وضع الرئيس فلاديمير بوتين القوات المقاتلة الروسية في حالة تأهب قصوى يوم الأربعاء الماضي، وهذه أقوى لفتة للكرملين حتى الآن بعد أيام من الترقب والغموض منذ الإطاحة بحليف موسكو “فيكتور يانوكوفيتش” رئيسا لأوكرانيا.

وقد تظاهر الآلاف من الروس، الذين يشكلون الأغلبية في منطقة شبه جزيرة القرم الأوكرانية، من أجل استقلال شبه الجزيرة التي تستضيف جزءا من أسطول الروسي في البحر الأسود. واشتبكوا مع المتظاهرين الخصوم، ومعظمهم من أقلية التتار المسلمة، الذين يدعمون السلطات الجديدة في كييف.

ومع تسارع الأحداث في شبه جزيرة القرم، نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا للباحث في العلوم السياسية في جامعة “تافتس”، أوكسانا شيفيل، حول تتار القرم، الذين يشكلون أكثر من 10 في المائة من سكان القرم، وهذا ملخصه:

تتجه كل الأنظار إلى شبه جزيرة القرم، في أوكرانيا، حيث سيطر مسلحون مجهولون على المباني الحكومية المحلية في العاصمة الإقليمية، سيمفيروبول، ورفعوا الأعلام الروسية على الأسطح، وحاصرت العسكرية الروسية اثنين من المطارات وقاعدة خفر سواحل أوكرانية، فضلا عن بعض شبكات الاتصالات.

وأعلن القائم بأعمال الرئيس الأوكراني، أولكسندر تورشينوف، أن روسيا تحاول ضم الأراضي الأوكرانية وتكرر تجربتها مع “أبخازيا” في القرم، وقال اندريه ايلاريونوف، وهو زميل بارز في مركز معهد “كاتو للحرية والرخاء العالمي”، إن بوتين يريد استدراج الطرف المناوئ لروسيا إلى حرب أهلية واسعة النطاق في أوكرانيا، وينتظر فقط من الأوكرانيين الرد على مناوراته الاستفزازية في شبه جزيرة القرم.

في البرلمان الروسي، طُرح قانون تبسيط إدماج الأراضي الأجنبية إلى روسيا، وقالت وزارة الخارجية الروسية إن القنصلية الروسية في شبه جزيرة القرم ستبدأ إصدار جوازات سفر لأفراد من شرطة مكافحة الشغب الأوكرانية (BERKUT).

قد تخطط روسيا للاستيلاء على شبه جزيرة القرم، ولكن هناك عدة عوامل تجعل من الصعب التصديق أن روسيا قادرة على بسط سيطرتها وضم شبه جزيرة القرم على نحو فعال كما فعلت مع أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وترانسنيستريا.

من هذه العوامل أن الجانب الأوكراني، حتى الآن، لم تصدر منه أية تحركات يمكن أن تعتبرها روسيا استفزازا يستوجب الرد العسكري من قبل الجانب الروسي “لحماية” قواته العسكرية أو مواطنيها، كما كان الحال في جورجيا في العام 2008.

على العكس من ذلك، فقد دعا قادة الحكومة الأوكرانية الجديدة إلى الهدوء، والجناح اليميني المتطرف لم يرسل رجاله إلى شبه جزيرة القرم، وفي لفتة تصالحية مع الناطقين بالروسية، اعترض الرئيس الأوكراني بالوكالة “تورشينوف” على قانون كان البرلمان قد صادق عليه قبل عدة أيام بخصوص إلغاء قانون رفع مكانة اللغة الروسية، الصادر في العام 2012م.

ولكن حتى لو فشلت المساعي الدبلوماسية، واستولت العسكرية الروسية على أراضي القرم بقصد السيطرة عليها بشكل دائم، سيكون هذا أصعب بكثير بالنسبة لروسيا مما كان عليه الأمر في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وترانسنيستريا. والسبب الرئيس في ذلك هم تتار القرم المسلمين.

التتار مجموعة من المسلمين رُحلوا بشكل جماعي من شبه جزيرة القرم من قبل ستالين في عام 1944، وخاضوا نضالا سلميا لعقود من الزمن من أجل حق العودة، وقد تمكنوا من العودة وتحقق لهم ذلك بأعداد كبيرة منذ عام 1989.

وفقا لآخر تعداد للسكان الأوكرانيين في العام 2001، تجاوز عدد تتار القرم 243433  بما يعادل 12.1 في المائة من إجمالي سكان القرم: 2033700.

إنهم يمثلون كتلة تصويتية انتخابية موحدة ومنظمة ومعبأة، وكانوا على الدوام مؤيدين للأوكرانية ويعارض الانفصاليين المواليين لروسيا في شبه الجزيرة.

وإذا عدنا إلى الاستفتاء على الاستقلال عام 1991، فإن التصويت (بنسبة ضئيلة) لصالح استقلال الدولة الأوكرانية في القرم ربما كان ذلك بفضل تصويت تتار القرم المسلمين. منذ ذلك الحين، وتتار القرم وهيئتهم الممثلة لهم “المجلس”، تعاونوا مع الأحزاب السياسية الموالية لأوكرانية.

ورغم أنهم يشكلون حليفا قويا للحكومة الأوكرانية ضد الانفصالية الموالية لروسيا في شبه الجزيرة، فإن السلطات المركزية الأوكرانية، وإن استفادت، ولا تزال، من هذا الدعم، إلا أنها أيضا تنظر بعين الريبة والاشتباه لتتار القرم، الذين يعتبرون شبه جزيرة القرم وطنهم التاريخي، وطالبوا باتخاذ تدابير مثل تغيير وضع الحكم الذاتي للقرم لجعله “الإقليم الوطني المستقل” لتتار القرم مقابل مجرد “إقليم”.

كما إن قانون اعتبار تتار القرم من الشعوب الأصلية في أوكرانيا، وقد ظل قادة التتار يضغطون لسنوات عديدة لتمريره، لم يتم إقراره بعد.

ومهما كانت المظالم التي يعاني منها التتار في ظل الدولة الأوكرانية، فإنهم عندما يواجهون اختيارا حاسما: إما أن يكونوا تحت السيطرة الروسية أو الأوكرانية، فإن قادة تتار القرم يختارون، باستمرار وبشكل لا لبس فيه، أوكرانيا.

ومنذ الحقبة السوفياتية، لم تُثمر محاولات تقسيم حركة تتار القرم وإقناع بعض التتار بدعم المواليين للاتحاد السوفيتي، والموالين لروسيا في وقت لاحق.

من المعروف أن لتتار القرم تاريخا مشهودا من المقاومة اللاعنفية والنضال السلمي من أجل نيل حقوقهم. وحتى الآن، بقى التتار المسلمون بعيدا عن الشوارع، وقادتهم، مثل قادة أوكرانيا في كييف، مارسوا درجة من ضبط النفس جديرة بالثناء.

ولكن إذا لم تتراجع روسيا وتمضي في محاولتها ضم شبه جزيرة القرم وبسط السيطرة عليها، فمن المؤكد أن تواجه موسكو معارضة حاشدة ومنظمة من التتار المسلمين.

المصدر : العصر .

اترك رد