بقلم الدكتور أكرم حجازي بـ 18 / 2 / 2008

لو كنت إخوانيا أو من حركة حماس لاستقر الانطباع الأول في ذهني حول خطاب أبو عمر البغدادي (الدين النصيحة: 14/2/2008) بأنه خطاب “غبي وغير منطقي “كما صرح أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، ولتساءلت بمرارة: لماذا تتحول حماس إلى ملطشة لقادة الجهاد العالمي ابتداء من الشيخ أسامة بن لادن مرورا بالظواهري وأبي يحيى الليبي وعطية الله وأبي حمزة المهاجر وانتهاء بالبغدادي في الوقت الذي يحاربها فيه العالم ويحاصرها القريب قبل البعيد؟ لكن لو كنت سلفيا جهاديا لدافعت عن الخطاب بحماسة ورأيت فيه فشّة غل من الإخوان وتصرفاتهم وخاصة حركة حماس التي تؤمل السلفية بها خيرا فإذا بها تنزلق إلى عميق السياسة ولعبة سايكس بيكو بينما هي من المفروض جماعة جهادية تقارع محتل غاصب، ولتساءلت بمرارة: ما الذي جناه الشعب الفلسطيني وجنته حماس من دخولها أتون السياسة والمشاركة في حكومة تحت سقف أوسلو وسقف الاحتلال غير المهانة والذل والحصار والقهر والضغوط والتهديدات؟ ولماذا تصر حماس على التنكر لكل نصيحة شرعية؟

 

لكن بين هذا وذاك ثمة من يقف على النقيض من مواقف جماعته، فلا الخطاب العاصف للبغدادي بدا مرفوضا لدى الكثير من الإخوان والقسام على الخصوص وهم يرون الهوان الذي حل بالفلسطينيين وقضيتهم على امتداد عشرات السنين رغم شلالات الدماء الهادرة دون توقف وبلا ثمن، ولا هو مقبول، بهذه الشدة، لدى من يؤمن بالسلفية الجهادية بين الإخوان وحتى لدى بعض نخب الكتاب في السلفية ممن يخشون أن تكون له ارتدادت معاكسة لأكثر من سبب ليس العزة بالإثم إلا إحداها.

 

ومع ذلك فالخطاب الذي أثار الزوبعة ولا شك، ربما يكون في طريقه لإحداث حسم في الموقف لدى حماس باعتبارها هي المستهدفة منه وليس السلفية الجهادية. فهل هذا ما أرادته السلفية؟ وهل هو ما يخيف الإخوان وغيرهم؟ وفي أي سياق إذن يمكن إدراجه؟

 

لا شك أن الخطاب السلفي الجهادي بات محرجا أكثر من أي وقت مضى لحماس كلما حافظت السلفية على تقدم فعالياتها العسكرية وكثافتها ونوعيتها في ميادين القتال أو على منطلقاتها الشرعية في ممارسة النقد بصيغة النصيحة، بينما تكتفي حماس، في المقابل، بخطاب سياسي وسط تراجع في نشاطها المسلح ضد إسرائيل وغموض في مواقفها السياسية تجاه الاعتراف بإسرائيل أو مهادنتها، الأمر الذي يضعها في مأزق أمام الخطاب السلفي خاصة وأن الفعل السياسي لها لم يؤت ثماره فضلا عن أنها في اضعف مراحل حياتها السياسية. فما الذي تستطيع حماس أن تفعله وقصرت به وهي التي ما تركت بابا إلا وطرقته في سبيل تسوية المشكلة مع السلطة التي ترفض محاورتها بتحريض أمريكي وإسرائيلي وحتى عربي؟

 

من حق حماس أن تناضل لفك الحصار دون أن تقدم أية تنازلات جوهرية تصب في المحصلة في سلة إسرائيل، لكن واقع الأمر أن المتضرر الوحيد من الحصار هي (1) الرصيد الشعبي لحماس داخل فلسطين وخارجها و (2) سكان غزة الذين يدفعون ثمنا باهظا وهم يتلقون تداعيات الحصار اجتماعيا واقتصاديا وصحيا بينما تواصل فتح وحماس الضخ المالي في جيوب أعضائهما مما يعني أن الحصار قد يستغرق المزيد من الوقت فيما يشبه لعبة عض الأصابع بين الطرفين على حساب السكان، و (3) بعض شرائح العسكريين الذين باتوا في حيرة من أمرهم، فلا هم قادرون على مقاتلة عدوهم كما يأملون ولا هم قادرون على تحمل حصارات أسبابها سياسية وتتنظيمية حولت جهادهم إلى رهينة بيد القادة السياسيين والظروف الدولية والإقليمية وغدوا أشبه بحرس حدود.

 

لكن إذا كان مبرَّرا لدى الناس، وهم يتعلقون بأسباب الرزق والحياة، حالة حركة فتح وقدرتها على تأمين احتياجات عناصرها في غزة إلا أن مثل هذه الأوضاع من شأنها تحميل حماس مسؤولية الحصار والوقوع في المزيد من الحرج، كلما بدت فتح خارج السلطة على غزة وحماس وفية، هي الأخرى، لعناصرها لكنها عاجزة عن تأمين الخدمات لمجتمع كان أول من أسقط سايكس بيكو ومع ذلك يحاصره الجميع بلا رحمة.

 

ولعل أكثر ما يحرج حماس أمام الشارع الفلسطيني وأمام أعضائها ولوغها المتزايد في ثقافة سايكس بيكو دون أن تلتفت إلى الخلف ولو قليلا، فهي لم تعد معنية بالعودة إلى الحكم الشرعي فيما يتصل بكافة القضايا السياسية وهذا ليس له علاقة في الاجتهاد بقدر ما هو اختيار ذاتي ووقوع في شرك المصالح التي تستدعيها الظروف في أحسن الأحوال، وربما يكون جهلا في الدين أو تجاهلا تاما له، ولأنها تبدو كذلك فلم يعد غريبا عليها أن تعزي ببابا الفاتيكان وبجورج حبش و”تسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته” أو بعماد مغنية أو محمد باقر الحكيم وتنفي نعيها للزرقاوي أو أبي الليث الليبي وتتجاهل الشيشان اتساقا مع المصالح وخشية من تعرضها للنقد أو توصيفها كمنظمة إرهابية. ولا شك أن الملف الشرعي، عند السلفية، بات ثقيل الوزن فضلا عن أن مثل هذه الاختيارات حولت حماس، بامتياز، إلى حزب علماني صرف.

 

والثابت أن حماس لم تفلت من أي خطاب لرموز السلفية وقادة الجهاد العالمي، إلا أن خطاب البغدادي الذي بدا كما لو أنه آخر النصائح الشرعية له وقع آخر. فالرجل ليس معروفا ولا هي شخصيته موضع ثلب كالظواهري الذي يؤخذ عليه تشدده التاريخي تجاه الإخوان المسلمين أو بن لادن الذي روج الكثير من الخصوم لخلافه مع الظواهري الذي أثر عليه وهيمن على تنظيم القاعدة، فما هو المثلب الذي يمكن رمي البغدادي به سوى أنه يقود حربا ضروسا في العراق ضد عشرات الدول والخصوم ناهيك عن أن يهادن دولة أو يقيم علاقات سياسية وتحالفات مع هذا وذاك أو يتنكر للخطاب الشرعي أو لمصالح المسلمين حيثما كانوا؟

 

قد يستعجب المراقب وهو يفاجأ بين الحين والحين لما يرى أن حماس ظفرت بحصة الأسد من الخطابات النقدية للسلفية الجهادية والمناصحة السرية والعلنية التي ذكرها البغدادي! بينما لا توجه مثل هذه الخطابات إلى حركة الجهاد الإسلامي مثلا وهي حركة إسلامية لا تختلف كثيرا، على الأقل في آليات عملها، عن حركة حماس سوى ابتعادها عن المشاركة في العملية السياسية بشكل مباشر. فالأولى متهمة بإشاعة التشيع والثانية متهمة بالتشيع ذاته وكلاهما على علاقة وطيدة بإيران وحزب الله، فلماذا تركز السلفية على حماس وتتجاهل الجماعات الأخرى بما فيها حركة فتح التي نالت بعض النصيب في خطاب الظواهري الذي أعلن فيه انضمام الجماعة الليبية المقاتلة إلى القاعدة سابقا؟ أليست حركة فتح مؤثرة في الساحة كما هي حماس؟ هل للمسألة علاقة بتوقيت الدخول إلى فلسطين؟

أولا: الأكيد أن المراقبين تابعوا بدقة تطورات الخطاب السلفي باتجاه فلسطين منذ اللحظة الأولى التي جدد فيها بن لادن قسمه الشهير حول نصرة فلسطين في شريطه السابق “السبيل لإحباط المؤامرات – 29/12/2007) و”طمأن” الفلسطينيين فيه: “بأننا سنوسع جهادنا … ولن نعترف بحدود سايكس بيكو”.

 

ثانيا: ظهور مقالة “توقيت دخول تنظيم القاعدة إلى فلسطين” لكاتبها أسد الجهاد2 على الشبكات الجهادية عبر مراسل الجبهة الإعلامية الإسلامية العالمية (29/1/2008) والتي وصفتها بـ “مقال مهم جدا”، وهي تدعو المجاهدين في غزة للتمهيد لاستقبال المهاجرين وإيوائهم استعدادا للعمل وعدم مصادمة حركة حماس حتى لو ولغوا في دماء المجاهدين. وهي أول رسالة مباشرة تتحدث عن آليات عمل صريحة وتوجيهات واضحة وجلية ولو أنها قُدمت بصيغة “أهم النصائح”. والأهم في الرسالة أنها لاقت استحسانا وتفاعلا من القراء حتى أن كاتبها حرص على أن يكون بين القراء وهو يرد على تعليقاتهم ويؤكد لهم حرصه على متابعتهم والبقاء بينهم وليس بعيدا عنهم خاصة وهو يقول بوضوح في رسالته: ” كنتُ – أنا شخصياً – قبل عدة سنوات أحلم بأن أكون ممن يأتي لفلسطين لأجاهد وأقاتل اليهود … أما الآن فهذا الحلم أصبح ضمن جدول حياتي وضمن أجندتي، وقد حددت له تاريخ ووقت وكيفية للدخول والجهاد في فلسطين”. وهذا مؤشر على أن البوصلة بدأت تتجه إلى فلسطين وأن قَسَم بن لادن وإعلانه أخذ طريقه إلى التنفيذ، وليس من المستبعد أن كاتب المقالة أحد قادة القاعدة العسكريين.

 

ثالثا: أما خطاب البغدادي فقد أثبت الرجل بالقطع أنه على دراية تاريخية بما يجري في فلسطين وغزة، وخاصة في كتائب القسام، في الفترة الواقعة بين بداية التأسيس واغتيال المهندس يحيى عياش بالضبط، وهي ملاحظة أحسب أنها غابت عن الكتابات والتعليقات لسبب ما، وهي ملاحظة سبق وأن أشار إليها أسد الجهاد2 في مقالته وهو يقول: “اعلموا بأن أخباركم تصل أولاً بأول وبدقة لقادة المجاهدين”، لهذا نجده يتحدث عن المضايقات التي تعرض لها المؤسسون من القيادات السياسية قبل الانتفاضة الثانية (28/9/1999). لكن حين يتحدث عن القسام (وهذه الملاحظة الثانية بالغة الأهمية) فهو يدرك بالتأكيد أنه يتحدث عن شريحة معينة فيها “المخلصين من القسام” حاثا إياها على التحرك للإطاحة بقيادتها السياسية، وهي بالذات الشريحة التي يطالبها بالانفصال والاستفادة من: “أهل الحكمة والخبرة منهم, أن يسعوا إلى ذلك وفق حركة دعوية دؤوبة, في أوساط شباب القسام, تضمن عدم تخلف أحد منهم”، وهي دعوة توافق إلى حد ما دعا إليه أسد الجهاد2 في المقالة التي توطئ لقدوم القاعدة إلى فلسطين.

 

رابعا: بقطع النظر عن شخصية البغدادي التي اتسمت عبر خطاباته السابقة بالألغاز والشدة والصراحة بصورة أشد من لغة الظواهري، فالبغدادي، في خطابه، هذا يتحدث بلهجة الغاضب ولهجة التمكين خاصة بعد أفول نجم الفتنة والصحوات واستفاقة الجماعات الجهادية على إدانتها ومقاتلتها واكتساب خبرات جديدة كان أبرزها تحويل القوة الضاربة لدولة العراق الإسلامية وبعض الجماعات الأخرى إلى قوة أمنية بسرعة فائقة ثم موازنتها بين قتال الصحوات وقتال الأمريكيين. والملفت في الخطاب أنه لا يتحدث عن مواقف بقدر ما يبدي استعدادا للمساعدة في التدريب والعمل وحتى الدعم المالي مع التلميح الذي لا يخلوا من دلالة عن مسألة إخراج المجاهدين من الأنبار وبعض أنواع الصواريخ الموجودة أو الممكن تصنيعها، والتي يمكن أن تطال فلسطين من المنطقة، ولا شك أن لغزا كبيرا ينطوي عليه هذا التلميح وإلا ما كان مضطرا، من ناحية عسكرية أو أمنية، إلى الإعلان عنه حتى لو كان العدو على علم به.

 

خامسا: ربما تبدو المسألة في الظاهر مبكية ومضحكة ولكنها جدية، فما نسميه بالمرحلة الانتقالية التي يمر بها الشعب الفلسطيني بعد تصفية أغلب قياداته السياسية والعسكرية من كافة الجماعات وبلوغ من تبقى منهم الشيخوخة. فقد بات الفلسطينيون في لحظة فارقة من الزمن يتجاذبهم الجميع، ولأنهم الحلقة الأضعف الآن يمكن بسهولة ملاحظة أن القضية الفلسطينية في أضعف حالاتها بحيث صارت حبيسة بيد مجموعة لا يعنيها وزن القضية ولا حلها ولا المحافظة عليها ولا تسليمها إلى جيل آخر ولا تعنيهم عقيدة ولا تاريخ ولا تضحيات ولا أية مرجعية من أي نوع كان بقدر ما تعنيها مصالحها وبقاءها في السلطة بالدرجة الأساس لأطول فترة ممكنة وكسب ما يمكن كسبه حتى لو انتهى بها المطاف في غيابات الأرض وهوت القضية إلى الحضيض ودمرت كرامة الشعب الفلسطيني.

 

هذه المرحلة تبعث أحداثها على الضحك فعلا، فلما حانت الذكرى الثالثة لرحيل ياسر عرفات، وعلى غير العادة، قالت “فتح” أنها حشدت في مهرجانها مليون شخص أو أقل قليلا! ولما حانت ذكرى الاحتفال بانطلاقة حماس بعد بضعة أسابيع قالت هذه الأخرى أنها حشدت مليون شخص أو أقل قليلا! وكل من فتح وحماس يدعي السيطرة على الشارع وأنه الأكثر شعبية! أما سكان قطاع غزة فهم 1.5 مليون! فإذا كان كلا منهما قد حشد الشعب كمناصر له؛ فمَن يناصر مَْن؟ ومَن يعارض مَن؟ ومِن أين أتى كل منهما بالمليون خاصته؟ ومن تبقى من الشعب في البيوت؟ وكم شعبا يوجد في غزة؟ وكيف سيصدق أهل غزة أنهم أكثر من شعب؟ وإذا صدقوا؛ فهل ستصدق فتح أو حماس أن مليون كل منهما هو ذاته في المناسبتين؟

 

لن يصدقوا ذلك، وهذا بالضبط ما نسميه علامات المرحلة الانتقالية حيث يبدو الشعب فيها تائها وحائرا كل ما يفعله هو استطلاع ما يجري وترقب ما سيحدث أو ما ستؤول إليه الأمور، والأرجح أن الذين حضروا مهرجان فتح هم أنفسهم الذين حضروا مهرجان حماس. وفي هذا السياق يندرج توقيت خطاب البغدادي الذي أحسب أنه وقادة القاعدة على علم في صميم ما يجري في فلسطين وعلى وجه الخصوص في غزة، أما التركيز على حماس فلأن الهدف الآن هو غزة وليس الضفة الغربية، ولأن حماس هي من يمسك بزمام الأمور فيها، ولأن قيادة حماس من بين مسائل أخرى عبرت، بحسب الخطاب، عن: “عداء مفرط للسلفية الجهادية وخاصة في الوقت الحاضر, ومحاولتهم الجادة والمستمرة لإجهاض أي مشروع قائم على أساس سلفي … “، وهذا تصريح فيه قدر كبير من الصحة خاصة وأن حماس لا تنكره فضلا عن تصريحات المرشد العام للإخوان المسلمين المنكرة لوجود القاعدة من الأساس واعتبار الفكر السلفي الجهادي فكر منحرف.

 

الواضح حتى الآن أن القاعدة أحكمت الباب على الإخوان، أما البغدادي فقد أغلقه على حماس إلا من القسام! فهل تنقلب الصورة ويعلَن عن ظهور تنظيم قاعدة الجهاد في فلسطين؟ أم أن خطاب البغدادي مبالغ فيه؟ الإجابة كما يقول أسد الجهاد2 بعد الانتخابات الأمريكية، ومن المحتمل أن يتأخر الإعلان. ولولا رقة مقالة أسد الجهاد2 لجزمت بأنه البغدادي على ما في المقالة والخطاب من قواسم مشتركة فنيا وموضوعيا ربما تكون صدفة وربما تكون حقيقة، فالمسالة هنا غير واضحة، لكن ما يحيرني سؤال أحسب أنه وجيه وحبذا لو نجد له إجابة: إذا ما كتبت في يوم ما مقالة وقرأها مليون زائر؛ فكيف لي أن أعرف أنهم من حماس أو من فتح أو من الشعب؟

اترك رد