كولومبو – سريلانكا | أحوال المسلمين

توطئة

لطالما عانى المسلمون من جرائم و مجازر جبهة نمور تحرير تاميل إيلام، المنظمة المتمردة المتشددة التي بدأت قتالها ضد حكومة سريلانكا منذ عام 1975 من أجل إقامة دولة مستقلة في شمال وشرق البلاد، و قد بدأت أحداث المجازر خلال صراع متقطع طوال العقد 1980، بدأت بعده محادثات السلام في عام 1989 للتوصل إلى تسوية تفاوضية للنزاع، لكن المحادثات انهارت في نهاية المطاف و استئنفت مجددا المجازر بحق المسلمين في جميع الولايات.

في تاريخ 11 يونيو خرق نمور التاميل اتفاقية وقف إطلاق النار التي دامت 13 شهرا في باتيكالوا من الشرق، وقاموا بالهجوم على العديد من الأهداف الحكومية من بينها مراكز الشرطة، و بدأوا أيضا مهاجمة القرى المسلمة، وحرق محلاتهم ومنازلهم للاشتباه بدعمهم الحكومة.

في يوم 24 يوليو، قتل جنود نمور التاميل أربعة مسلمين في مسجد يقع بأكبر مدينة شرق البلاد “باتيكولووا”، أما في 29 يوليو، فقد قامت نمور التاميل بقتل 10 المصلين في مدينة سامانثوراي، و التي تبعد 25 ميلارشرق بلدة باتيكولووا.

احتدم هجوم نمور التاميل على المسلمين و تسارع، ففي أغسطس 1990، أصدر متمردو نمور التاميل تحذيرا و وعيدا للمواطنين في “كتانكوندي”، وهي بلدة ذات الأغلبية المسلمة تقع على بعد 140 ميلا شرق كولومبو، عاصمة سريلانكا؛ وذكر التهديد أنه ينبغي إخلاء البلدة “أو مواجهة الموت”، في حين أن 90 في المائة من أصل 60،000 نسمة تقطن “كتانكوندي” المزدهرة نسبيا تتبع الإسلام الحنيف.

مذبحة مسجد كاتاكودي

تقع بلدة كاتانكودي الصغيرة ذي الغالبية المسلمة جنوب مدينة باتيكالوا، و تحديدا قرب جسر كلادي على البحيرة؛ في ليلة مقمرة اجتمع حوالي مئات من الرجال لتأدية صلاة العشاء في مسجدين في تلك المدينة حين هاجمهم مجموعة من نمور التأميل وقتلوا 75 منهم (حسب المعطيات الرسمية)، كان اصغر الشهداء طفل عمره ست سنوات فقط، كان مشهداً مروعاً، و لازالت إلى اليوم ثقوب الرصاص شاهدة على الحدث، ولازال الناس يقيمون صلاتهم وهم يرون كل يوم الحائط المليء برصاص الجريمة.

طبعت في ذاكرة كل مصل أسماء لأكثر من مئة اسم قضوا حتفهم في تلك الحادثة الأليمة لمنطقة كاتاكودي، يصرح أحد المسلمين قائلا “من الصعب ان تتخيّل الدم الذي تراشق على حائط المسجد فعشرات الجثث سقطت وسالت دماؤها في المسجد وعلى حائطه في منتصف الليل” و يضيف متسائلا “لماذا قرروا الحفاظ على الحائط الذي يستفز نفوس المصلّين ويشكل حالة صدمة في مشاعرهم كل حين؟ هل هو لاختبار صبر روّاد المسجد مثلاً؟” حدث يؤكد ان سكان تلك المجتمعات المحليّة لديهم الكثير من المعاناة المحزنة، والتي تزيد معاناتهم تلك المجموعات التي تتربص بهم كل حين .

Kattankudy-4

 

تعود بنا هذه الليلة الى ليلة يوم الجمعة 3 آب/أغسطس 1990 عندما ذهب مجموعة من المسلمين لصلاة العشاء بمسجدين أحدهما “النور” و الآخر إسمه ” ميرا”، بالموازاة مع هذا عبر نحو 30 متمرد من نمور التاميل مدججين بالسلاح بحيرة ودخلوا بلدة كتانكودي، ذي الغالبية المسلمة، عندها حدث أن انقطعت الكهرباء في المدينة، الأمر الذي أتاح الفرصة لمجموعة نمور الإرهابية القدم بمهمتهم الإجرامية
ووفقاً لشهود عيان، كان بعض جنود جبهة نمور متنكرين بزي جنود، وآخرون يرتدون قمصان متنكرين بلباس المسلمين لتجنب الشك و الريبة، وكانوا يقودون عربات ” هايس” بيضاء، و وصف شهود العيان الذين نجوا أن المذبحة كانت مروعة.
حوالي الساعة 08:10 ليلا، اقتحم متمردو نمور التاميل ثلاثة مساجد رئيسية في المدينة، مسجد مير جمعة و المسجد الصغير بجانبه مسجد الحسينية، مسجد النور و مسجد فوزي، حيث مئات من المصلين كانوا يحضرون صلاة العشاء ليوم الجمعة، و فور ركوع المسلمين العزل في الصلاة، بادر نمور التاميل المتمردون بالهجوم، و أطلقوا نيران الأسلحة الآلية، بالاضافة الى القائهم قنابل يدوية على المصلين.
اخترق الرصاص أجساد الضحايا، معظمهم في الظهر أو الجانب، و بعد القيام بالمجزرة فر المتمردون، كما أن الجنود السريلانكيين أذاعوا بيان يشير الى استمرارالمجزرة، منبها أنها عصفت بالمنطقة، و قد وضع التقرير الأولي المقدم ـن عدد القتلى بلغ نحو 100 قتيل، ولكن بسبب توفي الكثير من الجرحى الذين تم نقلهم الى المستشفى متأثرين بإصاباتهم، ارتفعت الحصيلة النهائية لعدد القتلى إلى 147 قتيل.

شهادات

بعد أيام قليلة من المجزرة، بدأت تخرج للصحافة العالمية روايات شهود العيان مروعة، ففي حديثه الى صحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، ذكر رجل الأعمال محمد إبراهيم البالغ من العمر 40 عاما في روايته قائلا :”كنت راكعا للأسفل أصلي عندما بدأ المتمردون باطلاق النار .. استمر اطلاق النار لمدة 15 دقيقة، هربت بين المصلين دون أن أتعرض لأي إصابة ثم وجدت نفسي بين الجثث المنتثرة في كل مكان”.

Kattankudy-6

 

أما الشاب الطالب محمد عارف، الناجي الثاني من المجزرة و الذي كان يبلغ آنذاك 17 عاما في حديثه نيويورك تايمز قال”قبل أن أهرب من الباب الجانبي وأتسلق الجدار، رأيت متمردا من نمور التاميل واضعا رشاشه في فم صبي مسلم صغير ثم ضغط على الزناد”.

شهادة بيتر كاسي شيتي (Peter Cassie-Chitty) حول المجزرة

في مساء يوم الجمعة 4 أغسطس 1990 المواقف لـ 12 محرم 1411 باتيكالوا من الشرق، حضر أكثر من ثلاثمائة مسلم، رجالا وفتيانا، لقضاء صلاة العشاء في مسجد ميرا جمعة، على بعد خمسين ياردة من طريق كاندي باتيكالوا.

كانت الساعة تشير الى السابعة وعشرين مساءا وكانت بلدة كاتاكوندي منيرة، ابتدأت الصلاة بالموازاة مع انقطاع التيار الكهربائي الذي ترك المسجد في ظلام دامس، تم رمي الحجارة من بعيد على كلا المسجدين مسجد ميرا جمعة و مسجد الحسينية الصغير، تجمع في مسجد الحسينية أقل من ربع المصلين هنا، و تم قطع التيار الكهربائي من طرف مجموعة كبيرة من كوادر جبهة نمور التاميل للقيام بمجزرتهم الإجرامية.

وفقا لشهود عيان فإن المهاجمين كانوا يرتدون زي حربي (مثل زي الجنود)، والبعض الآخر كان يرتدي عباءات وقمصان، و كانت تحركاتهم في عدة عربات هايس البيضاء.
المواطينين المسلمَين إ.أ إسماعيل 55 سنة، و م.م أكبر 16 سنة هم الوحيدين الذين نجوا من الهجوم، و قدر لهم العيش و رواية للحكاية، لقد كانت مروعة.

المكان الأكثر ازدحاما

كان السكان في كاتاكوندي أكثف مما عليه في أي جزء من جنوب آسيا بما في ذلك كلكوتا، في واحد ونصف كيلومتر مربع ويعيش 50،000 شخص.

في أغسطس 1990 كان هناك هيجان في المنطقة الشرقية من سريلانكا، و بينما كان الأمن ضعيف، تعرض كل من المدنيين المسلمين و السنهاليين الذين يعيشون في المنطقة الى هجمات متكررة مهدت لشهر يوليو 1983 الاسود .

أدت هجمات نمور التاميل الى مقتل 14 من المسلمين في 1 آب/أغسطس في أكاريباتو، كانت أيدي الرجال المقتولين مقيدة وراء أظهرهم، مرتدين ملابس الخاصة بهم، و تم اطلاق النار في مؤخر رؤوسهم من الخلف.

بين 2 و 3 أغسطس من ذلك العام، 15 مسلم آخرين قتلوا في هجمات شنها نمور التاميل على “ميداواش شيا” وباتيكالوا و “مجيد بورام” . و في 4 آب/أغسطس استهدفوا كاتاكوندي .

لقد وجدت شوارع كاتاكوندي خاوية و جميع المحلات التجارية مغلقة، كانت الانطباعات الأولى أنها مدينة أشباح، ثم عندما وصلنا إلى المسجد عندها تغير كل شيء، أمين المسجد، طويل القامة، ملتح رجل في منتصف العمر في اللغة الانجليزية بطلاقة، يقول معلقا على حال المدينة “هذا هو ‘إضراب’، لقد أغلقنا المحلات التجارية بمناسبة مرور عشر سنوات على أطفال وأمهاتهم عانوا في غياب معيلي أسرهم، فقدت بعض الأمهات أطفالهم الصغار جدا الذين ذهبوا فقط لعبادة الله “.

بقيت على جدران المسجد علامات نيران مدفع رشاش آلي، ما زالت آثارالقنابل التي ألقيت على المصلين جلية على الأرضية،بقينا بعض الوقت للاستماع إلى الأصوات التي توترت مع العاطفة. أطفال صغار ونساء يتمسكون بنوافذ المسجد وينتظرون أن يرووا قصصهم.

الخسائر

ltte20kattankudi20muslim20mosque20massare2020

تزدحم شوارع كاتانكودي الجانبية الضيقة مع صراخ الأطفال الذين يلعبون في الرمال الساخنة الناعمة من بعد الزوال، فهي صاخبة مثل الأطفال في أي مكان في العالم.

في عام 1990، كان أكرم الأصغر و المبكر بين اخوته ذي ستة سنوات، أجيميل ، جارون ورضوان، كانوا ذي 10 سنوات، أشرف الولد الوحيد الذي كان ذي 11 سنة، كان كل من دلهان هاريس، فوسير حسن،أريب ، محمد أجيمال، مكين، كمال الدين وامتياز يبلغون من العمر 12 سنة، و كان أنس، فيصل، ومحمد ب. جواد يبلغون 13 سنة، كانت سمين، جوفر،صيام بالاجاسكاندا سماث، محمد فوزر، صَفَر، م.س.م جوفر يبلغون 14 عاما، وكان فضلان الأكبر يبلغ 15 سنة، كلهم زملاء في نفس المدرسة، لعبوا مع بعضهم البعض عند انتهاء الدوام، و بعد ذلك قصدوا أجمعهم المسجد ليصلوا جنبا إلى جنب.

كان يتوفر كل حي على مسجده الصغير الخاص للسماح المسلمين بالصلاة على النحو المنصوص عليه في القرآن – خمس مرات في اليوم.

ثم عندما يصح المؤذن بالأذان، داعيا المؤمنين إلى الصلاة، تفرغ عنذئد الشوارع في بضع ثوان، و يأتي المسلمون إلى المسجد، يتوضؤون ثم يصلون جماعة.

في 4 أغسطس 1990 أدوا عبادة الصلاة، ضميرهم كان على دراية أن شيئا ما كان خطأ حيال الهجمات التي قضت على محبي السلام، والمسلمين العاملين بجد و الفاعلين في مجتمعهم.

كانت ساعة خطيرة، بدأ جميع المصلين يدعون الله النجاة، كانت نمور التاميل هائجة في قتل المدنيين المسلمين العزل، و التجئ الرجال في كتانكودي الى المساجد، و لم يكن أحد في الشوارع للتحذير من الخطر الذي حمي.

يقول شهود عيان أنه بينما وقف المصلون يترقبون و يحرسون أبواب المسجد، ساقوا المتأخرين على الصلاة وأغلقوا الأبواب من الداخل، ثم من خلال النوافذ تم استهدافهم و قتلهم كلهم، صوت اطلاق نار كتم صرخات “الله أكبر”، أطلقت النار عليهم في أظهرهم، قتلوا على أيدي رجال لا يحترمون شيئا ولا حتى مكان للعبادة.

استمر الهجوم على المسلمين رغم محاولة الرئيس بريماداسا لوقفها عن طريق زيادة أفراد القوات المسلحة في المنطقة الشرقية.

بعد ستة أيام من مذبحة “كاتانكودي” ، حوط جنود “نمور التاميل” مئات من المدنيين المسلمين لأرتكاب مجزرة وشيكة في “صيام بالاجاسكاندا”، بيد أن محاولتهم قد بائت بالفشل حينما تدخل الجيش بأعداد عفيرة.

في 18 آب/أغسطس أطلقت جبهة نمور التاميل هجوم آخر على إيرافور قتلوا فيه 31 طفلا، 27 امرأة و 115 رجل، وبعد ذلك داهموا قرى أخرى دون عوائق، واستمر حكمهم الإرهابي في جميع أنحاء المناطق الشرقية والشمالية والشمالية الوسطى.

ينبغي الآن السماح للمساجد في جميع أنحاء البلاد بالحماية المسلحة، الا أن وزير الشؤون الدينية الثقافية السيد أصور دعا المسلمين الى التزام الهدوء و المواطنة، أن يخافوا من الله ويميلوا الى السلام، و لقد التزم المسلمون بالهدوء.

و أصبحت القرى السنهالية تحت التهديد، قتل جنود نمور التاميل المئات منهم بوحشية في “تانتريمال”، “ولي أويا” و “بادهافيا”، بينما طاردت قوات الأمن الأشباح -حسب تعبيره-.

شهدت أنتخابات حكومة التحالف الشعبي في العام 1994 فترة هدوء، فيما رفض رئيس جبهة نمور التاميل بشكل مخادع التزحزع عن شروطها، إلا أن أوامرا قد أعطيت لقوات الأمن لحماية المدنيين بالقرى من جماعة نمور التاميل.

بالرغم من ذلك هاجم جنود جبهة نمور التاميل في 17 سبتمبر 1999 قرية غونجالا، و قاموا بمذبحة قتل فيها 54 شخصا من الأقلية السنهالية، بينهم عدد كبير من الأطفال الصغار جدا، قتلوهم في خلسة من الليل.

ردود الأفعال

بعد المجزرة أذاع الإعلام الحكومي خبر ارسال الرئيس السريلانكي راناسينغ بريماداسا مروحيات سلاح الجو لنقل الجرحى إلى المستشفيات لتلقي العلاج العاجل، و لقد استمرت عملية نقل الجرحى إلى المستشفيات في جميع أنحاء البلاد الى غاية صباح اليوم التالي.

بعد فترة وجيزة من المجزرة، نشر الإعلام الحكومي أخبار حول قيام القوات الحكومية بعملية في المنطقة للقبض على القتلة، و ذكرت الأخبار أن إحدى طائرات الهليكوبتر المشاركة في البحث أطلقت النار على اثنين من قوارب السلع التابعة لمتمردي نمور التاميل قبالة البحر في كاتانكودي، و لم يتأكد مقدار الخسائر التي تعرض لها المتمردون، في حين يعتقد أنهم فروا إلى الهند في أعقاب المجزرة.

و تعتبر الحادث أسوء مذبحة للمدنيين المسلمين منذ استئناف الصراع في يونيو 11، و تم دفن جميع الضحايا في باحة مسجد ميرا جمعة، حيث حفر المشيعون صفا من التوابيت في قبر جماعي طويل.

وقد هزت هذه المجزرة الأمة وأثارت ضجة في جميع أنحاء العالم وأثار هذا القتل الجماعي الغادر إدانة من المجتمع الدولي، غير أن المجازر استمرت في حق المسلمين من دون أن تلقى رادع لها من المدانين.

مرئيات الحدث :

 

صور الحدث :

 

اترك رد