“مسلم”.. انتماء وعقيدة تكون سببا في استحلال الدماء وقتل النفوس ، وبات الأمر عاديًا يحدث كل يوم في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والبوسنة وحتى في إفريقيا، ولعل ما حدث في نيجيريا مؤخرًا لن يكون أخر الاعتداءات إذا استمر العالم الإسلامي صامتًا تجاه إباحة قتل المسلمين بتهمة الانتماء للإسلام.

فقبل أيام استيقظت مدينة جوس “شمال” على مجزرة مخيفة راح ضحيتها المئات من مسلمي نيجيريا تلك البلد الواقعة غرب إفريقيا، والتي يقضي دستورها بأن يتولى الحكم فيها دوريًا بين مسلميها ونصرانيها، إذ تتولى كل فئة الحكم لفترتين، وبما أن هذه المدة من حق المسلمين فإن الرئيس هو عمر يارادوا إلا أنه يمر بوعكة صحية ذهب على إثرها لتلقي العلاج الطبي في السعودية، ومن ثم تحايل النصارى على الدستور وولوا نائبه النصراني جودلاك جوناثان قائمًا بأعماله لحين عودة يارادوا.

وما لبث وتولى جوناثان الحكم إلا ووقعت الطامة والمجزرة التي راح ضحيتها المئات تحت دعاوى أن القتلى ينتمون لجماعة “بوكو حرام”، تلك الجماعة التي تتخذ من الجهاد سبيلا لتطبيق الشرعية في بلد يحصل فيه نصرانيه على دعم لا محدود من أمريكا والغرب لصد وصول الإسلام إلى القلب الإفريقي ومنع امتداداه عبر ساحل الأطلسي إلى الجانب الأخر في الأمريكتين، بينما يغفل مسلمو العالم عن أحوال ذويهم هناك.

اعتداءات وليست اشتباكات

وقعت الاعتداءات الأخيرة تحت سمع وبصر وتواطؤ الحاكم النصراني المؤقت جوناثان، وقالت وسائل الإعلام “المزيفة للحقائق” إنها اشتباكات بين النيجريين في الشمال، لكن ما يوضح أنها اعتداءات ومجازر بحق المسلمين عدد القتلى الذي وصلوا لأكثر من 500 قتيلا مسلما وحوالي ألف جريح، وقد أقيمت المقابر الجماعية لدفنهم على غرار تلك التي أقيمت بعد مجزرة سبرنيتشا بالبوسنة عام 1995 على أيدي القوات الصربية.

ففي مقابر مدينة ناريكوتا أقيمت مقبرة جماعية بعرض 120 مترا دفنت فيها جثامين 98 قتيلا دفنوا فيها تباعا، وأشارت تقارير صحفية إلى أنه تم انتشال 178 جثة على الأقل من آبار وحفر في مدينة جوس بعد الاعتداءات، وأوضح عمر بازا زعيم قرية كورو كاراما أن عدد القتلى غير الرسمي الذي تم جمعه من مصادر عدة أصبح 492 قتيلا، وقد أحرقت عشرات السيارات والمنازل والمساجد خلال أربعة أيام من الاعتداءات، كما استمر حظر التجول على المسلمين ساريًا لعدة أيام.

وقال محمد تانكو شيتو المسئول البارز في مسجد ينظم عمليات دفن جماعي إنه عثر في كورو جنتار على أكثر من 200 جثة. وأضاف: “ألقي الكثير من الجثث في الآبار وكانت متناثرة حولها وكانت السلطات المحلية تقوم بانتشال جثث أخرى.”

وأوضحت مصادر الصليب الأحمر إنهم لا يزالون يحصرون أعداد الجثث ولا يمكنهم بعد تقديم حصيلة إجمالية، فيما يقدر البعض حصيلة القتلى بأكثر من 500، بينما قالت منظمة هيومان رايتس ووتش إن رجالاً مسلحين هاجموا كورو كراما التي يشكل المسلمون غالبية سكانها في 19 يناير الماضي وأحرقوا البعض أحياء وقتلوا آخرين أثناء محاولتهم الفرار.

وقال أحد سكان القرية ويبلغ من العمر 32 عامًا: “كان المعتدون مسلحين بسيوف قصيرة وأسلحة نارية وعصي وأجولة من الحجارة، ولم يكونوا مسيحيين من منطقتنا فقط ولكن انضم إليهم مسيحيون من الخارج أيضًا”.

كما حمل عبد الفتاح محمد الثاني، نائب رئيس مجلس علماء المسلمين في نيجيريا، في تصريح لفضائية “الجزيرة”، جماعات نصرانية مسئولية افتعال أعمال الشغب والعنف الأخيرة في الولاية تنفيذا لمساعيها المتواصلة لمنع قدوم المزيد من المسلمين للسكن فيها، وأضاف: “الأطفال كانوا يجرون، والرجال كانوا يحاولون حماية النساء، والذين فروا إلى الأدغال قتلوا، والبعض أحرق في المساجد والبعض ذهبوا إلى البيوت وأحرقوا”.

تواطؤ الجيش

مما زاد من المأساة أن قام القائم بأعمال الحاكم جوناثان جودلاك بدفع الجيش والشرطة إلى الدخول في المعترك، حيث نقلت فضائية “الجزيرة”، صورًا تظهر قتل الجيش والشرطة لعشرات من المسلمين بلا رحمة أو هوادة بدعوى انتمائهم لجماعة “بوكو حرام”، وتظهر التسجيلات المصورة عناصر من الشرطة يطلقون النار على رجال عُزَّل، وقتلهم، وقالت جماعات مدافعة عن حقوق الإنسان: “إن أغلبية القتلى كانوا مدنيين”, معتبرةً أن القوات الحكومية تتحمل مسئولية كبيرة عما حدث”.

فيما ألقى مجلس علماء نيجيريا بالمسئولية في هذه الأحداث الدامية على الحاكم المؤقت والجيش، مؤكدًا أنه لم يعد لدى المواطن المسلم في هذا البلد أدنى شعور بالثقة في قدرة السلطات المحلية على توفير الحماية.

وأضاف المجلس، لقد عجزت الحكومة النيجيرية على مدار سنوات في إدراك الخطورة الحقيقية التي تمثلها مدينة جوس النيجيرية التي تقع في موقع متوسط بين الشمال المسلم والجنوب النصراني في نيجريا، ولم تكترث في أي وقت من الأوقات بضرورة الالتفات إلى الدعوات التي تحثها على البدء في سياسة واضحة تسهم في احتواء أية أزمات من المحتمل أن تتفجر في المدينة ثم تمتد آثارها بصورة غير محسوبة.

تصعيد نصراني

ليست أحداث جوس الدموية هي الأولى من نوعها التي يدفع فيها المسلمون الأبرياء في نيجيريا ثمنًا باهظًا، ولكن هذه الأحداث اختلفت في حقيقة شديدة الأهمية ألا وهي التصريحات التي صدرت على لسان أكثر من مسئول كنسي حيث تلاقت هذه التصريحات حول فكرة أن موجة الاضطرابات الأخيرة لا يجب أن تعكر صفو ما تدعي أنه حالة من الوئام والتعايش السلمي بين المسلمين والنصارى في نيجيريا.

وتركزت تصريحات قادة النصارى ورموز الكنيسة في نيجيريا على تحميل أطراف أخرى المسئولية عن وقوع هذه الفوضى وأعمال العنف، وذلك على الرغم من حقيقة أنه وبمجرد اندلاع شرارة الاضطرابات وجد المسلمون أنفسهم عرضة للتنكيل والذبح من قبل جيرانهم النصارى.

نفس الخطوات تتخذها السلطات الحكومية في كل موجة مشابهة من هذه الاضطرابات تبدأ بفرض حظر مؤقت للتجوال ثم حظر مستمر للتجوال ثم نشر مكثف لقوات الجيش، ويبدو أن المتطرفين النصارى الذين يرتكبون عمليات القتل قد اعتادوا هذا السيناريو المكرر وبدأوا يخططون لارتكاب اعتداءاتهم بحق المسلمين من أبناء نيجيريا من خلال توقع الخطوات التي ستقدم عليها السلطات خطوة بعد خطوة.

ولا يخفى وجود دور خارجي متمثل في شكل دول ومؤسسات غربية تعمل على السيطرة على أجهزة الدولة ومؤسساتها بما فيها الجيش، فجهاز الاستخبارات الأمريكية (سي أي إيه) لعب الدور الرئيسي في هذه الناحية وكذلك شركة ميكروسوفت الأمريكية ومجلس اتحاد الكنائس العالمية وكنائس أمريكية وبريطانية.

من هنا فإن ما يجري الآن في نيجيريا من مذابح وعمليات قتل وتشريد منظمة للمسلمين إنما يجري تحت غطاء من الحكومة، وتحديدا نائب الرئيس النصراني الذي ينسق خطط التنصير في نيجيريا ويحضر لاستلام السلطة من خلال الإحلال الدستوري خلفا لرئيسها الحالي باعتباره نائبا له.

هذه المعطيات قد تكشف جانبا من الخلفية التي تحكم ما يجري في هذا البلد بحق المسلمين، وهو صراع مرير يجتمع فيه العامل الديني، والصراعات القبلية، والصراع على السلطة والنفط، والأطماع الغربية التي ترى في نيجيريا بلدا غنيا لم يستغل بعد.

حركة “بوكو حرام”

هي جماعة إسلامية نيجيرية تعني بلهجة قبائل الهوسا “التعليم الغربي حرام” تنشط في شمال نيجيريا وتسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية وهي حركة محظورة رسميا، وقد تأسست الجماعة عام 2002 في ولاية بورنو بشمال نيجيريا بزعامة المدرس ورجل الدين محمد يوسف.

لكن الوجود الفعلي للحركة بدأ خلال عام 2004 بعد أن انتقلت إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجر حيث بدأت عملياتها ضد المؤسسات الأمنية والمدنية النيجيرية.

تسعى الحركة التي يطلق عليها أيضا اسم “طالبان نيجيريا” إلى منع التعليم الغربي والثقافة الغربية عموما التي ترى أنها “إفساد للمعتقدات الإسلامية”, وإلى تطبيق الشريعة الإسلامية بمجمل الأراضي النيجيرية بما فيها ولايات الجنوب ذات الأغلبية النصرانية.

وتتكون الحركة أساسا من الطلبة الذين غادروا مقاعد الدراسة بسبب رفضهم المناهج التربوية الغربية إضافة إلى بعض الناشطين من خارج البلاد على غرار بعض المنتسبين التشاديين.

وقد اغتيل زعيم الحركة محمد يوسف في 30 يوليو 2009 بعد ساعات من اعتقاله واحتجازه لدى قوات الأمن، وألقي القبض على يوسف في عملية مطاردة بعد مواجهات مسلحة اندلعت أواخر يوليو 2009 في شمال نيجيريا بين عناصر الحركة وقوات الأمن وأسفرت حسب تقارير إعلامية عن سقوط مئات القتلى من المسلمين

المصدر: المرصد الإسلامي لمقاومة التنصير

اترك رد