والحقيقة أن السنوات الأربع عشرة التي قضاها الرئيس الأوزبكي جاثماً على صدور المسلمين هناك كانت سنوات عجافاً عليهم، اتسمت بالظلم والقتل والتعذيب، سيق المئات منهم إلى الإعدام، وزج بالآلاف منهم في السجون، وسط التعذيب والتنكيل، دون أن تستطيع أي دولة الوقوف إلى جانب المسلمين هناك وتغيير مسار الأحداث .. طالما أن الدعم يأتي لكريموف من الولايات المتحدة بلا حدود.

في مهزلة كمثل مهازل الانتخابات في دول العالم النامي ترشح كريموف لتولي فترة ولاية ثانية رئيسا لأوزبكستان في 22 يناير 2000 ¸بعد سبع سنوات قضاها على كرسي الحكم, فاز بالرئاسة في تمثيلية معروفة, وصفها المراقبون بأنها “مهزلة” وثبت نفسه حاكما شموليا وديكتاتورا مطلق الصلاحيات .

ومثل الكثير من النسب التي يحصدها رؤساء بعض الدول النامية حصل كريموف على نسبة 98% من أصوات الناخبين دون أن يكون هناك أي رأي حر لأحد في وضع علامة “غير موافق” على بطاقات الانتخابات.. ذلك أن رجال الاستخبارات المرتزقة ستعمل على الفور لإثبات ولائها المطلق للحاكم وأعوانه باعتقال هذا “التكرف”.

وعلى الرغم من أن الدستور الأوزبكي ينص على أن مدة الحكم 5 سنوات إلا أن البرلمان الذي يأتمر بأوامر الرئيس كريموف أقر تعديلا على الدستور يمنح الرئيس 7سنوات من الحكم بدل السنوات الخمس.

وهذا التعديل هو الثاني الذي يحدث في تاريخ الجمهورية التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي عام 1991.

فبعد أقل من عام على سقوط الاتحاد السوفيتي وتحرر جمهورياته إلى دول مستقلة –ولو شكليا- فاز إسلام كريموف بحكم أزباكستان, بعد أن كان قد عين فيها أمينا عاما للحزب الشيوعي منذ عام 1989.. وحسب دستور البلاد, فإن للرئيس المنتخب الحق بالحكم خمس سنوات فقط, إلا أنه وخلال عام 1995 أقر البرلمان الأوزبكي تعديلا دستوريا يقضي بتمديد فترة حكم الئيس سنتين كاملتين لتصبح ولاية الرئيس 7 سنوات تنتهي مع مطلع عام 2000.

السنوات الأربع عشرة التي قضاها كريموف حتى الآن في حكم أوزبكستان حولت الدولة المسلمة إلى دولة بوليسية, باتت فيها السجون أكثر عددا من المساجد, والمروعين بسجن أهلهم أو ملاحقتهم أكثر من الآمنين, والعاملين في أجهزة الأمن أكثر من الموظفين الحكوميين.

ويبدو أن الرئيس الجبري للبلاد قد عقد العزم على ألا يبرح الحكم حتى يبلغ نهاية أجله, هو أمر لم يكن يحتاج لقرار أو تعديل دستوري. لذلك لم تجرؤ وسيلة إعلامية واحدة في أوزبكستان على الحديث عن انتهاء فترة ولاية كريموف ,كما لم يجرؤ أحد في البرلمات على طرح سؤال حول مشروعية الحكم.

وعلى الرغم من وجود قانون يجيز للرئيس البقاء في السلطة إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية القادمة نهاية 20007 إلا أنه لا يبدو في الأفق أي أمل في أن يزاح كريموف عن منصبه الذي بات “حصريا” له.

لم يكن لأي رئيس دولة يتمتع بتلك الشعبية التي تتيح له الفوز بنسبة 98% دون أن يستخدم “القبضة الحديدية” في حكم البلاد والعباد. وهذا ما ينطبق تماما على أوزبكستان. فالرئيس الذي تفرد بالحكم لدرجة تجعل من اسمه “إرهابا” للشعب استطاع أن يمد نفوذه واسعا في الطبقة الحاكمة, و طبقة المسؤولين, والشعب المسلم الذي تم التضييق عليه بشدة.

لذلك, فإن التوجهات والسياسات والقرارات في أوزبكستان وتصريف أمور الدولة وعلاقاتها الخارجية وتوجهاتها الداخلية تخضع لسطاته المباشرة دون منافس.. فالحكم الذي يقوم على القتل والتعذيب والإذلال, يصبح خطرا لا يمكن مجابهته بمغامرة انقلابية.

لقد استطاع كريموف بسهولة, التخلص من جميع المسؤولين الذين يخالفون توجهه الجديد في العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة.. حيث أجرى تغييرات عديدة طالت مسؤولين كبار.

فبعد أحداث مجزرة أنديجان في 13مايو 2005, بدأت التبدلات السياسية تفرض على الغرب وأمريكا انتقاد الديكتاتورية والقتل والإرهاب الذي يمارسه كريموف بحق الشعب الأعزل.. ما حدا به إلى اعتبار الولايات المتحدة خصما, خاصة بعد أن وجد صدرا رحبا في موسكو قبلته التي يدين لها بتاريخه الشيوعي وحاضره الديكتاتوري.

وخلال السنوات القليلة اللاحقة للمجزرة , أجرى كريموف حملة تطهير طالت جميع المسؤولين الموالين للغرب, كان آخرهم كاظم تولاكانوف (الحاكم السابق لولاية طشقند) والذي عزل من منصبه, وتمت محاكمته بتهم “الفساد المالي والإضرار باقتصاد الدولة” وحكم عليه بالسجن 20 عاما, مع غرامة مالية تقدر بمليون دولار.

وكان من أشهر المسؤولين الذين تمت إقالتهم والحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة, فضلا عن دفع غرامات مالية كبيرة, قادر غلاموف وزير الدفاع الأزبكي السابق وبختيار حميدوف نائب رئيس الوزراء السابق وغيرهما.

وحسب المصادر الأزبكية فإن المحللين يرجعون قرارات الرئيس الأزبكي بإقالة هذه الشخصيات وإحالتها للمحاكمة, بأنه أصبح يخشى من أي مسؤول له ولاءات أو ميول للغرب, أو يحس بأنه قد يطمع بكرسي الرئاسة مستقبلا.

وفي أوزبكستان التي يحكمها كريموف, لا يوجد أي مصدر موثوق يكشف عن حقيقة أصل وسيرة كريموف, ابتداء من ولادته وطفولته, وصولا إلى ارتقائه المناصب الحكومية في عهد الاحتلال الشيوعي. إلا أن جميعها تتفق على أن “كريموف” نشأ في دور الأيتام تحت رعاية الدولة السوفيتية.

وفيما قد يدل على نسبه اليهودي, تزوج أسلام كريموف عام 1966 من زوجته الثانية وهي تاتيانا أكباروفنا كاريموفا, التي كان والدها طاجيكيا, أمها من يهود طاجيكستان. وقد ساعدته زوجته عبر أقربائها اليهود في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الأتحاد السوفييتي للوصول إلى رئاسة أوزبكستان.وفي الأعوام الأولى من حكمه لأوزبكستان انتقى كوادره المحيطين به من اليهود.

وحول هذه الأمور يقول المحلل السياسي الأوزبكي صاحب الشهرة العالمية “عثمان حق نظروف” وهو من أشهر الكتاب السياسيين في أوزبكستان وروسيا, الذين يعتد بكتاباتهم في الخارج :”أصبح دعم اليهود لإسلام (إسحاق) كريموف واضحا بعد زيارته للولايات المتحدة الأميركية في مارس 2002. حيث قام بزيارات كثيرة للمنظمات اليهودية هناك, ومنها منظمة “معهد بئر هاغولاه”, وقدم اليهود هناك لكريموف هدية تذكارية وميدالية بلقب “قائد على مستوى دولي”. وكرّم الكونغرس العلمي لليهود –برئاسة “ليف أفنيروفيتش ليفيف”, الذي يعود أصله إلى طشقند وهو من الداعمين الأساسيين لنظام كريموف-, كرّموا كريموف بجائزة كبرى “لإنجازاته الكبيرة التي قدمها للأمة”.

ثم تطرق الكتاب إلى ذكر قائمة [اسماء اليهود الذين يعملون حاليا في حكومة أوزبكستان وإداراتها الإقليمية وفي قطاع الاتصاد وقطاع الأمن والشؤون الداخلية والمالية والأعمال. وأورد اقتباسا من أقوال “فلاديمير برونستين” –المستشار الأعلى لكريموف- حيث كان يقول في مجالسه الخاصة: “نحن (اليهود لن نعطي سلطتنا بسهولة, بل نحن مستعدون لإطلاق النار على كل أوزبكستاني وأن تصبح فلسطين ثانية بدلا من إعطاء السلطة للسكان الأصليين”.

المصدر :«كتاب وراء كل دكتاتور طفولة بائسة»

تعليق واحد

اترك رد