وسنوات حكم الرئيس الأوزبكي الطويلة قضاها المسلمون الأوزبك في السجون والمعتقلات, ملاحقين ومطارين؛ آلاف منهم هجّروا إلى الخارج, وآلاف أخرى في السجون والمعتقلات,لا يدري أحد أين هم اليوم ،,, قتل قسم كبير منهم, وأعدموا بتهم “الإسلامية” و”الأصولية” و”التطرف” التي باتت أحكاما جاهزة بحق كل من يخالف الرئيس الأوزبكي.

المهجرون في الدول الأخرى لا يزالون يفضلون اللجوء السياسي –رغم الظروف الصعبة- على أن يرجعوا إلى البلاد تحت نير حكم كريموف. فقد نشرت إذاعة “بي بي سي” الأوزبكية خبرا عن مئات اللاجئين الأوزبك(رجالا وأطفالا ونساء) الذين سلموا أنفسهم للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين لدى الأمم المتحدة بمكتبها في إيران منذ فترة، مشيرة إلى أنهم يعانون من أوضاع مأساوية, مطالبين بالانتقال إلى دولة ثالثة, أو الصبر على أوضاعهم, مخافة العودة إلى أوزبكستان.

يقول هؤلاء اللاجئون المقيمون حاليا في مخيم مخصص قرب العاصمة الإيرانية “طهران” بأن أوضاعهم الحالية صعبة للغاية, بالغم من ذالك فإنهم لا يريدونلا يريدون العودة إلى أوزبكستان أبدا ما دامت حكومة كريموف مسيطرة عليها, ويتمنون من المجتمع الدولي الإسراع لتحسين ظروفهم المعيشية وأن ينقلهم إلى دولة أخرى غير أوزبكستان.

يقول المهجرون: “إنهم اضطروا للهجرة من أوزبكستان في أواخر التسعينيات من القرن الماضي بعد أن تصاعدت الاضطهادات الحكومية تجاه كل الشباب المسلم الذين يصلون في المساجد ويطلقون لحاهم, مما أجبرهم للفرار بدينهم, بل والاضطرار للالتحاق بحركة أوزبكستان الإسلامية التي كانت تتخذ مقرا لها في أفغانستان وطاجيكستان المجاورتين”.

وفي الداخل, تتواصل ملاحقة المسلمين الذين يرتادون المساجد أو يطلقون لحاهم, بتهمة “التطرف” فيما تبارك الحكومة القرارات التي تخالف الشريعة الإسلامية, وتعمل على هدم القيم الأخلاقية محاربة للإسلام.

ففي أنديجان , التي شهدت مجزرة بيد أتباع كريموف بحق الملمين هناك, قرر الرئيس الأزبكي إقالة حاكم الولاية, وعين بدلا عنه حاكما عسكريا هو الجنرال أحمدجان عثمانوف, الذي كان يشغل منصب “رئيس شرطة نمنجان” –المدينة الإسلامية الأولى التي قمع أهلها في أوزبكستان-.

ومن أولى القرارات أعلنها الحاكم الجديد للولاية, قرار بإجبار المطاعم هناك على بيع الخمور والمشروات المسكرة وأي مطعم لا يمتثل لهذا القرار فإن مصيره الإغلاق والعقوبات.

ويؤكد موقع “أوزبكستان المسلمة” أن الحاكم الجديد قام بنشر هذا الخبر عبر عدد من وكالات الأنباء كشبكة “فرغانه” الإخبارية الروسية وإذاعة صوت أوربا الحرة, وغيرها.

ويشير الموقع إلى أن هذا القرار جاء كرد فعل على حادثة سابقة, أبدت فيها المطاعم في الولاية, عدم تقبلها بيع المشروبات الكحولية لمسئولين في حكومة كريموف.

هناك مقال شهير في صحيفة “وشنطون بوست” يقول فيه الكاتب الأميركي بيل فيرغسون: صدام وكيموف وجهان لعملة واحدة. كان صدام حسين دائما شخصا سيئا. ولكنه كان رجلنا المفضل في فترة من الفترات. فعندما كان يخوض حربه الطويلة والدامية ضد إيران كنا. نمده بسخاء بكل أنواع الدعم المادي والعسكري وذلك على الرغم من علمنا بأنه ديكتاتور مستبد يعذب ويقتل شعبه.

وكانت إيران تمثل أكبر تهديد لمصالحنا في المنطقة خلال هذا الوقت. وكنا نرغب في التحقق من طموحاتها العسكرية. لذا غضت الولايات المتحدة طرفها عندما تصرف صدام وقتها بطريقة خاطئة لأن تصرفه هذا كان يتفق مع مصالحنا.

ويمضي فيرجسون في المقال فيقول: بعد وقوع صدام في الفخ الذي نصبته له الإدارات الأمريكية المتعقبة. أنفقت إدارة الرئيس بوش مليارات الدولارات التي لا تملكها بالفعل وضخت بأرواح مئات الجنود من أجل تصحيح أخطائها الواضحة في العراق. وإني لآمل أن تتعلم إدارة الرئيس بوش درسا مهما من تجربة صدام قبل أن تفكر في الرقص مع الشيطان مرة أخرى. ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تزال في حاجة إلى تعلم بعض الدروس المهمة.

وحتى مع ترديد بوش لأبيات شعرية أبعد ما تكون عن الواقع بشأن نثر بذور الديموقراطية في شتى أنحاء العالم. تستمر إدارته في تقديم الدعم لبعض الحكومات الفاسدة والسيئة عندما تبدو أجندتها السياسية متوافقة مع تطلعاتنا ومصالحنا الإستراتيجية.

وهنا ينتقل الكاتب الأميركي إلى كاريموف فيقول: لذا دعونا نرحب بأحد أهم حلفائنا في الحرب على الإرهاب وهو الرئيس الأوزبكستاني إسلام كريموف. وأوزبكستان هي واحدة من الدول التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق والتي حصلت على استقلاها مؤخرا. ولكنها لم تطرح بعد إرثها الشيوعي جانبا.

فقد استمرت الآلة السياسية الشيوعية في الدوران بأوزبكستان بعد سقوط الإتحاد السوفيتي. وما زال كاريموف وفيا لتلك الحقبة السيئة التي لم تكن تسمح بفتح أجواء الممارسة السياسية أمام عملية الإصلاح الديموقراطي.

وقد توقف كريموف ببساطة عن الإشارة إلى نفسه كشيوعي وأصبح نموذجا للحاكم النمطي المستبد. ولكن أعلن أيضا في خطوة ذكية عن تحالفه مع الولايات المتحدة في الحرب التي تشنها على الإرهاب بعد وقوع أحداث سبتمبر.

وقد تبنى كاريموف سياسة متشددة ضد الجماعات الإسلامية, وتعهد صراحة بتقديم الدعم الكامل لولايات المتحدة من أجل تحقيق هدفها المعلن, الذي يتمثل في القضاء على المنظمات الإرهابية في شتى أنحاء العالم.

وقد برر كاريموف الإجراءات الصارمة التي تفرضها حكومته على المتظاهرين السياسيين من خلال التأكيد على أن الأشخاص الذين طالبوا بإجراء إصلاحات سياسية أوزبكستان هم بالفعل متشددون إسلاميون يتوقون لوقوع حرب أهلية هناك.

وهنا يتوصل الكاتب الأميركي للحقيقة المفزعة فيقول :فدعونا ننظر إلى هذا الديكتاتور المستبد الذي وضع قبضته الحديدية على حركات المعارضة التي تطالب بالإصلاح السياسي, عندما يبرر هذه الانتهاكات بحجة الحفاظ على استقرار بلاده.

وما يثير الأسى والأسف في الوقت نفسه هو أننا مازلنا كأميركيين ندعم هذا الديكتاتور حتى وقتنا الحالي لمصالح إستراتيجية وعسكرية.

ويحذر الكاتب إدارة بوش بقوله: لقد خضنا هذا الطريق الملتوي مرات عديدة ولكنه لم يوصلنا إلى نتائج جديدة. ويكمن الفارق الوحيد بين صدام حسين وإسلام كاريموف في عنصري الوقت والجغرافيا, إلا أن فلسفتهما وأسلوبهما متشابهان على حد كبير.

ويتساءل الكاتب الأمريكي في النهاية: فهل نستمر كأميركيين في العمل مع كاريموف كشريك في الحرب على الإرهاب, رغم ارتكابه لمجازر جماعية ضد المعارضين السياسيين؟!.. ولو حدث ذلك, نستطيع أن نقول وداعا للمثل الأخلاقية العليا, والفكرة القائلة بأن الحرب التي نخوضها على الإرهاب تمثل صراعا قويا بين الخير والشر.

والحقيقة أن فيرجسون قد شخص في مقاله واقع الحال, فالأحداث التي شهدتها أوزبكستان مؤخرا, هذه الدولة التي تقع في وسط آسيا ويضعها الأميركيون ضمن خطة” مبادرة الشرق الأوسط الكبير” مذبحة راح ضحيتها حوالي 500 من المتظاهرين في مدينة أديجان في أقل التقديرات.

ولأن إسلام كريموف, الذي يحكم البلاد منذ عام 1991 بالحديد النار بعد استقلالها عن موسكو, أصبح حليفا للولايات المتحدة في عام 2001, وقد أصدر البيت الأبيض بيانا يدعم فيه نظام كاريموف الذي أطلق النيران الحية على المتظاهرين وزعم أنهم ينتمون ألى الجماعات الإسلامية المتطرفة المنظمة في ” حزب التحرير” وكان من بين القتلى عدد كبير من الأطفال والنساء.

المصدر :«كتاب وراء كل دكتاتور طفولة بائسة»

تعليق واحد

اترك رد