وأصبحت حجة “الإرهاب” هي الغطاء الذي تمارس تحته الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الأخرى مختلف أشكال الاستبداد، فقد تلقى كريموف في عام 2002م معونة قيمتها 79 مليون دولار من الولايات المتحدة أنفقت على الجيش والشرطة في صفقة سمحت لواشنطن باستخدام قاعدة جوية في مدينة “خاناباد” جنوبي أوزبكستان لشن هجمات على أفغانستان.

ومن المفارقات الغريبة في خطاب الإدارة الأمريكية أن “كولين باول” في عام 2002م عند ما كان وزيراً للخارجية استقبل “إسلام كريموف” استقبالا حافلاً على الرغم من إصدار وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً قبل هذه المقابلة بأسبوعين يصف أوزبكستان بأنها “دولة تسلطية لا يوجد فيها إلا قدر محدود من الحقوق المدنية ولا تسمح الحكومة فيها بوجود أحزاب معارضة”.

كما أن الولايات المتحدة تقدم معوناتها بالفعل من أجل إنفاقها على الأجهزة الأمنية والشرطة في أوزبكستان كما في دول أخرى منها دول في الشرق الأوسط وهي الأجهزة التي اعترفت وزارة الخارجية أنها تستخدم التعذيب كأحد آليات التحقيق مع المتهمين.

وقد أشار تقرير لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية أن السلطات الأوزبكية قتلت عشرة معتقلين من بين 7000 معتقل خلال حملاتها على المعارضة الإسلامية وأن أحد هؤلاء القتلى تم سلقه حياً في الماء المغلي حتى الموت في عام 2002م.

وكانت الأحداث الأخيرة قد اندلعت في أنديجان بعد محاكمة 23 من رجال الأعمال الذين اتهمتهم السلطات بالتطرف الإسلامي والانتماء لجماعة دينية محظورة، ومع قرب انتهاء المحاكمة قام 4000 من أقارب ومؤيدي المعتقلين بالتظاهر والتمرد دفاعاً عنهم.

وفي 13/مايو/2005 هاجم مائة من المتظاهرين سجن أنديجان وأطلقوا سراح آلاف السجناء ومن بينهم رجال الأعمال الثلاثة والعشرين واحتلوا إحدى البنايات في وسط المدينة وطالبوا باستقالة “كريموف”.

ولكن القوات الحكومية تحركت وقامت فرقة مدرعات بإطلاق النار بشكل عشوائي على آلاف المتظاهرين في ميدان خارج المبنى، مستخدمين المدافع الآلية من فوق المدرعات ثم تحرك الجنود سيراً على الأقدام بعد ذلك وأجهزوا على الجرحى ومن بينهم نساء وأطفال.

وفرضت الحكومة تعتيماً إعلامياً على الأحداث،  ثم قامت بإخلاء المنطقة من الجثث ومن آثار القتل، حتى أن الصحافيين والإعلاميين الذين سمح لهم بعد ذلك بدخول المدينة لم يجدوا أثراً لأعمال التمرد ولا عمليات القتل.

ورغم مزاعم الولايات المتحدة وكريموف بأن أحداث التمرد سببها المتطرفون الإسلاميون فإن هذه المنطقة ينتشر فيها العداء للشرطة والنظام بسبب الفقر الشديد وانتشار البطالة والمعاناة الاقتصادية.

وفي مقالها المنشور في 15/مايو بعد يومين من وقوع هذه الأحداث قالت صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية: أعلنت الولايات المتحدة عن مخاوفها من احتمال أن يكون بعض أعضاء “الجماعات الإرهابية” قد أطلق سراحهم من السجن خلال التمرد، ولكنها حثت الجانبين على ضبط النفس.

ولكن السفير البريطاني السابق لدى أوزبكستان “كريج موراي” والذي فقد منصبه بسبب فضحه لانتهاكات حقوق الإنسان من قبل حليف الولايات المتحدة الجديد في الحرب على الإرهاب، قال:

“إن العناصر الإسلامية التي شاركت في أحداث أنديجان كانت عناصر معتدلة تشبه الإسلامي السياسي في تركيا أكثر مما تشبه طالبان”.

وكشفت الصحيفة البريطانية أيضاً أن الولايات المتحدة تقدم مساعدة تبلغ 10 ملايين دولار سنوياً لأجهزة الأمن والشرطة في أوزبكستان، وهي الأجهزة التي تمارس التعذيب على نطاق واسع خلال الاستجواب، وقال موراي: إن الولايات المتحدة سوف تزعم أنها تقوم بتعليم الأوزبكيين وسائل أقل عنفاً في الاستجواب، وهو زعم غير حقيقي، كما يقول موراي.

وبعد أن تفاقمت الأمور وهددت بانتفاضة واسعة النطاق في أوزبكستان ظلت الولايات المتحدة على مساندتها للرئيس الأوزبكي رغم تغيرات هامشية في اللهجة، كما ظل نظام كريموف يستخدم حجة مكافحة الإرهاب لتبرير القمع السياسي.

أما التغيرات الهامشية والطفيفة التي طرأت على خطاب الإدارة الأميركية تجاه حكومة كريموف القمعية فهدفها بالأساس كان ولا يزال هو الحفاظ على هذا النظام، فوزيرة الخارجية الأميركية طالبت بإصلاحات سياسية لتكون صمام أمان للنظام في المستقبل، وتحافظ على استقرار نظام كريموف على المدى البعيد.

ونورد هنا رسالة بعث بها مواطن أوزبكي للرئيس كريموف نشرت على موقع “أوزبكستان المسلمة” على شبكة الإنترنت:

“أيها الرئيس غير المحترم!  لقد اقتنع العالم بأنكم لا تشبعون من شيئين أبداً:

الشيء الأول: سفك دماء الأبرياء، فمنذ سنين طويلة وأنتم تسفكون دماء الشعب الأوزبكي بشتى الطرق والأساليب.. وهذا مكشوف للعالم كله، وكان آخرها وأبشعها هي المذبحة الأنديجانية التي ارتكبتها قواتكم “الرحيمة”!

أما الشيء الآخر الذي لا تشبعون منه أبداً؛ الكذب والدجل! وقد اتضح هذا للعالم كله أيضاً من خلال تصريحاتكم الأخيرة .. إذ كيف يصدق العالم مزاعمكم تلك وهو يشاهد بأم عينه تلك المذبحة المروعة في أنديجان التي راح ضحيتها المئات بل الألوف من الشعب الأوزبكي ؟! أ كان كل أولئك المتظاهرين الذين شكلوا عشرات الآلاف من أهالي أنديجان إرهابيين مسلحين؟! إذاً لـَمـا كانت حكومة تبقى في الحكم لحظة واحدة.

أيها الرئيس غير المحترم! قد تنجو من العقاب الدنيوي، ولكن لن تستطيع أن تنجو من عقاب الله الأليم في الآخرة الذي لا يستطيع أن يحميك عنه لا أميركا ولا روسيا ولا أي أحد من العالم !! وهذا أمر مقرر في قرآننا – نحن المسلمين – ولا نشك فيه أبداً”.

وقد نشرت إذاعة “آزادليك” الحرية في موقعها على شبكة الإنترنت عدداً من مقابلاتها مع الشهود الذين كانوا ضمن المتظاهرين في مدينة أنديجان وأصيبوا فيها بكثير من الفواجع والمصائب من قبل القوات الأوزبكية الهمجية، التي ارتكبت مجازر مروعة في هذه المدينة الباسلة، ونقلت رواياتهم وحكاياتهم حول ما شاهدوه أثناء المذبحة وبعيدها.

امرأة من الشهود تروي:

“لقد رأيت عدداً لا يحصى من القتلى، وكثير منهم نساء وأطفال. وأشد وأبشع ما رأيت امرأة حامل كانت في بطنها قد انشقت وجميع جسدها مضرجة بالدماء ففقدت وعيي في الحال، ورجعت إلى منزلي وأنا لا أعرف نفسي.

وعدد القتلى لا يمكن أن يكون أقل من خمسمائة قتيل، ولا يمكن أن يحصيهم أحد في تلك الحال، إذ كيف تستطيع أن تعدهم وهو ركام بعضها فوق بعض.

وكانت الشوارع قد امتلأت بهم من ميدان المظاهرة إلى النهر الذي في جانب المدينة ولا أعرف كم المسافة التي بينهما من الكيلومترات”.

ويروي رجل من الشهود:

“خرجنا نبحث عن المفقودين في فجر اليوم الثاني من الفاجعة، وجئنا عند المدرسة الخامسة عشرة، وكانت جميع الجهات محاطة بالجنود والعساكر، لا شيء هناك إلا القتلى، الشارع ممتلئ بالجثث.

وقد جمع الجنود الجثث على جانب الشارع كالطوب، وبدأ أهالي المدينة يتجمعون للبحث عن ذويهم وأقاربهم، ووصلت مدرعة جديدة في الحال وعليها جنود فأطلقوا الرصاص في الهواء، وهددوا الناس فهربنا وهرب الجميع إلى جانب الشارع. وكانت هناك ثلاث آليات عسكرية جاءت من وراء المدرعة، فبدأ الجنود يحملون الجثث في هذه الآليات، فامتلأت جميع تلك الآليات بالجثث، ثم ذهبوا بتلك الجثث كلها إلى وجهة مجهولة وتفرق الجنود كذلك، ولم يبق في الشارع إلا بضع عشرة جثة كلها لرجال وشباب”.

المصدر :«كتاب وراء كل دكتاتور طفولة بائسة»

اترك رد