حوار: هادي يحمد- باريس

اعتبر أوليفيه روي أحد أكبر المتخصصين في الحركات الإسلامية في الغرب وفي فرنسا على وجه التحديد و مدير البحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي- وحدة البحوث الإيرانية في باريس أن تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به يشكلان تمظهرا للحركة العالمية المناهضة للعولمة تحت عنوان “الإرهاب الديني”. وقال إن النظم العلمانية الشمولية في العالم الإسلامي هي التي “فرّخت” الشباب الذين قاموا بعمليات في جاكرتا بإندونيسيا وبالدار البيضاء المغربية ومومباسا الكينية والرياض السعودية وجربة التونسية. وأكد روي أن إصلاح البرامج التعليمية والضغوطات الأمنية لن تؤدي إلى القضاء على التنظيمات المتشددة.
نص الحوار:
– كيف تشخص ظاهرة التيارات الإسلامية المتشددة؟
ما نشاهده اليوم من عمليات تقوم بها الجماعات الإسلامية المتشددة هو في الحقيقة نتيجة تلاقي عنصرين: تشدد محلي وآخر دولي، فالذي شاهدناه في تفجيرات الدار البيضاء يشير لخروج شباب من الأحياء الفقيرة كـ”سيدي مؤمن” لضرب مراكز العولمة الغربية، فهؤلاء الذين تلقوا تشددهم محليا -دون روابط خارجية كبيرة- نجدهم في المغرب، كما نجدهم في إندونيسيا أو باكستان، تلاميذ مدارس قرآنية مغلقة، من نفس السن تقريبا، يعيشون في وسط معدم. غير أن اللافت في كل هذا أن عملياتهم حكمها منطق العولمة، فهم عندما تحركوا لتنفيذ عملياتهم لم يتجهوا لقلب الأنظمة المحلية، ولم يتجهوا لضرب مخافر الشرطة الداخلية، إنما حكمت عملياتهم منطلقات العولمة، فتوجهوا لضرب الرموز الأمريكية والثقافية الغربية على وجه العموم.
فالتحرك لتنفيذ المهمة عند هؤلاء يهمل الرموز المحلية ويتجه نحو منطق معولم، وهنا أستطيع القول إنه يندرج ضمن المظاهر والحركة الاجتماعية والسياسية المناهضة للعولمة، ولكن هذه المرة تحت مظلة دينية إرهابية تستعمل العنف المسلح .
يتلاقى هذا الإرهاب المحلي المعولم الذي تشكل -إلى حد ما- تلقائيا مع العنصر الدولي الذي يمثله تنظيم القاعدة كقوة إرهابية منظمة تبقى نموذجا للشباب المتشدد من جاكرتا إلى الدار البيضاء.
كيفية المواجهة
– برأيك كيف يمكن القطع على تنامي مثل هذه التيارات؟
في الحقيقة ليست هناك وصفة محددة للقضاء على القاعدة أو غيرها من المنظمات الإسلامية المتشددة المرتبطة بها. والحل هنا ليس طبعا أمنيا بالأساس، وليس هو التضييق والضغط، ولكن الحل -في اعتقادي- جيوسياسي، فاندماج دول الجنوب والنهوض باقتصاديات الدول الإسلامية، وتحقيق الرفاه المادي والمعنوي، وتنمية الديمقراطية.. تمثل كلها مسالك حقيقية للحد من انتشار هذه التيارات؛ إذ أثبت تكرر العمليات وتواترها أن الحل الأمني يبقى عديم الجدوى.
– هناك من يقول بأن تشجيع تيار الإسلام المعتدل في العالم الإسلامي من شأنه أن يضعف من تأثير التيارات المتشددة؛ فماذا تقول؟
إذا بحثنا عن معنى الإسلام المعتدل -حقيقة- فلن نجد إجابة واحدة وشافية، كما الحديث عن “الإسلام الليبرالي” مقابل “الإسلام الأصولي”. ما أعتقده أنه يجب ألا نتحدث عن منظومات مغلقة كـ”الإسلام المعتدل”، أو “الإسلام الليبرالي” مثلا، حيث إن جهودنا يجب أن تنصبّ على الجانب التطبيقي، أي كيف تقدم هذه التيارات الإسلام في الواقع المُعاش، وليس التركيز على الجانب النظري. فما يقدمه “حزب العدالة والتنمية” في الواقع التطبيقي هو الذي يهمني، وكذا الأمر بالنسبة إلى “حزب العمل” في مصر، أو “جبهة العمل الإسلامي” في الأردن.. أقول ذالك لسبب مهم، وهو أن الكثير من التيارات الإسلامية تقدم تنظيرات معتدلة، ولكن تطبيقاتها غير ذلك، أو العكس؛ إذ نجد أناسا محافظين جدا على مستوى الأفكار ولكن تطبيقاتهم جد معتدلة.
وإذا عدنا إلى منطلق السؤال، أعتقد أن تشجيع “الإسلام المعتدل” أمر مهم، ولكن ليس فقط على مستوى النظريات والأفكار، بل أيضا على مستوى التطبيق العملي لهذا الاعتدال.

1449346864415822200
– هناك مدخل آخر للحد من تأثير التيارات الإسلامية المتشددة، ولكنه مطلب أمريكي هذه المرة، وهو إصلاح المناهج التعليمية في البلدان الإسلامية، أي “تجفيف ينابيع” القاعدة.. ما رأيك في هذا المدخل؟
يجب أولا أن نبحث عمن وضع البرامج التعليمية الحالية ومن سطرها، فلنا في الغرب فكرة مغلوطة، وهي أن معظم البرامج التعليمية وضعت من قبل متشددين إسلاميين، بينما الحقيقة غير ذلك؛ فالمناهج التعليمية وضعت في العالمين العربي والإسلامي من قبل موظفين إداريين يعملون في النظم العلمانية التي تسيطر على سدة الحكم. كان ذلك في تركيا وتونس والجزائر وغيرها، فلم يضع برامج الدراسة مشايخ ولا ملالي.
صحيح أن هناك في العالم الإسلامي قداسة خاصة للديانة والتدين تمنع إجراء حوار داخلي حر، ولكن المفارقة أن النظم العلمانية هي التي تمنع إجراء هذا الحوار فضلا عن المتشددين. فالنظم العلمانية الشمولية هي التي راقبت الدين وحاصرت التدين، وهي التي مثلت قشة النجاة للأفكار المتشددة لتعود بغلو أكبر إلى العالم الإسلامي، بينما المطلوب أن يكون الحوار الديني حرا، وألا يخضع للمساءلة من قبل الأنظمة.
كما يجب -في رأيي- كسر نمط التعليم الديني الذي أخرجته النظم العلمانية من دائرة الحياة الاجتماعية والسياسية، فعندما توقفت “الزيتونة” عن تدريس الفلسفة والعلوم، وعندما بهت دور “الأزهر” في تقديم تعليم عصري؛ انتعش التشدد. وليس من الغريب أن نجد أنصار الرئيس الإيراني محمد خاتمي اليوم ممن تلقوا تعليما مزدوجا دينيا ودنيويا هم الأكثر مطالبة بالإصلاح والأكثر انفتاحا.
أمريكا تدفع نحو التشدد
– بمناسبة ذكر محمد خاتمي؛ كيف تنظرون إلى التجربة الإيرانية بعد حوالي ثلاثين عاما من الثورة الإسلامية؟
الحقيقة أن ما يجري في إيران أمر مهم، وهو أن الدولة الإسلامية الإيرانية الحالية لا تعني أن الدين فيها هو الذي يحكم، ولكن السياسة هي التي تقود الدين! لهذا السبب بالذات عاد الكثير من المراجع الدينية من “قم” إلى “النجف” بعد سقوط نظام “صدام حسين” في العراق؛ لأن “النجف” تتوفر على قدر أكبر من الحرية الدينية في الوقت الحالي .
فما يطلبه الإيرانيون حاليا ليس فقط الديمقراطية كما يتبادر إلى بعض الغربيين، ولكن الإيرانيين يطالبون أيضا بحرية التفكير في المجال الديني، وهو الأمر الذي تطالب به العديد من المرجعيات الدينية التي لها قيمة على غرار “منتظري” مثلا.
– كيف تنظرون إلى مستقبل الجمهورية الإسلامية في إيران على ضوء الضغوطات الأمريكية حاليا؟
الضغط الأمريكي من شأنه أن يعرقل الإصلاح في إيران، ومن المرجح أن يزيد في نفوذ المحافظين في السلطة. لماذا؟ لأن الإيرانيين الذين يعارضون التيار المحافظ وطنيون جدا، ولا يريدون مصيرا كمصير العراقيين تحت الاحتلال الأمريكي .
على المدى البعيد هناك حلان:
الأول: تحديد سلطات مرشد الثورة، وتقوية تيار الخاتمية؛ بما يعني مزيدا من الحرية الدينية والسياسية، وهذا الحل الأكثر منطقية والأفضل للإيرانيين.
والحل الثاني: انفجار اجتماعي وسياسي تدعمه الولايات المتحدة، ولا أحد يتوقع إلى أين سيؤدي.

اترك رد