معظم المسلمين هناك ينحدرون من أصول فيتنامية، ووصلوا إلى كمبوديا بعد سقوط مملكة تشامبيا الإسلامية على يد البوذيين، ثم جاءت الموجة الثانية من هجرة مسلمي فيتنام إلى كمبوديا بعد سيطرة القوات الشيوعية على الشطر الجنوبي من فيتنام، ومارسوا ضغوطًا شديدة على المسلمين لاعتناق الشيوعية والارتداد عن الإسلام.
 
كيف دخل الإسلام إلى كمبوديا:
عائلة مسلمة من كمبوديا
لقد انتقل الإسلام إلى شبه جزيرة الهند الصينية عن طريق جماعات من الجاويين والهنود والتجار العرب، ووصلهم الإسلام في القرن التاسع الهجري (الحادي عشر ميلادي)، وانتشر بين جماعات تشام أيام ازدهار مملكتهم في القسم الجنوبي من الهند الصينية، وعرفت بمملكة تشامبيا، ولا تزال بعض المناطق تحمل اسم هذه الجماعات مثل منطقة كمابونج تشام في جنوبي كمبوديا حيث كانت تضم أكبر عدد من هذه الجماعات، كما انتشر الإسلام بين الجماعات الجاوية التي تنتمي إلى العناصر الإندونيسية.
ولعب المسلمون دورًا مهمًّا في إدارة مملكة تشامبا قبل اندحارها في 1470م ومنذ ذلك الوقت ولمدة أربعة قرون انعزل المسلمون عن إخوانهم خارج كمبوديا.
وقد دخل الإسلام كمبوديا عن طريق قوافل التجار المسلمين الذين دلفوا إليها عبر السواحل التايلاندية، وإن كانوا بأعداد قليلة، إلا أن الإسلام أخذ في الانتشار في القرنين الثامن والتاسع الهجري، خصوصًا بعد سقوط إمارة تشامبيا وهجرة أكثر من مليون ونصف مليون فيتنامي إليها.
وقد فرض المسلمون على أنفسهم شبه عزلة للمحافظة على هويتهم؛ إذ كانوا يتمتعون بنوع من التعليم والمدنية في وقت كان نظراؤهم الفيتناميون الكمبوديون يضربهم الجهل والأمية، فانغلقوا على أنفسهم وأنشؤوا مدارس خاصة بهم، واختاروا زعيمًا دينيًّا لهم يستفتونه في شؤونهم الدينية وأحوالهم الشخصية.
هذا ويعتقد بعض المؤرخين أن الإسلام وصل إلى “كمبوديا” في القرن الحادي عشر الميلادي، وقد قام المسلمون بدور مهم في إدارة مملكة “تشامب” قبل زوالها، وقد حافظ المسلمون في “كمبوديا” طوال تاريخ “كمبوديا” الحديث على أسلوب حياتهم الخاص؛ حيث إنهم يختلفون عن الخمير البوذيين دينا وثقافة، كما أن لهم عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وطعامهم وهواياتهم، وذلك لكونهم في الأصل من مواطني مملكة “تشامب”، التي تقع في وسط “فيتنام”، وبعد اندثارها هاجروا إلى البلدان المجاورة، ومنها “كمبوديا”، وذلك خلال القرن الخامس عشر الميلادي.
كان المسجد الأبيض الصغير يعلن عن وجود المسلمين في هذه الجزيرة، وكانت البيوت الخشبية – الأكواخ – المهيأة للطفو والرحيل عندما يجيء الفيضان – تعلن عن شدة فقر المسلمين في هذه البلاد، وترجع جذور المسلمين الكمبوديين الذين يطلق عليهم “شام” أو “تشام” – ولا علاقة لهم بشامنا العربية – إلى حضارة عظيمة سادت في شرق آسيا لأكثر من ألف عام وكونت مملكة الشامبا التي كانت تعبيرًا عن التأثيرات الهندية في هذه المنطقة.
وهكذا ظلت هذه المملكة مزدهرة حتى هزمت في فيتنام في القرن الخامس عشر بعد حروب طاحنة مع الخمير من ناحية، والصينيين من ناحية أخرى.
ويقال: إن الإسلام وصل إلى هذه الأصقاع عبر التجار المسلمين، وأن سبيل الهداية كان شرف هؤلاء التجار وصدق كلمتهم وأمانتهم. ولقد اعتاد المسلمون الشام على سكنى الجزر المتناثرة على امتداد حوض نهر الميكونج شرق وشمال العاصمة وفي منطقة الحدود الفيتنامية.
 وينتشر المسلمون في كمبوديا في 14 ولاية، وتركيزهم في منطقة كامبونج – تشام في القسم الجنوبي من البلاد، وهناك جماعات مسلمة تنتمي إلى العناصر الجاوية تنتشر في المناطق الساحلية، وتتحدث الجماعات المسلمة لغة الخمير.
كمبوديا
وقد كان عدد المسلمين الكمبوديين في بداية السبعينيات من القرن الـ20الميلادي يقدر بنحو 700 ألف مسلم، وكان لهم 122 مسجدًا ، و 200 مصلى، و300 مدرسة إسلامية، ومركز لتحفيظ القرآن الكريم.
المسلمون في ظل الشيوعية:
لكن دائمًا لأن من سنن الكون أن دوام الحال من المحال انقلبت أحوال المسلمين في كمبوديا, فبسبب الحروب والأوضاع السياسية المضطربة التي مرت بها كمبوديا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الميلادي الماضي؛ هاجر كثير منهم إلى البلدان المجاورة وتعرض من بقي منهم خاصة خلال حكم الخمير الحمر للقتل والتعذيب والتشريد وتهديم المساجد والمدارس، وحرم عليهم ممارسة الشعائر الدينية لأن الخمير الحمر كانوا شيوعيين متطرفين، يكرهون الأديان ويعذبون من يمارس الشعائر الدينية، سواء كان مسلمًا أو بوذيًّا أو غيرهم، وقد قتل خلال حكمهم أكثر من مليوني كمبودي، منهم حوالي 500 ألف مسلم، إضافة إلى حرق المساجد والمدارس والمصاحف.
وبعد أن أحكم الشيوعيون السيطرة على مقاليد الأمور في البلاد عام 1975م قاموا بممارسة كل الإجراءات التعسفية والقمعية ضد الشعب، ولاسيما المسلمين الذين استخدموا ضدهم كل وسائل الإبادة الجماعية لإنهاء أي وجود للإسلام على وجه الأرض.
kmerrouge
وقامت الحكومة الشيوعية أيضًا في سنة 1396هـ بشن غارات على الجماعات المسلمة وقتلت قادتهم، ومنهم شيخ الإسلام في كمبوديا ومنعوا المسلمين من تأدية الصلاة، وأجبروا بنات المسلمين من الزواج بغير المسلمين، ومنعوا المسلمين من التحدث باللغة التشامبية لغة مسلمي كمبوديا، كما أنهم أحرقوا كتب الثرات الإسلامي بكمبوديا.
وقد قاموا أيضًا بطرد المسلمين من قراهم، كما قامت السلطات الشيوعية بمنع الشباب المسلم ممن تزيد أعمارهم عن خمسة عشر عامًا من الإقامة مع والديهما وإجبارهم على الإقامة في معسكرات الشباب الوثنية حتي يضعفوا إيمانهم ويفتنوهم في إسلامهم، وأجبر المسلمون على أكل لحم الخنزير، وتحولت المساجد إلى حظائر، وحرم الاحتفال بالأعياد الإسلامية، وحرموا على المسلمين الذين ينتمون إلى جماعات تشام التحدث بلغتهم، وأُجبر المسلمون على الهجرة إلى تايلاند وماليزيا، وتعرض المسلمون للإبادة، ففروا إلى الخارج أو اضطروا إلى اللجوء إلى مناطق العزلة في الغابات وعلى المرتفعات.
وبعد زوال حكم الخمير الحمر على أيدي حكومة جديدة مدعومة من فيتنام تحسنت أحوال الكمبوديين بشكل عام، واستطاع المسلمون الذين يقدر عددهم حاليًا بحوالي 2,5 مليون مسلم من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، وصار لهم 268 مسجدًا و200 مصلى و300 مدرسة إسلامية ومركز لتحفيظ القرآن الكريم.
هذا وقد ظهرت العديد من المنظمات الإسلامية مثل رابطة مسلمي كمبوديا، ورابطة الشباب المسلم الكمبودي، ومؤسسة تنمية مسلمي كمبوديا، والجمعية الإسلامية الكمبودية للتنمية، كما أنهم حصلوا على عدد من المناصب الحكومية الهامة مثل نائب رئيس الوزراء ووزير التعليم ونائب وزير المواصلات، ومنهم نائبان لوزير الأديان وعضوان في مجلس الشيوخ.
وبالرغم من أن المسلمين قد أخذوا في ممارسة حياتهم بشكل اعتيادي، وبدأوا في إنشاء المدارس والمساجد والمؤسسات الخاصة بهم، إلا أن مشروعاتهم هذه تواجه مصاعب مالية كبيرة نظرًا لفقرهم الشديد حيث إن الرواتب المخصصة للمعلمين لا تكفي لسد احتياجاتهم العائلية، كما أن المناهج الدراسية في المدارس الدينية ضعيفة في مجملها وغير موحدة.
كما أن هناك أيضًا أصحاب الأفكار الهدامة يتمنون أن تكون كمبوديا مكانًا لهم لنشر أفكارهم في أواسط المسلمين؛ حيث إن البهائية قد وصلت إلى كمبوديا ولها علاقة مع وزارة الأديان، وقد فتح مكتب البهائية في العاصمة وفروعها خارج العاصمة بإعطاء الحرية لجميع الأديان، وهناك دور النصارى وفرقة التغريب اللتان تؤديان دورًا كبيرًا تحت بند (عالم الحضارة والتطور)؛ حيث يقدمون مِنَحًا لأبناء المسلمين في المدارس البوذية؛ ويدخلون أنشطتهم في مدارس البوذيين فضلاً عن تربية الشباب بعيدًا عن الدين وتكون مجانًا، كذلك يعطون الشباب والإناث الفرص والوسائل للالتحاق بكليات تخصصية في داخل البلد وفي خارجه.

 

فزاعة “الإرهاب”


ورغم عودة الملكية وسقوط حكم الخمير الحمر الذي اتسم بالوحشية ضد المسلمينإلا إن معاناة مسلمو كمبوديا لم تنتهِ، حيث تزايد التضييق الذي تمارسه الأجهزة الأمنية بتحريض من واشنطن لا سيما بعد توقيف أربعة معلمين بزعم صلتهم بالجماعة الإسلامية المزعوم صلتها بتنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا.
إلا إن معاناة مسلمو كمبوديا لم تنتهِ، حيث تزايد التضييق الذي تمارسه الأجهزة الأمنية بتحريض من واشنطن لا سيما بعد توقيف أربعة معلمين بزعم صلتهم بالجماعة الإسلامية المزعوم صلتها بتنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا.
وتتخوف الأقلية المسلمة في كمبوديا من أن تكون الضغوط الأمنية التي تمارسها السلطات الكمبودية بحقها وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية لدى واشنطن، خاصة أن تطورت هذه الضغوط إلى حد إغلاق المدارس الدينية في البلاد، و تأسيس هيئة لـ”مكافحة الإرهاب” في كمبوديا إضافة إلى تدشين فرع لمكتب المباحث الفيدرالية الأمريكية FBI تابع للسفارة الأمريكية في العاصمة “بنوم به”.

الغريب أن مسلمي كمبوديا ليسوا سواء فيما، فقد أحدث ضعف التعليم الديني حالة من انتشار البدع بين جزء منهم، وهو ما يكشفه ساري عبد الله رئيس الحركة الوطنية الإسلامية في كمبوديا – وهو من كوادر أهل السنة والجماعة الذين يحملون على عاتقهم نشر المنهج السلفي بين مسلمي كمبوديا، وتحاول حركته التصدي للبدع وتواجه أي خلل في المعتقد – حيث قال إن هناك شريحتين في الأقلية المسلمة بكمبوديا، الأولى هم المسلمون العاديون من أهل السنة والجماعة وهم الذين يتمسكون بالأصول الإسلامية المبنية على الكتاب والسنة ويصلون خمس مرات كل يوم، والثانية هم المسلمون “الفوجهيد” وهؤلاء يتبنون التفسير القديم لعرقية “شامو” للدين ولا يصلون إلا مرة واحدة كل أسبوع ويتحدثون لغة “شامو”، محافظين بذلك على بعض معتقداتهم وتقاليدهم التي كانت سائدة قبل وصول الإسلام إلى عرقية “شامو” خاصة ما يتعلق بالإيمان بالقوى السحرية ويعتقدون أن هناك علاقة بين التنمية الروحية والصلاة ورياضة الكونج فو.

ويلفت عبد الله إلى أن كل مسلم في كمبوديا يستطيع التحدث باللغة العربية ينظر إليه باعتباره عالماً من علماء الدين وذلك يرجع إلى صعوبة استكمال المراحل الدراسية لأبناء الأقلية المسلمة في كمبوديا لأن المعاهد الكبرى التي يمكن أن توفر المستوى التعليمي المقبول لا توجد في القرى والبلدات الصغيرة وإنما توجد في العاصمة الكمبودية بنوم بنه، ولا يتمتع بهذه الفرصة سوى قلة قليلة من المسلمين هناك.

وتعتبر ماليزيا هي الدولة صاحبة التأثير الأكبر والثقل الحقيقي لدى المسلمين في كمبوديا وتعتبر من أهم الأماكن التي يتمنى شباب المسلمين الكمبوديين التوجه إليها لتلقي العلوم الشرعية.

الأدهى هو ما كشفه ساري الذي قال إن “القرآن لا يمكن أن يترجم إلى لغة الـ”شامو” وفي الوقت الحالي نقوم بترجمة القرآن الكريم إلى لغة الخمير ولكن عملية الترجمة تتم بمعدل بطيء وذلك بسبب ضعف التمويل، وبالتالي لا تتم سوى ترجمة صفحات كل فترة”.
ووجه العالم الكمبودي التماساً إلى الأمة الإسلامية بضرورة التجاوب مع المطلب الملح لمسلمي كمبوديا وهو توفير المعلمين القادرين على إتقان لغة الـ”شامو” ولغة “الخمير” من أجل توصيل تعاليم الدين الإسلامي والثقافة الإسلامية، كما يطلب التمويل الكافي لبناء المدارس والمعاهد الدينية.
وبجانب ما تلعبه ماليزيا من دور في ترسيخ المفاهيم الصحيحة للدين في كمبوديا، تركز المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات جهودها خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح لترسيخ الثقافة العربية الإسلامية لمواجهة تأثير منظمات هندية وباكستانية كانت تتسم أنشطتها بعدم صفاء الجانب العقدي.

اترك رد