ولكن ماذا عن طفولة كريموف التي يرى الكثيرون أنها المسئولة الأولى عما وصل إليه هذا الرجل من دكتاتورية وطغيان؟
يقول عثمان حق نظروف:
وُلد “إسلام عبد الغني وفيتش كريموف” في 30 يناير 1938 بمدينة سمرقند في عائلة من عمال الخدمات. كان والده عبد الغني إيراني الأصل، ووالدته طاجيكية واسمها “سانوبار”، وكانوا يعملون في قطاع الفواكه والخضروات بسمرقند.

وفي الفترة التي وُلد فيها “إسلام كريموف” كان والده يمضي عامه الثالث في السجن، بعد قيامه بعملية سرقة للملكية الاشتراكية، وحكم على عبد الغني كريموف بالسجن لمدة خمس سنوات فعلياً في المحكمة السوفيتية (1936-1941).

وفي عام 1941 خرج عبد الغني كريموف من السجن ووجد أن لديه ولداً جديداً في العائلة – الرئيس المستقبلي لأوزبكستان-، فوقعت شجارات عائلية طويلة.

فقد وقع عبد الغني كريموف رهينة شعورين متضادين: كونه يشعر بالإهانة نتيجة خيانة زوجته ونيته بطلب الطلاق منها، ومن جهة أخرى: تعاطفه تجاه ولديه الصغيرين اللذين وُلِدا قبل “إسلام” والقلق حول مصيرهما إذا ما انفصل عن زوجته الخائنة، ولا سيما في تلك الأيام العصيبة، حيث لحقت المجاعة بعامة الناس في عامي 1937 و1938.

وكانت زوجته التي خانته “سانوبار” تستميت في شرح اضطرارها قائلة إنها لم تقدم على هذه الخيانة الزوجية إلا من أجل لقمة العيش، من أجل إطعام نفسها وولديهما في عام 1937 الذي كان أسوأ عام من حيث المجاعة.

وقد لجأت سانوبار كاريموفا التي كانت وحيدة بدون زوجها إلى علاقات غير شرعية مع رئيس الدائرة التي تعيش فيها هي وزوجها، واسم الرئيس “ميرزاكاندوف يتسحاق” وهو من أكبر المفكرين اليهود في سمرقند في تلك الفترة.

كان ميرزاكاندوف من عوائل التجار المشهورين في سمرقند، وكان من أقارب رئيس اللوبي اليهودي لبخارى في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا “بوريس باروخ كاندوف” (كونت)، ويرجع أصولهم إلى سمرقند.

واليهود السمرقنديون كانوا يعرفون تماماً بأن آخر طفل في عائلة كريموف كان ولداً غير شرعي من “يتسحاق ميرزاكاندوف” وأن اسمه الحقيقي غير المعلن “إسحاق” وليس “إسلام”.

وبعد شجارات عائلية شديدة رضي عبد الغني كريموف بالأمر الواقع وقرر مسامحة زوجته بشرط واحد: إرسال الطفل الجديد وغير الشرعي إلى دور الأيتام.

وهكذا ذهب رئيس أوزبكستان المستقبلي إلى دور الأيتام بمدينة سمرقند وبقي أخواه الآخران في منزل أبيهما.

ولكن في عام 1942 عندما امتلأت دور الأيتام والملاجئ بالأيتام القادمين من روسيا السوفيتية التي كانت تقاتل ألمانيا الفاشية وصارت أوضاع الأطفال في تلك الدور مأساوية، فحينئذ قرر عبد الغني كريموف إعادة “إسلام” إلى المنزل، وذلك بعد أن فكّر طويلاً وسلّى نفسه قائلاً: “لماذا أترك هذا الطفل البريء في الشارع مرمياً، ما دام أنه غير مؤاخذ لما فعلته أمه؟”

ولكنه ما لبث أن أعاده إلى دور الأيتام مرة أخرى في عام 1945 بسبب تطبع “إسلام كريموف” بطبيعة عدوانية، فكان يعتدي كثيراً على أطفال عبد الغني الآخرين، بالإضافة إلى اعتياده على السرقة، كان يسرق أموالاً وممتلكات من الجيران، كما أصبح يتضارب مع أطفالهم.

وكانت همجية “إسلام كريموف” خلال سنوات المدرسة واضحة للناس، فعند ما كان تلميذاً في المدرسة الابتدائية في سن 7 و8 أعوام كان سارقاً مشهوراً لـ “بازار سياب” في سمرقند، وكان الفلاحون السمرقنديون يلقبونه بـ”سارق الشمام”.

وفي سنوات دراسته الثانوية في المدرسة اكتشف زملاؤه صفاته الجديدة، حيث كان يضرب زميلاته الطالبات في الصف (معظمهن من طاجيكستان وأوزبكستان وروسيا)، وكان يهدد معلماته بإشهار السكين في وجوههن، عندما كن يرسّبنه في الاختبارات.

وكشف أحد زملائه –فيما بعد- أن كان يصادق اليهود فقط حيث كانوا يحمونه ويدافعون عن جرائمه دائماً. ويبدو أن يهود سمرقند كانوا يخبرون أبناءهم بأن “إسلام” (المسلم) يعود أصله إليهم واسمه “إسحاق”.

وكشف زميل له آخر أن مستوى “إسلام كريموف” الدراسي كان متدنياً، (أخبر بذلك لتكذيب ما يدعيه مدّاحوا “كريموف” الآن بأنه “أخذ الميدالية الذهبية للامتياز عند تخرجه من الثانوية).

ويستمر الكاتب عثمان حق نظروف في سرد سيرة كريموف حتى سنواته الأخيرة وبدأ حياته العملية وكيف تزوج من زوجته الأولى “نتاليا بيتروفنا”، وتحدث عن ابنه منها اسمه “بيتر إسلاموفيتش كريموف” الذي ولد عام 1966، ثم تحدث عن زوجته الثانية “تاتيانا أكبروفنا كريموفا” (كان والدها طاجيكي وأمها من يهود طاجيكستان)، وكيف ساعدته من خلال أقربائه البعيدين في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي (ليغاتتشيف، ياكوفليف)، وكيف وصل في النهاية إلى رئاسة أوزبكستان، ومن ثم تحدث عن الأعوام الأولى التي بدأ يحكم فيها أوزبكستان وكيف انتقى كوادره المحيطين من حوله من اليهود ..

ويقول عثمان حق نظروف:
أصبح دعم اليهود لـ”إسلام كريموف” (إسحاق ميرزاكاندوف) (كونت) واضحاً بعد زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في مارس 2002 حيث قام بزيارات كثيرة للمنظمات اليهودية هناك، ومنها منظمة “منظمة بئر هاغولاه”، وقدّم اليهود هناك لكريموف هدية تذكارية وميدالية بلقب “قائد على مستوى دولي”. وكرّم الكونغرس العالمي لليهود –برئاسة “ليف أفنيروفيتش ليفيف (لوفايف)” – الذي يعود أصله إلى طشقند وهو من الداعمين الأساسيين لنظام كريموف – ؛ كرّموا كريموف بجائزة كبرى “لإنجازاته الكبيرة التي قدّمها لـ”الأمة”).

المصدر :«كتاب وراء كل دكتاتور طفولة بائسة»

اترك رد