ربما لم يذهب الفيلسوف والكاتب المسرحي الفرنسي الشهير “جان أنوي” بعيداً عند ما ظل طيلة حياته يدافع في كتاباته عن فكرة واحدة هي أن حاضر الإنسان ومستقبله هو نتاج لماضيه الذي لا يمكنه بأي حال من الأحوال الفكاك منه مهما حاول !!

وقد تعرض هذا الفيلسوف والكاتب لانتقادات كثيرة، لا سيما عند ما قال: “قل لي ما هي طفولتك أقل لك ما هو مستقبلك الذي لن تكون غيره”.. واعتبر البعض أن في هذا مصادرة لأي محاولة للمرء لتغيير مصيره.

وربما يكون الكاتب محقاً تماماً إذا ما قمنا بمقارنة ما عبّر عن إيمانه به وما هو عليه ديكتاتور كبير بحجم الرئيس الأوزبكي “إسلام كريموف”، فهذا الرجل ليس سوى نتاج لطفولة بائسة وشقية شكلت مسلكه في الحياة والسلطة والحكم فيما بعد.

فمع مرور يوم 22يناير2007 كان الرئيس الأوزبكي “إسلام كريموف” قد أنهى كامل فترته الثانية على رأس الدولة المسلمة، ومع مطلع يوم 23يناير كان من الواضح جداً أن أحداً في أوزبكستان لن يتمكن من منع كريموف من البقاء لفترة رئاسية ثالثة وربما رابعة، ما دام في الرجل رمق من حياة.

وأوزبكستان جمهورية تقع في قلب آسيا الوسطى، عاصمتها طشقند، تحدها كازاخستان شمالاً ومن الشمال الغربي، وتركمنستان غرباً ومن الجنوب الغربي، وأفغانستان جنوباً، وطاجيكستان من الجنوب الغربي، وقرغيزيا شرقاً.

وكانت أوزبكستان قديماً جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، وفي القرن الرابع قبل الميلاد غزاها الإسكندر الأكبر، وفي القرن الثامن الميلادي اعتنقت بعض قبائلها الإسلام، وفي القرن الثالث عشر أصبحت جزءاً من إمبراطورية “تيمور لانك” بعد استيلاء المغول عليها، وظلت كذلك حتى القرن السادس عشر. وفي القرن التاسع عشر قاومت القوات الروسية غير أنها فشلت فاستولت روسيا عام 1867 على طشقند وجعلتها عاصمة لحاكم عام تركستان.

بعد الثورة البلشفية في روسيا وفي الفترة من 1918 إلى 1922 أغلقت المساجد وتمت ملاحقة رجال الدين الإسلامي كخطوة لعلمنة البلاد وفرض الشيوعية بالحديد والنار. في سنة 1924 تم تحويل البلاد لتصبح جمهورية أوزبك، وفي سنة 1925 أصبحت إحدى الجمهوريات المكونة للاتحاد السوفياتي وسميت جمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفياتية.

في عام 1990 أعلنت حركة الوحدة القومية بزعامة “إسلام كريموف” الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية السيادة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وفي سنة 1991 أعلن استقلال البلاد وانضمت إلى كومنويلث الدول المستقلة.

في عام 1994 تكون اتحاد اقتصادي وعسكري واجتماعي مع كازاخستان وقرغيزيا، ووقعت معاهدة تكامل اقتصادي مع روسيا وتقوت العلاقات مع تركيا، وأجريت الانتخابات البرلمانية في كانون الأول 1994 وحقق فيها الحزب الحاكم نصراً كبيراً، و”وافق الشعب” في استفتاء عام كانت نتائجه محسومة من قبل أن يجرى، على بقاء كاريموف في رئاسة الجمهورية مدة خمس سنوات أخرى.

وقد ظلت أوزبكستان نسياً منسياً طوال عقد التسعينات، ولم يتذكرها الأميركيون إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، عندها سمح لهم الرئيس “إسلام كريموف” ببناء قاعدة دائمة هناك لمراقبة تحركات الجماعات الإسلامية في قلب آسيا الوسطى، وانضم كريموف أيضاً إلى معاهدة شنغهاي التي تضم روسيا والصين ودولاً آسيوية أخرى تشترك كلها في هم محاربة الحركات الإسلامية “المتشددة”.

وهكذا لم تعد صيحات منظمات حقوق الإنسان حول الوحشية التي يتعامل بها كريموف مع شعبه تلقى سوى أصداء خافتة، ولم يتعرف العالم على الوجه الآخر للرئيس الأوزبكي إلا بعد أحداث أنديجان التي سنشير إليها فيما بعد ..

المصدر :«كتاب “وراء كل ديكتاتور طفولة بائسة”»

تعليق واحد

اترك رد