدرجة الأعمق أساساً، نحن نساند الديمقراطية كمسألة مبدئية. فهي في صميم ما نحن عليه كدولة وما نمثله نحن كشعب. عند استلامه ميدالية فيلادلفيا للحرية في 4 أيار/مايو 2002، تحدث وزير الخارجية باول “عن مسؤوليتنا كمواطني أعظم ديمقراطية في العالم، في أن نضمن أن بلدنا هو قوة في خدمة الحرية حول العالم. والحقيقة أن الحقوق التي لا تنازل عنها في الحياة، أي الحرية ونشدان السعادة قد وهبها الله لكل الجنس البشري. فهي ملك كل رجل وامرأة وولد على وجه الأرض.” وسوف تساعد الولايات المتحدة  الدول الأخرى في تحقيق هذه الطموحات الأساسية لأنها كونية.  فهذه القيم ليست مجرد نمط حياة تعتقد أميركا أن من واجبها تصديره.

وثمة أيضاً أسباب عملية تدعو الولايات المتحدة إلى تعزيز الديمقراطية في الخارج، للدلالة على أن الواقعية والمثالية يمكنهما التكامل. فبكل بساطة، سوف نزدهر أكثر كشعب وكدولة في عالم من الديمقراطيات بدلاً من عالم من الأنظمة الاستبدادية والفوضوية.

العالم الديمقراطي هو عالم مسالم أكثر. فنمط الديمقراطيات المتأصلة التي لا تتحارب مع بعضها البعض هو أحد أهم النتائج التي أمكن إثباتها في دراسات العلاقات الدولية. هذا لا يعني أنه لا يمكن أن تكون لنا مصالح متشابكة وتعاون مثمر مع بلدان غير ديمقراطية، كما لا يعني أنه لن تكون هناك خلافات قوية في وجهات النظر مع الديمقراطيات الزميلة. لكن كلما ازداد عدد الديمقراطيات في العالم، كلما اتسعت المناطق في العالم التي من المحتمل أن تسعى دولها إلى حل خلافاتها بالطرق الدبلوماسية.

نحن نرى هذا بكل وضوح في أوروبا. اليوم، وعلى الرغم من تاريخ طويل من الحروب الوحشية التي بلغت ذروتها في حربين عالميتين ذات كلفة بشرية هائلة، لم تعد الديمقراطيات الأوروبية تفكر بمحاربة بعضها البعض. على العكس، يكرس الأوروبيون جهودهم لأجل تحقيق تكامل أكبر. لقد دخلت ألمانيا وفرنسا في حرب ثلاث مرات بين 1870 و1940. واليوم، عندما يقوم خلاف بين فرنسا الديمقراطية وألمانيا الديمقراطية، تتفاوضان بشأنه حول طاولة مؤتمر، وليس في ساحة القتال.

الإنتشار السريع للديمقراطية في أميركا اللاتينية الذي طال المنطقة بكاملها تقريباً قد خفف أيضاً إلى درجة كبيرة من إمكانيات الحرب في نصف القارة الغربي عندنا. وفي حين كانت البرازيل والأرجنتين تعززان الديمقراطية لديهما، فإنهما قررتا التخلي عن السعي وراء السلاح الذري. وعندما تم في ليما، عاصمة البيرو، في نفس يوم هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، التوقيع على شرعة الديمقراطية التي أعدتها منظمة الدول الأميركية، تعهدت كل دولة في نصف القارة الغربية، باستثناء كوبا وحدها، تعزيز الديمقراطية في الداخل وتقديم المساعدة لجيرانها إذا ما تعرضت الديمقراطية فيها إلى تهديد أو تداعيات.

وللديمقراطية أيضاً صلة وثيقة بالازدهار. نحن في أعمال السياسة الخارجية نركز غالباً على الاتجاه نحو نمو اقتصاد السوق مع الوقت لإدخال الديمقراطية. ومن المؤكد أن النمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية وتايوان وتشيلي قد ساعد على إقامة أسس أقوى للديمقراطية.

كما أنه، من جهة مقابلة، يساعد حكم القانون الشفاف، وتساوي الفرص الأكبر الذي توفره الديمقراطيات، بدوره في تحفيز النمو الاقتصادي والازدهار. لقد أدى انتقال السلطة سلمياً وبطريقة يمكن توقعها إلى المزيد من الانفتاح وتراجع الفساد في المكسيك مما أنشأ الظروف التي تمكن النمو الاقتصادي المستدام من أن يزدهر.

من المهم، قبل الذهاب إلى أبعد من هذا، تعريف الكلمات. فأنا، عندما أتكلم عن الديمقراطية، لا أتحدث عن أشكالها أو مؤسساتها أو انتخاباتها وحسب. فالديمقراطية تقوم في الأساس على توزيع السلطة – في الحكومة وفي المجتمع. ففي الحكومات الديمقراطية، توزّع السلطة بحيث لا يسيطر صوت واحد غير خاضع للمساءلة. الحكومات القومية في الأنظمة الديمقراطية، تتطلب وجود ضوابط وتوازنات، مثلاً، عن طريق المنافسة بين فروع الحكم التشريعية والتنفيذية، وكذلك عن طريق القضاء المستقل. فالحكومة القوية عليها أن تواجه تقييدات المعارضة المنتخبة.

ويمكن أيضاً إدخال الضوابط والتوازنات بين مختلف المستويات الحكومية – القومية والمناطقية، والمحلية. تلك هي الطريقة التي تستمر بها في حالات كثيرة الديمقراطيات المتعددة الإثنيات.

ومن الأمور المركزية لفكرة الديمقراطية أنه يتوجب على القادة إعادة تسليم سلطاتهم المؤقتة. كان جون آدامز رئيساً أميركياً عظيماً لعدة أسباب، لكن لم يكن هناك سبب أهم من قبوله التخلي عن السلطة بطريقة سلمية عندما خسر انتخابات كانت موضع جدل مرير أمام توماس جفرسون. بمعنى آخر، يستأجر القادة الديمقراطيون سلطاتهم بدلاً من امتلاكها – لأن السلطات الممنوحة لهم تأتي من الشعب. فالديمقراطية هي في الحقيقة “من الشعب، بالشعب، وللشعب”. فهي تتوقف على الدور النشط للشعب (الأساس في الديمقراطية).

وكما توجد حاجة إلى بعض الضوابط والتوازنات داخل الحكومة، هناك أيضاً حاجة إلى ضوابط وتوازنات بين الحكومة والمجتمع. وهذه أهم بالنسبة للديمقراطية منها للحكومات.  فالسلطة يجب أن يشارك فيها مجتمع مدني حيوي وتعددي، مجتمع يمتلك “الحياة المجموعاتية” التي كتب عنها الكاتب الفرنسي دي توكفيل قبل 170 سنة، أي، تشكيلة واسعة من المجموعات الخاصة والمؤسسات الخاصة. وتضم هذه الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، وجمعيات رجال الأعمال، والمدارس، ووسائل الإعلام، المستقلة عن بعضها البعض، وعن سيطرة الدولة. يُزاد على ذلك، أنه لا يجوز استبعاد أي مجموعة أثنية، أو جنس، أو طبقة من الشعب عن المشاركة الكاملة في الحياة السياسية، كما يجب حماية الحقوق الفردية، بما فيها حرية التعبير والعبادة.

بهذا المعنى، حققت الديمقراطية بعض النجاحات الهامة خلال العقود الثلاثة الأخيرة.  فقد بلغت موجة الانتقال إلى الديمقراطية، التي بدأت في البرتغال وأسبانيا في أواسط السبعينات من القرن الماضي إلى أميركا اللاتينية وشرق آسيا في الثمانينات من القرن الماضي، وبلغت ذروتها على أثر انهيار حلف وارسو والاتحاد السوفياتي. أطلق صامويل هنتنغتون ولاري داياموند على هذه الموجة أسم “الموجة الثالثة”، إذ أنها كانت القفزة الثالثة والأهم في عدد الديمقراطيات التي تلت تلك التي ظهرت إثر موجة التحرر من الاستعمار عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومن الجدير بالإشارة إليه هو أن 118 ديمقراطية قد دعيت إلى مجتمع الديمقراطيات الوزاري الذي استضافته جمهورية كوريا بين العاشر والثاني عشر من تشرين الثاني/نوفمبر هذه السنة. كانت هذه 118 ديمقراطية تظهر فيها أسس حقيقية للديمقراطية، إضافة إلى 21 دولة دعيت بصفة دول مراقبة. الحقيقة أن كوريا الجنوبية هي نفسها إحدى أوائل هذه الدول في حكاية نجاح الموجة الثالثة، ذلك أن رئيسها كان معارضاً خارجياً وهو الآن قائد انتخب بحرية ويستعد للتخلي عن منصبه بعد إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

تجارب العالم الإسلامي

حضر عدد من الدول ذات الأكثرية الإسلامية اجتماع مجتمع الديمقراطيات في سيوول، ضم أفغانستان، والجزائر، وبنغلادش، وإندونيسيا، والأردن، والكويت، ومالي، والمغرب، ونيجيريا، وقطر، وتركيا، واليمن. هذه البلدان إما ديمقراطيات أو في طريقها لأن تصبح أكثر ديمقراطية.

إن كون هذا العدد الكبير من البلدان الإسلامية قد دعي إلى سيوول أما كديمقراطيات ناضجة أو مراقبة، يعكس الواقع القائل بان تطورات واعدة تحصل حالياً عبر العالم الإسلامي. أستعمل عبارة “العالم الإسلامي” مع بعض التخوّف لإدراكي للتنوع الكبير للبلدان التي يشملها هذا التعبير كما وباتساعها الجغرافي – من المغرب إلى إندونيسيا ومن كازاخستان إلى تشاد. لكن، ضمن هذا التنوع، ثمة بعض النقاط المشتركة:  أي أن المسلمين، متى تتوفر لهم الفرص، يتبنّون القواعد الديمقراطية ويختارون الديمقراطية.

لقد أشار الرئيس بوش إلى هذه النقطة عندما خاطب خريجي كلية وست بوينت العسكرية في الأول من حزيران / يونيو 2002 إذ قال: “عندما تتعلق القضية بالحقوق والاحتياجات المشتركة للرجال والنساء، ليس هناك صدام حضارات.  فمتطلبات الحرية تنطبق تماماً على أفريقيا وأميركا اللاتينية وكل العالم الإسلامي.  فشعوب الدول الإسلامية تريد وتستحق الحريات ذاتها مثلها مثل الشعوب في كل بلد.  ومن واجب حكوماتهم الإصغاء إلى آمالهم.”

تدلّ تجاربُ الإصلاحات الديناميكية التي تجري حالياً في العديد من أجزاء العالم الإسلامي أن الديمقراطية والإسلام متلائمان. وأود أن ألقي الضوء على بعض هذه التجارب معترفاً بأن هذا البعض أبعد من أن يشكل لائحة كاملة.

ففي المغرب، أدلى المواطنون بأصواتهم في أيلول/سبتمبر الماضي في أكثر انتخابات حرية ونزاهة وشفافية في تاريخ البلاد، وكوّنوا مجلساً نيابياً منوعاً.

في تشرين الأول/أكتوبر، أدلى مواطنو البحرين بأصواتهم لأول مرة منذ ثلاثين سنة لانتخاب مجلس نيابي جديد. وكانت هذه المرة الأولى أيضاً التي تترشح فيها نساء لمراكز قومية. وفي الأسبوع الماضي، أعلن سلطان عمان قابوس عن منح حق التصويت في انتخابات مجلس الشورى إلى جميع البالغين من سكان البلاد. وفي مطلع هذا العام، أعلنت قطر عن دستور جديد استعداداً للانتخابات النيابية القادمة. ولا تفاخر اليمن اليوم بنظام متعدد الأحزاب وبمجلس نيابي منتخب فحسب، بل وأيضاً بالانتخاب المباشر للمسؤولين في البلديات، وبدءاً من سنة 1999، بالانتخاب المباشر لرئيس الجمهورية. بعد حرب الخليج، أعادت الكويت الانتخاب المباشر لمجلسها الوطني؛ ويستعد الكويتيون حالياًً للجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في الصيف القادم.

وفي أماكن أخرى، نشاهد عدة عناصر للديمقراطية في بلدان ذات أكثرية إسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا. ونسمع أصواتاً إسلامية مشجعة تدعو إلى التعددّية والديمقراطية، بدءاً من محمد طالبي في تونس إلى نورشوليش مجيد، على مسافة نصف العالم، في إندونيسيا، البلد الإسلامي الأكثر سكاناً.  تلك هي فقط بعض الأمثلة عن التّخمرّ الديمقراطي الذي يحصل في أماكن أخرى من العالم الإسلامي، من ألبانيا إلى جيبوتي ومالي والنيجر والسنغال وسيراليون. هذا النقاش لا زال بعيدا عن الحل تماما كما لا زال أمام التجارب التي ناقشتها طريقاً طويلة قبل أن تتثبت فيها الديمقراطية. لكن لا يجوز إغفال التقدم الكبير الذي يحصل.

وعلينا أيضاً الاعتراف بأن المسلمين يشاركون بصورة كاملة وبنشاط في الحياة المدنية للبلدان الديمقراطية حيث لا يشكلّون أكثرية السكان. إن حوالي أربعين بالمئة من المسلمين يعيشون كأقليات بما في ذلك عدة ملايين هنا هم جزء هام ونشيط من الديمقراطية الأميركية. ففي بلدان مثل الهند وفرنسا وجنوب أفريقيا، يدحض المسلمون الإشاعات الكاذبة بأن طريقة الحياة الإسلامية لا تتلاءم مع المشاركة الديمقراطية.

كما أننا ندرك إمكانيات قيام ديموقراطيات أكثر في مناطق أخرى من العالم الإسلامي. دعوني أذكر ثلاثة أمثلة فقط. ففي أوساط الشعب الفلسطيني، نستمع إلى مطالبة قوية بالمؤسسات الديمقراطية. وتعمل الولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي والبلدان العربية لمساعدة الفلسطينيين في إيجاد إطار عمل دستوري جديد وديمقراطية فعّالة. لقد أشار الرئيس بوش إلى “أن نهاية الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مسالمة وديمقراطية قد تبدو بعيدة، لكن أميركا وشركاءنا حول العالم على استعداد للمساعدة، لمساعدتكم على جعل ذلك ممكناً بأقرب وقت ممكن. فإذا كانت الحرية قادرة على أن تزدهر في الأراضي المضطربة للضفة الغربية وغزة، فإنها سوف تلهم ملايين الرجال والنساء حول العالم من المرهقين أيضاً بالفقر والقمع، والمؤهلين بدورهم للفوائد التي تؤمنها الحكومة الديمقراطية.”

ونرى في إيران مطالبة شعبية بالإصلاحات على نطاق واسع سوف ينتج عنها، على ما نأمل، مزيداً من الديمقراطية ومزيداً من الانفتاح. فشعب إيران يطمح إلى نفس الحريات وحقوق الإنسان والفرص كما الشعوب الأخرى حول العالم. الشعب الإيراني يصارع مسائل صعبة تدور حول كيفية بناء مجتمع حديث للقرن الحادي والعشرين يكون في نفس الوقت مسلما، ومزدهرا وحراّ. ففي الانتخابين الرئاسيين الإيرانيين الأخيرين، وفي حوالي ستة انتخابات برلمانية ومحلية، صوتت الأكثرية العريضة للشعب الإيراني لمصلحة الإصلاح السياسي والاقتصادي.

ويستحق العراق أيضاً أن نذكره في هذا السياق. أميركا صديق لشعب العراق الموهوب ولطموحاته. مطالبنا موجهة فقط إلى النظام الذي يستعبد هذا الشعب ويهدد باقي العالم. عندما سيتحرر العراقيون من ثقل القمع، سوف يصبحون قادرين على المشاركة في تقدم وازدهار عصرنا. الولايات المتحدة وحلفاؤنا على استعداد لمساعدة الشعب العراقي على إنشاء مؤسسات الحرية في عراق حر وموحّد.

نقص الحرية والديمقراطية في العالم الإسلامي

على الرغم من هذه الإشارات المشجعة، ينبغي علينا الإعتراف، واقعياً، بوجود نقص في الحريات في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، وعلى الأخص في العالم العربي. يدعم آدريان كراتنتسكي، رئيس مؤسسة فريدوم هاوس بالوثائق في نشرة المؤسسة تحت عنوان “تقرير وضع الحرية 2001-2002 ” الفجوة الخطيرة بين مستويات الحرية والديمقراطية في البلدان الإسلامية – على الأخص في قلبها العربي – وفي باقي أنحاء العالم.”

الفجوة الديمقراطية بين العالم الإسلامي وباقي أنحاء العالم هائلة.  إن واحدة فقط من أصل كل أربع دول ذات أكثرية إسلامية لديها حكومات منتخبة بطريقة ديمقراطية. علاوة على ذلك، تزداد الفجوة اتساعاً بين البلدان الإسلامية وباقي العالم. خلال السنوات العشرين الأخيرة، تمدّدت الحرية والديمقراطية في بلدان في أميركا اللاتينية، وإفريقيا، وأوروبا، وآسيا. وعلى العكس من ذلك، لا يزال العالم الإسلامي يصارع. صحيح أن عدد البلدان “الحرّة”، حسب معايير فريدوم هاوس قد ازداد حول العالم بمعدل ستة وثلاثين بلداً تقريبا خلال السنوات العشرين الماضية، لكن لم يكن بين تلك البلدان أي بلد ذي أكثرية إسلامية.

قد يقول البعض إن هذه الأحكام أحكام غربية وهي بالتالي غير نزيهة. لهؤلاء، أشير إلى وثيقة صَدَرت في الصيف الماضي وأعدّها فريق من أكثر من 30 باحثاً عربياً، أي إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي كتب برعاية برنامج الأمم المتحدة للتنمية والصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والذي يصوّر عالما عربيا لا يساير الركب العالم بالنسبة إلى المناطق الأخرى في أمور أساسية تشمل الحريات الفردية، وتعزيز مكانة المرأة، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إنه يصف شعوباً غير مزدهرة وغير حرة. ويشير إلى اتجاهات مقلقة، مثل ازدياد أعداد الشباب مضافة اليها البطالة بينهم التي تكاد تبلغ حوالي 40 بالمئة في بعض الأماكن  وتنذر بظروف اجتماعية قابلة للانفجار.  يواجه العالم العربي مشاكل جدّية يمكن معالجتها فقط على أيدي أنظمة سياسية أكثر مرونة وديمقراطية.

إنهاء الاستثناء الديمقراطي

لا يمكن للمسلمين لوم الولايات المتحدة على افتقار بلدانهم إلى الديمقراطية عندهم. لكن يبقى أن الولايات المتحدة تلعب دوراً كبيراً على المسرح الدولي كما أن جهودنا الرامية إلى تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي قد كانت أحيانا عرجاء وغير كاملة. الحقيقة أن الحكومات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، لم تجعل من الديمقراطية أولوية بشكل كاف في العديد من أجزاء العالم الإسلامي، وعلى الأخص، في العالم العربي.

في بعض الأحيان، تجنّبت الولايات المتحدة النظر بتعمّق في الأعمال الداخلية للبلدان لصالح تأمين دفق متواصل من النفط، ولكبح التوسع السوفياتي والعراقي والإيراني، وللتعامل مع القضايا المتصلة بالنزاع العربي – الإسرائيلي، ومقاومة الشيوعية في شرق آسيا، أو تأمين حق الحصول على القواعد لقواتنا العسكرية. وهكذا، ولإهمالنا تقديم المساعدة لتعزيز المسار التدريجي نحو الديمقراطية في العديد من علاقاتنا الهامة – بخلقنا ما يمكن تسميته “الاستثناء الديمقراطي” – فاتتنا قرصة مساعدة تلك البلدان لكي تصبح أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً، وأكثر سلاماً، وأكثر تكيّفاً مع ضغوطات عالم في طور التعولم.

ليس من مصلحتنا – أو من مصلحة الشعوب التي تعيش في العالم الإسلامي – أن تواصل الولايات المتحدة هذا الإستثناء.  سوف تتعامل السياسة الأميركية بنشاط أكبر لمساندة الاتجاهات الديمقراطية في العالم الإسلامي أكثر من أي وقت مضى. هذه هي رسالة الرئيس الواضحة في وثيقةاستراتيجية الأمن القومي.

سوف نفعل ذلك مع علمنا التام أن الديمقراطيات غير كاملة. إنها معّقدة. والحقيقة، أن القادة في بعض الدول الإسلامية يقابلون بين الأنظمة الديمقراطية وبين أنظمتهم، وهي أنظمة أكثر نظاماً، ويشيرون بارتياح إلى الاستقرار الظاهري التي تؤمنه أنظمتهم. لكن الاستقرار القائم على السلطة وحدها استقرار وهمي وتستحيل استدامته في نهاية المطاف. لقد شاهدنا في إيران ورومانيا وفي ليبيريا ماذا حصل عندما تنفجر طنجرة الضغط. فالأنظمة الاستبدادية الجامدة لا يمكنها الصمود بوجه صدمات التغيرات الاجتماعية والسياسية أو الاقتصادية، خصوصاً من النوع أو بالوتيرة التي يتميز بها العالم المعاصر.

الدور الذي تلعبه الديمقراطية في تأمين الاستقرار الداخلي بيّنته بوضوح محادثة أجريتها مع مجموعة إسلامية مؤخراً خلال زيارتي للهند. فقد شرحوا لي الأسباب التي تقف وراء غياب الإرهاب لدى المجتمعات الإسلامية الكبيرة في الهند. كان تفسيرهم أن الهند بلد ديمقراطي، وأن المسلمين يشاركون فيه بالكامل، وفي المناسبات التي لا يشاركون فيها، لهم الحق الكامل في اللجوء إلى النظام القضائي.

عندما نجعل من العملية الديمقراطية أولوية كبرى في تعاملنا مع العالم الإسلامي، علينا قبل أي شيء آخر، على غرار الأطباء، احترام حلف هيبوقراط وعدم التسبب بالإيذاء أولاً. فالحماس غير المنضبط لتحسين العالم قد يجعله أسوأ. علينا القيام بهذه المهمة بتواضع مُتفهمين أن رهان الآخرين أكبر من رهاننا. ففي الوقت الذي تتحرك فيه شعوب العالم الإسلامي نحو تطور أكثر انفتاحاً وديمقراطية، يتوجب علينا ليس فقط تشجيعهم ومساعدتهم، بل نحتاج أيضاً إلى الإصغاء إلى الشعوب المعنية مباشرة بشكل أكبر.

الدوافع الأميركية

قد يتساءل الناس عن التوقيت، وبالطبع عن الدوافع، لإثارة هذه القضية في هذا الوقت بالذات. وقد يشير البعض إلى أن حديثي هذا المساء يأتي وسط جهود دولية مضاعفة لجعل العراق ينصاع لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد يرى آخرون في كلامي حول الديمقراطية إما محاولة لإخفاء مصلحتنا في تغيير النظام في العراق، أو كإشارة لعدائنا تجاه شعوب العالم الإسلامي. وبالطبع، سوف يذهب البعض إلى حد القول إن الحديث الأميركي حول الديمقراطية يهدف إلى قلب الأنظمة عبر الشرق الأوسط، أو سوف يستخدم كعملية تأديبية ضد الذين ينظر اليهم كأعداء لأميركا. اسمحوا لي أن أتناول بعض هذه المخاوف.

أولأً، ليس هناك برنامج عمل مخفي. إن الأساس المنطقي الأميركي في تشجيع الديمقراطية في العالم الإسلامي هو في نفس الوقت لمصلحتنا ولمصلحة الغير. فالمزيد من الديمقراطية في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية هو أمر جيد بالنسبة للشعوب التي تعيش هناك.  لكنه أيضاً جيد بالنسبة للولايات المتحدة. فالبلدان المبتلاة بالجمود الاقتصادي والافتقار إلى فرص العمل، وبالأنظمة السياسية المغلقة، وبالسكان المتكاثرين بسرعة، تغذي العداوة لدى مواطنيها. ويمكن أن تكون تلك المجتمعات، كما تعلمّنا من التجربة القاسية، أرضاً خصبة لتربية المتطرفين والإرهابيين الذين يستهدفون الولايات المتحدة بحجة دعمها للأنظمة التي يعيشون في ظلها. الأمر الآخر الذي له أهمية معادلة، هو أن الهوة المتزايدة بين العديد من الأنظمة الإسلامية ومواطنيها قد تعطّل قدرة تلك الحكومات في التعاون حول قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة للولايات المتحدة. هذه الضغوطات الداخلية سوف تحدّ كثيراً من قدرة العديد من أنظمة العالم الإسلامي على توفير العون، أو حتى الموافقة على الجهود الأميركية الرامية إلى مكافحة الإرهاب أو التعامل مع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

خلال الأشهر القليلة الماضية، قمت بزيارة لمصر وباكستان والعديد من دول الخليج، من بينها العربية السعودية، وسنحت لي الفرصة لمناقشة هذه القضايا مع أناس ينتمون إلى تشكيلة واسعة من الخلفيات والاتجاهات.  كان أكثر ما صدمني عدد الذين يشعرون بالإحباط بالنسبة لتقصير الولايات المتحدة في التحدث جهاراً بإسم الديمقراطية.  فسكوتنا، في نظرهم، يعني الموافقة الضمنية على الحالة الراهنة. ليس هذا هو الواقع دون ريب، لكن محادثاتي أظهرت، عندما يتعلق الأمر بتنفيذ السياسة الخارجية، كيف يكون خطر الامتناع عن العمل مُساوٍ لخطر القيام بعمل.

قد يقول البعض إن الولايات المتحدة على استعداد فقط لمساندة النتائج الانتخابية التي ترضيها. ليس الأمر كذلك. الولايات المتحدة سوف تساند العمليات الديمقراطية حتى إذا كان الذين منحوا السلطة لا يختارون سياسات نحبذها. لكن دعوني أوضح هذه النقطة. علاقات الولايات المتحدة مع الحكومات، حتى لو انتخبت بنزاهة، سوف تتوقف على كيفية معاملة هذه الحكومات لشعوبها وكيف تتصرف على المسرح الدولي بالنسبة لقضايا تبدأ من الإرهاب مروراً بالتجارة وعدم انتشار المخدرات.

نحن ندرك تماماً عندما نشجع الديمقراطية، أن التحرك المفاجئ نحو الانتخابات الحرة  في البلدان ذات الأكثرية الإسلامية قد يأتي بالأحزاب الإسلامية إلى الحكم. لكن السبب لا يكمن في كون الأحزاب الإسلامية تتمتع بثقة السكان الساحقة بل لأنها في الغالب المعارضة المنظمة الوحيدة للحالة الراهنة التي تجدها أعداد متزايدة من الناس غير مقبولة. بعد الذي قلته، دعونا لا نترك مجالاً لسوء الفهم: الولايات المتحدة لا تعارض الأحزاب الإسلامية تماماً كما لا تعارض الأحزاب المسيحية أو اليهودية أو الهندوسية في الديمقراطيات ذات الأسس العريضة. إن طريقة استقبالنا لنتائج انتخابات الشهر الماضي في تركيا تبرهن بوضوح على هذه النقطة. لقد عبّر عن ذلك رئيس وزراء تركيا، عبد الله غول، على أحسن ما يرام، عندما قال بعد إدلاء القَسَم قبيل تسلمه منصبه: “نريد أن نثبت أن الهوية الإسلامية يمكن أن تكون ديموقرطية، ويمكن أن تكون شفافة، ويمكن أن تتماشى مع العالم المعاصر.” والأميركيون على ثقة بأن الشعب التركي قادر على إثبات كل هذا ونريد أن نساعدهم في ذلك.

وهناك من سيقول إن الديمقراطية مستحيلة في العالم الإسلامي لأنه لديه القليل من التاريخ أو التقاليد الديمقراطية. وهذا قول أرفضه أيضاً؛  ذلك أنه، حتى زمن غير بعيد، كان عند القليل من أجزاء أخرى من العالم بعض التجارب الديمقراطية. هذا الإدعاء يعكس ما وصفه الرئيس بوش بأنه “تعصب مقنع يقوم على أدنى التوقعات الممكنة”. فكما قال مرة سفير عُماني سابق لدى واشنطن: “إن خنق حرية التعبير في تجربتنا القومية، وحرمان شعبنا من الانتخابات الحرة، أو إدارة شؤوننا دون تأمين الإجماع بشأنها، ومنع النشاط السياسي السلمي عن جماهيرنا، ليست هذه خصوصية عربية أو من شروط العقيدة الإسلامية.”

دروس تعلّمناها

سوف تعمل الولايات المتحدة بقوة أكثر من أي وقت مضى على تشجيع الديمقراطية بالشراكة مع شعوب وحكومات العالم الإسلامي.

إحدى آليات هذا الهدف سوف تكون شراكة جديدة سيعلن عنها في الأشهر القادمة الوزير باول. وسوف تركز هذه المبادرة على تشجيع التطور في ثلاثة مجالات حساسة بالنسبة للتقدم في العالم العربي: الإصلاحات الاقتصادية، والتعليمية، والسياسية. سوف نؤمن موارد جديدة لهذه الجهود علاوة على المليار دولار أميركي التي ننفقها سنوياً في المساعدة الاقتصادية في العالم العربي. وفي حين سنموّل مشاريع جديدة هادفة إلى توسيع المشاركة السياسية، ومساندة المجتمع المدني وحكم القانون، سوف تُوجّهنا ثمانية دروس تعلمناها في أنحاء أخرى من العالم.

 أولاً، هناك عدة نماذج للديمقراطية. ليس على العملية الديمقراطية إتباع نموذج واحد؛ والحقيقة أنه لا يوجد نموذج ديمقراطي واحد لتقليده. فبدءاً من الملكيات الدستورية إلى الجمهوريات الفدرالية وإلى الأنظمة البرلمانية من كل الألوان، يظهر التاريخ تنوع الديمقراطية. فهناك فوارق هائلة عبر العالم الإسلامي ويجب تكييف الأنظمة السياسية لكي تتلاءم مع بيئتها المحلية.

ثانيا، الانتخابات لا تصنع الديمقراطية.  فكما رأينا في انتخابات العراق، حيث نال صدام حسين مئة بالمئة من الأصوات، تحاول الأنظمة الأكثر وحشية غالباً إضفاء الصفة الشرعية على حكمها من خلال انتخابات صورية. من هنا، وجب على الانتخابات لكي تعبر بصدق عن رغبات الشعب، أن تكون مندمجة مع مجتمعات توجد فيها مؤسسات مدنية قوية وناضجة وتوزيع للسلطة. تجربة البحرين تصوّر هذه النقطة: فقد جرت الانتخابات هناك بعد أن اتخذت خطوات لإطلاق سراح السجناء السياسيين، وألغيت السلطات الاعتباطية من الدستور، وتم إصلاح القضاء والسماح لوسائل الإعلام بالعمل بصورة مستقلة. وبالمقابل، ألقت تجربة الجزائر، سنة 1991، الضوء على خطورة إجراء الانتخابات في غياب مجتمع تعدّدي.

ثالثاً، الديمقراطية تحتاج إلى وقت. إن زرع الأفكار وتطوير العملية السياسية والمؤسسات والتقاليد يحتاج إلى الوقت. فقياس العملية الديمقراطية لا يقاس بالأسابيع أو الأشهر بل بالسنين والعقود والأجيال. فكما لاحظت مؤخراً كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي:  “إستناداً إلى تاريخنا نحن، نعرف في الولايات المتحدة أن علينا أن نكون صبورين ومتواضعين. فالتغيير، حتى عندما يكون المقصود منه الأحسن – كثيراً ما يكون صعباً. والتقدم كثيراً ما يكون بطيئاً”.إن ديمقراطيتنا أبعد من أن تكون مثالية، وهي منفتحة دائماً للتحسين، كما دلت على ذلك التعديلات التي أدخلت على دستورنا وكذلك الخطوات التي اتخذت لمنح الأميركيين من أصول إفريقية والنساء كامل حقوق المواطنة.

رابعاً، الديمقراطية تعتمد على شعب مطّلع ومتعلم. التعليم يمكّن الشعب من التعرف إلى حقوقه وإلى كيفية ممارستها. فالشعوب المتعلمة القادرة على اتخاذ قرارات تستند إلى معلومات تساعد الديمقراطية على التجذّر. لقد حققت البلدان في العالم الإسلامي تقدماً بارزاً في تعزيزها القراءة والكتابة، لكنها قامت بجهود أقل في إيجاد شعوب واسعة الاطلاع والقراءة. يلاحظ المعلقون المسلمون أن الأنظمة التعليمية لا تُعِدّ الطلاب للنجاح في القرن الواحد والعشرين. يُحدد عبد الحميد الأنصاري، عميد كلية الشريعة في جامعة قطر، المشكلة بصورة مباشرة تماماً: “إن قسماً هاماً من خطابنا التعليمي منقطع عن العلوم الحديثة وهو قائم على نظرة ذات بعد أحادي، مما يخلق عقلية مقفلة ومنحى سهلاً باتجاه التعصّب. فهي تزرع مفاهيم خاطئة تتعلق بالنساء وبالأقليات الدينية أو الإثنية؛ وتسيطر عليها أساليب الحفظ غيباً والتكرارية.” التعليم يعني أكثر بكثير من مجردّ الذهاب إلى المدرسة. فالديمقراطيات المزدهرة تتطلب تقاليد المساءلة وليس الحفظ عن ظهر قلب.

خامساً، الوسائل الإعلامية المستقلة والمساءلة أمور ضرورية. للوسائل الإعلامية دور حسّاس تلعبه كعنصر أساسي في المجتمع المدني. تكون هذه الوسائل، في الديمقراطيات، حرة ولا تسيطر عليها الدولة. وهذا يسمح بظهور آراء وأفكار ووجهات نظر متعددة يجري نشرها في ساحة سوق الأفكار. إن أفضل حماية ضد الأفكار التي تنشرها وسائل الإعلام ولا يوافق عليها الناس هو نشر أكبر عدد من وجهات النظر بدلاً من إسكات الأصوات الإعلامية. على وسائل الإعلام المستقلة، في الوقت نفسه، مسؤوليات كما على الحكومات والمواطنين مسؤوليات. فعليها دعم المعايير المهنية والتشديد على تقارير تكون مستندة إلى حقائق. وعليها التثقيف وليس فقط الدعوة للقضايا.

سادساً، النساء عنصر حيوي في الديمقراطية. لا يمكن أن تنجح البلدان إذا حُرم نصف سكّانها من الحقوق الديمقراطية الأساسية. فالحقوق التي تتمتع بها النساء هي عامل حاسم أساسي في الحياة النابضة لأي مجتمع. فالمجتمعات التي يحكمها الرجال والتي تلعب فيها النساء دوراً تابعاً  لدور الرجال هي أيضاً مجتمعات يلعب فيها الرجال دوراً تابعاً لدور رجال آخرين، حيث يُحال مبدأ الجدارة إلى المقاعد الخلفية وتسبقه العلاقات الشخصية والمحسوبية ومحاباة الأقرباء.

سابعاً، الإصلاحات السياسية والاقتصادية تقوي بعضها البعض. يساعد تحديث الاقتصاد القائم على قوى السوق في إدخال عناصر الديمقراطية: حكم القانون، وصنع القرار بشفافية، وحرية تبادل الأفكار. ويصح قول الشيء نفسه عن عناصر الديمقراطية التي بدورها تدعم وتُسرّع النمو الاقتصادي. ولا يحتاج ذلك لأن يكون مساراً متتابعاً كمثل تنمية الاقتصاد التي يتبعها التحرير السياسي. فعندما تسير الحرية السياسية والحرية الاقتصادية يداً بيد، تقوم بتقوية بعضها البعض. وتوفر الديمقراطية للشباب طريقاً للتعبير عن طموحاتهم.  فالديمقراطية هامة بنفس الدرجة إذ أنها  تعزز النمو الاقتصادي بحيث يمكنه توفير الأمل للشباب حين يقدم لهم قطعة من الكعكة الاقتصادية المتنامية.

ثامناً، في حين يمكن تشجيع الديمقراطية من الخارج، لكن الأفضل بناؤها من الداخل. فالديمقراطية عملية يدفعها بالأساس أعضاء المجتمع، أو مواطنوها. وهم فقط يمكنهم تعزيز روح وممارسة التسامح بحيث يتأمن الاحترام لحقوق الأقليات والأفراد. وإذا حاولت الولايات المتحدة أو أي فريق آخر فرض المظاهر الخارجية الديمقراطية على بلد ما، فان النتيجة سوف تكون غير ديمقراطية وغير قابلة للاستدامة. إن الطريقة الوحيدة لتجذّر الديمقراطية هو تركها تنبت في الداخل.

برنامج العمل الديمقراطي وما بعده

ملاحظاتي هذا المساء مُكَرسّة بكل وضوح لمسألة الديمقراطية.  غير أن الديمقراطية يمكن أن تكون مظهراً واحداً  فقط لسياسة الولايات المتحدة الخارجية.  ففي الوقت الذي تقوم فيه قوى الديمقراطية بعمل سحرها على المدى البعيد، نبقى بحاجة إلى التعامل مع قضايا هامة أخرى تصل إلى مكاتبنا كل يوم.

نحتاج إلى مواصلة العمل لأجل وضع حدّ للنزاعات الملتهبة بين إسرائيل والعالم العربي عن طريق تحقيق الرؤيا البعيدة للرئيس بوش حول دولتين ديمقراطيتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان جنباً إلى جنب بسلام وأمن خلال أقل من ثلاث سنوات. كذلك، سوف تواصل الولايات المتحدة العمل للتأكد من أن العراق قد تم تجريده من سلاحه وأن نزاهة الأمم المتحدة لم تمس. وسوف نواصل أيضاً مساعدة أفغانستان والشعب الأفغاني بعد أن تم تحرير بلدهم. ونحن على استعداد لمساعدة الهند وباكستان – يعيش ضمن حدودهما 300 مليون مسلم- على إقامة علاقات طبيعية أكثر بينهما بما في ذلك إيجاد حل مقبول من الطرفين لقضية كشمير.

لا تقع مهمة تعزيز الديمقراطية في العالم الإسلامي على عاتق الولايات المتحدة وحدها. سوف نعمل سوية مع حلفاء ديمقراطيين كأوروبا واليابان. وزيادة على ما نفعله كحكومات، هناك دور حاسم قد تلعبه المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات والأفراد. وهناك دور هام مساوٍ سوف تلعبه مجتمعات الأعمال الأميركية التي يمكن أن يكون لها إثر إيجابي هائل من خلال استثماراتها، وممارساتها في التوظيف، ودعمها للتعليم والتدريب.

كما أننا لا ننطلق من العدم. فحكومة الولايات المتحدة تتعامل بعمق وبعدة طرق في مساعدة العديد من البلدان ذات الأكثرية المسلمة في تطوير مؤسساتها الديمقراطية وبنيتها الاجتماعية التحتية الضرورية لكي تتمكن الديمقراطية من التجذر. لقد شجعنا طيلة سنوات، المبادلات التعليمية والثقافية مع شعوب ومؤسسات في العالم الإسلامي لأجل تعزيز مكوّنات المجتمع المدني والحكومات التي تشارك شعوبها. ونساعد الطلاب على تطوير أدوار جديدة لهم كمواطنين من خلال برامج تدريب المدرسّين وكذلك عبر عملنا الخاص بتعليم اللغة الإنجليزية. وتعمل الولايات المتحدة أيضاً بقوة لتشجيع الازدهار الاقتصادي كمحّرك للتغيير الديمقراطي. فالعضوية في منظمة التجارة العالمية تشجع التحرر الاقتصادي والسياسي. والولايات المتحدة مستعدة لتشجيع عملية الاندماج في هذا المجال وهي تدرس إمكانيات عقد اتفاقات للتجارة الحرة كتلك التي أنجزتها مع الأردن والتي تبحثها مع المغرب.

وتعمل الولايات المتحدة أيضاً عبر تشكيلة واسعة من البرامج – بدءاً من برنامج الزوار الدوليين، وصولاً إلى تقديم المنح لمؤسسات التعليم المحلية – بهدف تشجيع التطوير إنتاج الأسس لبناء ديمقراطية تشمل صحافة محترفة متوازنة ومتحررة من رقابة الدولة، ومؤسسات غير حكومية نشطة، وقضاء مستقل. وتعمل المؤسسات الأميركية الممولة من الحكومة مثل المعهد الديمقراطي القومي والمعهد الجمهوري الدولي في العديد من البلدان ذات الأكثرية المسلمة للمساعدة في تعزيز المؤسسات الديمقراطية. لقد خدم الأميركيون كمراقبين في العالم المتحّول نحو الديمقراطية – بما في ذلك العالم الإسلامي – للمساعدة في تأمين انتخابات حرة ونزيهة. وتمول الولايات المتحدة أيضاً قسماً هاماً من نشاطات منظمة الأمن والتعاون لأوروبا في بلدان آسيا الوسطى والقوقاز المسلمة. وتعمل منظمة الأمن والتعاون لأوروبا، بدءاً من تطوير قواعد انتخابية نموذجية إلى تعزيز دور مراقبي حقوق الإنسان وصولاً إلى التدريب الاحترافي للوسائل الإعلامية المستقلة، وذلك لدعم الديمقراطية في تلك البلدان التي استقلت حديثاً.

طريق الديمقراطية طويل، ويعود إلى الشعوب المعنية اجتيازه بأنفسهم. لقد مشينا في هذا الطريق لمدة 220 سنة خلت ولم نصل بعد إلى هدفنا الأخير الذي هو الديمقراطية المثالية.

إلا أن كل خطوة نخطوها تأتي بفوائد – للمواطنين، وللبلدان، وللمناطق، وللعالم. غير أنه لا يزال العديد من المسلمين يسيرون في المؤخرة. يجب أن ينتهي هذا. نحن ندرك أن الولايات المتحدة قادرة ويتوجب عليها أن تفعل أكثر؛ إن تعزيز الديمقراطية، بما في ذلك داخل العالم الإسلامي، هو أولوية بالنسبة للرئيس بوش ولوزير الخارجية باول. نحن الآن بصدد دراسة ما نقوم بعمله حالياً لنتمكن من المساعدة في هذه العملية بطريقة أفضل وأكثر فعالية. وسوف نطلق خلال الأسابيع والأشهر القادمة برامج جديدة مثل المبادرة الأميركية – الشرق أوسطية الهادفة إلى التعاون مع الحكومات والشعوب في العالم الإسلامي.

يبقى أن قرار التحرك باتجاه مسار الديمقراطية يعود، في نهاية المطاف، إلى شعوب العالم الإسلامي. إن من مصلحتهم ومصلحتنا أن يقوموا بذلك. وهذه هي أيضاً الطريقة الوحيدة التي تستطيع فيها هذه المجتمعات، شأنها شأن المجتمعات الأخرى في العالم، الاستفادة على أحسن وجه وإلى أبعد حد من الطاقات الكامنة لدى شعوبها، وتحقيق مستقبل لها يتميز بمزيد من الحرية، ومزيد من السلام، ومزيد من الازدهار.

اترك رد