بقلم/ د. أكرم حجازي بتاريخ 17/5/2008 – كاتب وأستاذ جامعي

الغالبية الساحقة من الذين يعلقون عادة على القضية الفلسطينية في مناسبات عديدة يعبرون عن تضامنهم مع القضية ويسوقون مآسيها بلا توقف، بعض هؤلاء، ممن يرتبطون بأجندات محلية أو خارجية صرفة، يلجؤون إلى الطعن بها والطعن بالفلسطينيين والدفاع عن إسرائيل جهارا نهارا والتقرب منها والتودد إليها كما لو أنها ولية الأمر عليهم غير آبهين لا بدين ولا عقيدة ولا حتى بأية قيم أخلاقية أو إنسانية أو موضوعية.

هذه المقالة تطرح العشرات من التساؤلات عن الجانب المظلم في الشأن الفلسطيني وليس عن الجانب المشرق فيه والذي لم يفض إلى أية نتيجة سوى مراكمة الهزائم والإحباط. وأنا على يقين أن الكثير سيعتبر المقالة تجنيا على الشعب الفلسطيني أو الشعوب العربية وغيرها، وأنه يدخل في سياق ما يحلو للبعض تسميته بجلد الذات. فليكن. لكن الحقيقة أن المقالة توصف واقع سائد يتجنب الرسميون وحتى الغيارى من هذه الأمة الاقتراب منه تجنبا لمزيد من التمزق. الغريب أن اليهود والغربيين وأغلب الشعوب المتقدمة والدول الناهضة يراقبون أفعالهم على الدوام دون حرج أو حساسية إلا عندنا نحن العرب والفلسطينيين، فإننا ندفن رؤوسنا بالرمال ونبقى نولول على مدى الدهر دون الاقتراب مما نعتبره عيبا وخجلا وقسمة للشعب الواحد، فترانا على الدوام نؤكد في خطاباتنا على ليس “الوحدة الوطنية” فحسب بل “تعزيزها” تأكيدا منا على أنها قائمة وهي في الحقيقة ليست كذلك إلا من باب التخويف والتمني وذر الرماد في العيون.

ببساطة، قبل تسعين عاما، قدمت بريطانيا عبر وزير خارجيتها جيمس آرثر بلفور وعدا لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين. وها هي إسرائيل تحتفل بمعية الرئيس الأمريكي جورج بوش بمرور ستين عامة على إقامتها ويهدد بأنها ستحتفل بذكراها المائة والعشرين عاما بعد ستين عاما أخرى على أن يبقى الشعب الفلسطيني تحت المطرقة حتى ذلك الحين القادم من الزمن. أما العرب فلا شأن لهم فيما يجري إلا الاحتفال مع إسرائيل ببرقيات التهنئة بالعيد الستين للاستقلال، ويشاركهم الفلسطينيون بالأمل في مفاوضات مزعومة تنتهي بدولة فلسطينية.

هكذا! بعد بحور الدماء وقوافل الشهداء ومعاناة التشرد والحرمان وانعدام الطموح والأمان والقتل والتقليل والمطاردات والملاحقات والاعتقال والزج بالسجون للفلسطينيين لعشرات السنين، دون سائر البشر، والتعامل معهم وكأنهم مخلوقات منحطة وفائضة عن الحاجة يكون الهدف الفلسطيني بعد عشرات العقود رغيف خبز مرّ لا يقوى على تحصيله! وببساطة أبهى وأجل من الاحترام والتقدير يكون الثناء الفلسطيني على حكمة بريطانيا واجبا في تميزها عن الموقف الأوروبي الداعي للتفاوض مع إحدى القوى الإسلامية!

عجبا!

ليس مهما أن تقوم إسرائيل أو تحميها أمريكا أو تشبعنا أوروبا والعالم نفاقا طوال هذه السنين لكن من المهم أن نسأل ماذا فعلنا نحن الفلسطينيين كي نمنع الأمريكيين والأوروبيين وغيرهم من تقديم الدعم اللامحدود لإسرائيل طوال هذه السنين؟ وماذا فعلت قياداتنا بنا؟ وماذا تفعل بنفسها؟ وماذا تريد؟ ومن هو عدوها؟ وكيف تواجهه؟ وبأية أدوات؟

من المهم أن نسأل: ماذا فعلنا في الأردن؟ وماذا كنا نفعل في لبنان ونحن نمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة؟ وماذا فعل لنا الاتحاد السوفياتي؟ وماذا فعل لنا العرب؟ وستفعله لنا إيران؟ من المهم أن نسأل: كيف انتهى بنا المطاف إلى البرازيل والهند والسويد وكندا وهولندا وأستراليا والدانمرك والنرويج؟ بحيث لم نجد بعد خمسين عاما أو أكثر من يؤوي لاجئا تداعت عليه كل صنوف الحقد والأذى في العراق وغير العراق؟ ومن المسؤول عن هذه النتيجة المؤلمة؟

من المهم أن نسأل: لماذا دمرنا بأيدينا مخيم نهر البارد وشردنا سكانه؟ وقدمنا التغطية اللازمة للجريمة بقطع النظر عن أي اعتبار كان؟ ثم نسأل: هل كان هنالك من ثمن يستحق التغطية على الجريمة ويدفع بقضية الشعب الفلسطيني خطوة للأمام؟ ولو قلبنا الأمر على كل وجه قذر ومحمود فهل كان هنالك من ثمن غير المصلحة الشخصية أو التنظيمية في أحسن الأحوال؟ وهل هاتين المصلحتين توازيان حجم الجريمة؟ والسؤال الأهم: ما الذي يضمن ألا تلجا ذات القيادات إلى تكرار نفس الموقف في مخيمات أخرى؟ سؤال أخير: لو قامت فتح الإسلام في أحد مخيمات الضفة والقطاع؛ هل كانت هذه القيادات لتجرؤ على اتخاذ الموقف ذاته الذي اتخذته في لبنان؟

ليس من المهم أن ننافق، لكن من المهم أن نسأل أنفسنا لماذا اعتدنا استمراء النفاق والذل والدونية لندفع في كل حين ثمن الضيافة؟ ومن المهم أن نسأل: لماذا كنا وما زلنا على قارعة الطريق يركل بنا كل مارّ ويدوسنا بأقدامه كل رعديد؟ أليس حقا لنا أن نتساءل منذ زمن بعيد لماذا تبدو أكثر الأجهزة الأمنية إساءة للفلسطيني وتحقيرا له هي تلك الدول المحسوبة على الفلسطينيين تقدمية وثورية؟ فلماذا يناصرون الفلسطينيين ويضطهدونهم في الوقت ذاته؟ أم أن الفلسطيني القائد، بعرف هذه الدول، مرغوب للتغطية على الفعل السياسي العربي وتسميع المواطن عبارات الثناء على الدعم اللامحدود الذي تقدمه هذه الدولة الكريمة أو تلك للشعب الفلسطيني فيما هذا الشعب المنكوب منبوذ في دوائرها؟

عجبا!

ليس مهما أن نسأل أنفسنا مرة واحدة: لماذا لم تنجح القيادات الفلسطينية بتحقيق إنجاز واحد بعد تسعين عاما؟ لكن من المهم أن نسأل لماذا يتحول الكثير من القيادات الفلسطينية وأبناءهم إلى أصحاب ثروات وشركات هائلة في بضع سنين؟ وكيف يتحول بعض القادة إلى تجار هواتف خلوية واسمنت للمستوطنات وملاكين لمصانع المرتديلا وأصحاب لعشرات الشركات والفلل والعقارات بالمئات من الملايين وشعوبهم تتلوى قهرا وقتلا وجوعا؟ وبأية معايير يمكن لهؤلاء أن يكونوا فلسطينيين وثوريين؟

ليس مهما أن نبحث عن الانتصار ونقدم الضحايا والقرابين لكن من المهم أن نتساءل: لماذا نخشى الانتصار على العدو؟ ولماذا نتربص ببعضنا لننتصر على هذا الفصيل ونذل ذاك وبنفس الوقت ننكر على الآخرين جهادهم ونعمل على عزلهم ونتهمهم بأبشع النعوت والأوصاف؟

ليس مهما أن نكتب عن ذكرى النكبة ومآسيها حتى لا تغدو النكبة مجرد ذكرى وآهات لكن من المهم أن نتساءل عن قطيع من المثقفين لدينا وكيف تحولوا إلى مارينز إعلامي أو أبواق من حيث يدرون أو لا يدرون وهم يتبجحون بالموضوعية والحيادية والواقعية؟

ليس مهما أن نسأل: لماذا عدد البيانات والخطابات والمهرجانات والأناشيد تفوق بعشرات آلاف المرات عدد المواجهات؟ لكن من المهم أن نسأل: من يصدرها؟ ولماذا؟ وما الذي حققته؟ وبأية لغة صيغت؟ وهل هي حقيقية؟ أم نفاق؟ أما عن عمليات المقاومة فحري بنا أن نتساءل: كم من الكذب احتوت؟ وما هي حقيقة الدم المراق فيها؟ ولأية أهداف أريق؟ وكم من فصيل أعلن عن عملية وهمية أو تبنى ما ليس من صنعه؟

ليس مهما أن نقع أسرى بيد العدو فهذا شأن كل شعب مضطهد أو مقموع أو مغتصب الأرض والحقوق، لكن من حق الأسرى أن يتساءلوا بعد عشرات السنين: لماذا ما زلنا نقبع في الأسر منسيين؟ ومن حقهم أن يتساءلوا: هل هم فعلا إرهابيين وقتلة وأصحاب قضية؟ أم أنهم تعرضوا لخديعة من قيادات باعتهم منذ زمن بعيد؟ فلماذا يستمع العالم ويتحرق شوقا وتستنفر أجهزة الإعلام في العالم أجمع على محتفلة ومرحبة بالإفراج عن سجين العصر نيلسون مانديلا الذي قضة 28 عاما في سجون النظام العنصري في جنوب أفريقيا؟ مَنْ من قياداتنا لديه الشجاعة ليجيب الأسرى على لوعاتهم وحسرات أهاليهم خاصة الأسير نائل البرغوثي الذي أنهى عامه الثلاثين في سجون إسرائيل؟

عجبا!

كيف تحولنا بين ليلة وضحاها إلى إرهابيين وقتلة ومجرمين وآلة الحرب الصهيونية تفتك بالعشرات منا مشرق النهار ومغربه؟ كيف؟ كيف تحولنا إلى جوعى وصرعى على مرآى العالم أجمع محاصرين من كل حدب وصوب ولا من حياء أو دواء؟ فيما النفس البشرية تأبى على الكلاب حرّ الصيف وبرد الشتاء فنحرص على تأمين المآوي لها والغذاء والدواء بينما لا نجده لأطفالنا؟ وبالكاد انتخى وزير خارجية أكبر دولة عربية لمساعدتنا مشكورا بتكسير بكسر أرجلنا وطحن عظامنا!

لماذا نستنجد بالشعوب العربية والإسلامية ونحن نقول بخصوصية قضية فلسطين؟ وأن أهل مكة أدرى بشعابها؟ ونبحث عن المفاوضات والحلول السلمية الخادعة؟ ونحلل الخطابات الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية والعربية علنا نجد فيها ثغرة تمكننا من تحقيق اختراق في مواقفهم؟ وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات حقق شيئا من اختراقه لمواقفهم! وكأن القضية الفلسطينية لم تعد سوى لعبة كرة قدم ليس للاعبين الفلسطينيين فيها من هدف إلا البحث عن اختراق دفاعات العدو!

ليس مهما أن نسأل عمن أعمل تخريبا في الوعي الفلسطيني وشوه تاريخه وأفرغ معينه الحضاري من كنوزه ودمر العلم الشرعي وأفرغ فلسطين من نوابغ العلماء وهي التي أنتجت عبر القرون جهابذة العلم والمعرفة كالشافعي وابن حجر العسقلاني والمقدسي وغيرهم فيما لا نرى اليوم عالما واحدا يعتد به لا على مستوى فلسطين ولا على مستوى الأمة، وليس مهما أن نتساءل: ماذا حققت كل الأيديولوجيات والأفكار البديلة على امتداد أكثر من مائة عام؟ لكن من حقنا أن نتساءل: إلى أين سيحملنا قادتنا وهم بلا فكر ولا عقل ولا طموح إلا من مصالحهم الشخصية والتنظيمية؟

يا سادة

أكثر الشعوب العربية تكرهنا. ولم نسأل أنفسنا لماذا صرنا نتحدث عن شرفاء الأمة ولم نتحدث عن الأمة؟ وكأن الأمة ذهبت بلا رجعة إلا من الشرفاء. كما أننا بتنا عالة على الزعماء، ومصدر توتر وقلق وأذى. لذا فليذهب الفلسطينيون وقضيتهم إلى الجحيم، فالمراهنة على أمريكا وإسرائيل والغرب والقبول بهمم كرواد حضارة ومستقبل أجدى وأنجى من وجع الرأس، بل صار مطلبنا أن يقبلوا بنا ويعترفوا ببعض حقوقنا أو يتركوننا وشأننا. هذه هي الحقيقة بلا نفاق حتى عند الكثير من الفلسطينيين. ومنذ زمن لم نسأل لماذا؟ لأننا تجاهلناهم ولم نتوقف للحظة نلتفت بها خلفنا أو نتفقد ما حولنا فطنشونا وصغرنا في أعينهم من تصرفات قياداتنا وفصائلنا التي أهدرت كرامة الشعب الفلسطيني، وفقط بعض المساكين من الشعوب العربية والإسلامية ممن يعرفون بالقضية وتاريخها ووقائعها يتضامنون معنا وحالهم أسوأ من حالنا فيما الغالبية الساحقة والله لا تعرف لا حدود فلسطين ولا موقعها ولا حالتها.

يقولون بعد ستين عاما على النكبة وعن حال اللاجئين “حق يأبى النسيان” ونقول: اسألوا عن حال فلسطينيي عام 1948 وتأكدوا من العبارة، واسألوا أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينية وتأكدوا من رغبتهم في العودة، واسألوا المتغربين منهم والمتعلمنين والمنحطين من عملائهم والمتصهينين المدافعين عن حق إسرائيل في الوجود، واسألوا الكثير والكثير من فئاتهم في فلسطين والمنافي خاصة أولئك الدهريين منهم الذين لم يعد يعنيهم من فلسطين حتى اسمها! لا تسألوا الذاكرة والتاريخ اسألوا الحاضر كم بقي فيه من ولاء أو انتماء أو حتى عقيدة ودين، لا تسألوهم عن فلسطين فهم لا يعرفون ما يجري ولا ماذا جرى، اسألوهم فقط عن سوبر ستار وستار أكاديمي ونانسي عجرم وهيفاء وهبي وآخر قصات الشعر وأنواع الماكياج والموضة وكيف تحولت الملابس الداخلية إلى موضة العصر، وكيف انتفخت كروش واعْوَجّت ألسنة ومسخت وجوه و …. و …. و .

هذا الجانب المظلم هو الشائع وما دونه أسوأ منه إلا من رحم ربي من القابضين على الجمر في زمن التخاذل والتهاون والتفريط في الحقوق لا في المكتسبات حيث لا شيء تحقق حتى ننتصر له. وليعلم الفلسطينيون جيدا وانأ منهم أن دمجهم في العالم العربي مرفوض رفضا قاطعا ليس من الحكام فحسب بل وحتى من شرائح واسعة من المواطنين والفئات الاجتماعية ولكم في مخيم نهر البارد وما جرى في العراق عبرة لمن يعتبر وألقى السمع وهو شهيد.. والتخلي عن فلسطين خيانة عقدية وانتظار التعويضات كذبة كبرى. أما أنت يا نائل وإخوتك فطوبى للغرباء ممن جاهدوا أو قضوا أعمارهم بين جدران الظلم والظلمات، فصبر جميل والله المستعان.

اترك رد