166323040

 

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية تقريرًا مؤخرًا بعنوان: “France’s Forgotten War”، أو: “حرب فرنسا المنسية”، تناول فيه مؤلِّفه “وبرت زيرتسكاي” واقعَ العمليات العسكرية التي تقودها “باريس” ضد الجماعات الإسلامية في مالي، والفشل الفَرَنسي في تحقيق الهدف من الغزو العسكري، وكيفية خروج فرنسا من المستنقع المالي.

أفغانستان جديدة:

وأضاف أن الزعيم الفَرَنسي السابق “شارل ديجول” أكَّد ذات يوم أن فرنسا لن تكون فرنسا بدون عظمة، وهذه العظمة لا تكون على الساحة الدولية فقط، بل تشتمل كذلك على رغبة فرنسية في تحديد مصاير الشعوب، لكن هذه المشاعر الديجولية تحوَّلت على يد الرئيس الاشتراكي “فرنسوا هولاند” إلى كابوس مُخِيف، منذ أن وطئت أقدام القوات الفرنسية العاصمة المالية “موباكو” في يناير الماضي.

الحملة الانتخابية لهولاند التي رفعت الشعار المعروف “إنه الاقتصاد يا غبي”، ركَّزت بصورة كبيرة على جملة الإصلاحات الاقتصادية التي سيتخذها “هولاند” عند دخوله إلى قصر الإليزيه، لكن الجميع – بما فيهم الرأي العام، والنخبة، والمثقفون – فُوجِئوا بقرار “هولاند” بالتدخل العسكري في مالي – وسط الوضع الاقتصادي الخطير الذي تعاني منه فرنسا – تحت ذريعة منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على المستعمَرة الفرنسية القديمة، وفي نفس الوقت لم يُجْرِ “هولاند” الخطوات المطلوبة لانتشال الاقتصاد الفرنسي من أوضاعه المتردِّية.

بعض النُّخَب والمثقفين حاولوا تبرير العمليات العسكرية الفرنسية في مالي، برغبة باريس في الحصول على اليورانيوم في دولة النيجر المجاورة، لكن على الجانب الآخر شكَّك عدد من السياسيين في الأهداف الفرنسية، مؤكِّدين على أنها بقصد الدعاية فقط، وأشار “دومينك دوفلبان” – رئيس الوزراء الأسبق – إلى أن “هولاند” يفتقر إلى الخبرة الكافية في إدراك الحقائق الجيوسياسية في الماضي والحاضر، وشدَّد على أن الرئيس الفرنسي يقود البلاد إلى أفغانستان جديدة.

استطلاعاتُ الرأي الفرنسية كشفتْ عن تدنِّي شعبية “هولاند” ورئيس وزرائه “جون مارك ايرولت” منذ أواخر العام الماضي 2012، بسبب ارتفاع معدَّلات البطالة، وتدهور الاقتصاد، وفشل “هولاند” في تنفيذ وعوده الانتخابية، وبعد أسبوعين من التدخل في مالي شهدت شعبية هولاند مزيدًا من التراجع، وأكد 90 % من الخاضعين للاستطلاع أن فرنسا بحاجة إلى قائد حقيقي.

وحتى الآن – وبعد ما يزيد على ثلاثة أشهر من الغزو الفرنسي لمالي – لم يستطع “هولاند” تحقيقَ العظمة الفرنسية التي أكَّد عليها الزعيم شارل ديجول؛ بل أصبحت فرنسا مستهدَفة من قِبَل بعض التنظيمات المسلَّحة، مثلما حدث في الاعتداء على السفارة الفَرَنسية في طرابلس، كما أدرك الرأيُ العام أن فُرَص نجاح المهمة الفرنسية تبدو ضعيفة؛ حيث ذكرت استطلاعات الرأي أن 50 % من الجمهور الفرنسي يشكِّك في قدرة فرنسا على القضاء على الحركات الإسلامية في شمال مالي.

فشل فرنسي هائل:

وتنتشر التنظيمات الإسلامية في عددٍ من المناطق في شمال مالي، بالإضافة إلى وجود جماعات جهادية في غرب إفريقيا، وعناصر من تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي؛ مما يصعبُ من تحقيقِ أهداف الغزوِ الفَرَنسي، وقد عبَّر أحد القادة العسكريين المَيْدانيين عن هذا الوضع حين قال مؤخرًا: إن القوات الفَرَنسية ليست مزوَّدة بمعلومات استخباراتية عن أماكن تلك التنظيمات، علاوة على أن أهداف الحملة العسكرية ذاتها غير محدَّدة وواضحة المعالِم.

ويُدرِك الشعب الفَرَنسي أن تحقيقَ أي نصرٍ عسكري – مثل منع دخول الحركات الإسلامية إلى العاصمة “موباكو” – يبدو مؤقتًا، خاصة مع تقارير الأمم المتحدة التي حذَّرت من أن توقف العمليات الاستطلاعية التي تقوم بها القوات الفرنسية في المناطق الجبلية في شمال مالي قد يؤدِّي إلى عودة تلك الحركات إليها مرة أخرى.

فشلُ فرنسا في تحقيق نصرٍ عسكري سريع، أدَّى إلى استياءِ السكان المحليِّين، خاصة أن القوات الإفريقية العاملة في تلك المناطق تحت رعاية الأمم المتحدة، لا تمتلك القدرات القتالية المطلوبة لمواجهة هذه الحركات، التي يبدو أنها أكثر تسليحًا وتنظيمًا وخبرة من القوات الفرنسية والإفريقية، وهي المخاوف التي أكَّد عليها وزير الدفاع الفرنسي “جان أف لو درين” في زيارته القصيرة إلى مالي، التي أجراها مؤخرًا، وتشديده على ضرورة بقاء القوات التشادية بعد انسحاب القوات الفرنسية؛ خشية وقوع انفلات أمني واسع النطاق.

وبالإضافة إلى الفراغ الأمني، تعاني “مالي” من فراغ سياسي؛ حيث دعا وزير الدولة للشؤون الخارجية الفرنسية إلى ضرورة إجراء انتخابات وطنية في يوليو المُقبِل، كوسيلة لتجديد الشرعية الديمقراطية، لكن بعض القوى السياسية في مالي ترفض هذا الاقتراح، في ظل وجود الجيش التشادي والقوات الفرنسية على أراضيها، كما أعلنت الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” التي تناضل من أجل استقلال الإقليم عن “موباكو” عن عدم مشاركتها في الانتخابات المقبلة، طالما لم تُسفِر المفاوضات مع الحكومة المالية عن واقع جديد؛ مما قد يُدخِل البلادَ في نفقِ اضطرابات سياسية، علاوة على الاضطرابات الأمنية.

إن الحرب الفرنسية تدخلُ شهرَها الرابع دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، ولم يُدْلِ المسؤولون الفَرَنسيون عن أيَّة معلومات عن خريطة وأهداف تلك الحملة العسكرية، ومع تفاقم الوضع الأمني والسياسي في البلاد، يتعيَّن على فرنسا سحب قواتها على الفور من مالي، ورعاية مفاوضات شاملة تضم كافة القوى السياسية – ومنها التنظيمات الإسلامية – على الساحة المالية؛ من أجل الاتفاق على خارطة طريق تضمن الاتفاق على ترتيبات محددة لحل مشكلة “إقليم أزواد”؛ حتى لا تتحول مالي إلى صومال جديدة أو أفغانستان أخرى.

اترك رد