مقدمة :

زكريا يونس حسب الله ، حفظ القرآن الكريم ببلده أفريقيا الوسطى ودرس مراحله الأكاديمية بمصر ، وتخرج من كلية الدعوة الإسلامية قسم مقارنة الأديان ، وهو عضو منظمة المسرة الخيرية وممثلها بأفريقيا الوسطى ، وكان الأمين العام لاتحاد الطلبة الأفارقة بمصر ومستشارها ، وبعد سقوط حكم بوزيزي تم تعيينه مستشاراً اقتصادياً بسفارة إفريقيا الوسطى بمصر ، إلا أن الانقلاب الذي تم حال دون استلامه لوظيفته هناك ، وهو ناشط في مجال العمل الخيري والطوعي وداعية إسلامي . “منارات إفريقية” جلست إليه وقلَّبت معه أوراق ماضي وحاضر ومستقبل أفريقيا الوسطى ومسلميها على وجه الخصوص سيما بعد الحرب العنيفة والتطهير العرقي الذي شهدته وما زالت فصوله مستمرة ضد الإسلام والمسلمين ، وزكريا هو آخر اللاجئين إلى دولة السودان فراراً من لهيب الحرب والقتل هناك وسبقه أكثر من (400) لاجئ إلى دولة السودان ، وزكريا باعتباره آخر اللاجئين فقد شاهد وعايش فصول الحرب ومشاهدها المختلفة لذلك كانت إجابته توصيفية أكثر من كونها انطباعية ! فإلى مضابط الحوار .

أولاً حدثنا عن التركيبة السكانية لأفريقيا الوسطى ؟
أفريقيا الوسطى قبل استقلالها عن فرنسا كانت تسمى (أبانجي شاري) ومعناها النهر ، وسميت بجمهورية أفريقيا الوسطى عام 1960م ، وسكانها الأصليون بحسب هذه التسمية هم (الأقزام) ويسكون الغابات حتى الآن ولم يتمدنو ، أما القبال الكبيرة فهي ( ياكوما والبايا والقلى والروما وثارا وكارا والهوسا والفلاته) ولهم أصول في دول أفريقية كثيرة منها (الكنغو وزائر والكاميرون وتشاد والسودان) وأصول من قبائل عربية منها (السلامات والتعايشة وأبناء راشد) وكل هؤلاء تداخلوا مع بعضهم وتزاوجو وانصهروا واستقر بهم المكان والزمن بأفريقيا الوسطى ولايعرفون غيرها ، وهم سكانها الحاليون .

حدثنا عن الديانات الموجودة هناك وما أول ديانة ؟
الديانة الإسلامية سابقة للنصرانية من حيث الوجود والاعتناق ، ودخل الإسلام في القرون الأولى عبر الدول الإفريقية المحيطة بنا فنحن في وسط القارة الإفريقية وكذلك دخل عن طريق التجار والعابرين ، والسكان ما كانوا يعرفون ديناً غير الإسلام ، إما مسلم أو وثني . أما النصرانية والمسيحية فدخلت مع الاحتلال الفرنسي أوائل القرن الماضي .

حسب ماذكرت فالغلبة الآن للمسلمين عددياً ؟
لا . الأكثرية الآن للنصارى ونسبتهم 54% ، منهم كاثوليك وبروتستانت .

مقاطعة : لماذا النصارى أكثر في حين أن المسلمين هم السابقين ؟
المسلمون كانو ينشرون الدعوة الإسلامية بصورة تقليدية وبدائية جداً ، في حين أن النصارى وبدعم من فرنسا وكندا وأمريكا أسسوا مئات المؤسسات التنصيرية – مدارس ومعاهد وجامعات وكنائس – معدة بأحدث التقنيات والإمكانات وجلبوا لها أفضل الأساتذة والإداريين ووفروا لها أموالاً طائلة ، ويتم تدريس اللغة الفرنسية والديانة المسيحية باعتبارها الديانة الرئيسة للدولة ، أما المسلمون فلم يهتموا بهذا الجانب ولم يطوروا أساليب ووسائل تقديم دعوتهم واقتصر دورهم على الجهود الفردية والخلاوى في المناطق النائية ، بجانب انشغالهم بالتجارة واهمالهم للتعليم الأكاديمي وتشجيع أبنائهم على التجارة منذ الصغر ، واجتهد بعض المسلمين الغيورين فأسس مدارس ابتدائية تدرس المنهج الإسلامي ولكنها لم تستمر ولم تتجاوز المرحلة الابتدائة وليس لها مراحل ثانوية ومتوسطة ! .

مقاطعة : ربما مورست ضغوط أو تم منعهم من إنشاء المدارس التي تدرس الإسلام ؟
في بادئ الأمر لم يكن هناك أي تضييق عليهم وهذه شهادة للتاريخ ، وكما قلت لك المسلمون لم يكونوا منظمين ولم يهتموا سوى بالتجارة والدعوة الفردية ، لكن الآن الوضع مختلف تماماً فالضغوط وصلت حد القتل بأبشع الصور .

لا شك أن المسلمين لهم دور في الحياة الاجتماعية هناك ، ما أهم هذه الأدوار ؟
المسلمون لهم أدوار كبيرة جداً خاصة في مجال الاقتصاد ، (89 – 99%) من التجارة يمتلكها المسلمون ، ابتداءاً من الحرف الصغيرة والبقالات وكل الثروة الحيوانية يمتلكها مسلمون بجانب التصدير والاستيراد .

لماذا لم يدخل المسيحين مجال التجارة ؟
المسيحيين عموماً انصب اهتمامهم بالتعليم الأكاديمي لأن غرضهم الوصول للحكم فقط والعمل المكتبي والتوظيف ، ويرون أن التجارة متعبة وشاقة وتحتاج لوقت طويل .

نعرج لموضوعنا الرئيس وهو الأزمة الحالية بأفريقيا الوسطى ؟ متى بدأت وكيف ؟
بدأت بانقلاب على الرئيس ميشيل جوتوديا وإجباره بالقوة على التنحي ، لأنه كان مسلماً ، وبتدبير من فرنسا وتنفيذ عصابات (انتي بلاكا) المسيحية ، وتم الانقلاب يوم 5 ديسمبر 2013م في منتصف الليل ، ولكن الانقلاب فشل ، وحينها بدأ الصراع بين (انتي بلكا) و(سيلكيا) وهم المسلمون ، وأرسلت فرنسا قواتها وقامت بتصفية القيادات الإسلامية ، وركزوا على حماية القصر الجمهوري وعدد 3 قواعد دفاعية ، وشجعت فرنسا عصابات (أنتي بلكا) على قتل المسلمين رافعين شعار (لانريد مسلماً بأفريقيا الوسطى) ، ونزعت السلاح من أيدي المسلمين وجردتهم من كل شيء سوى إيمانه بالله ، وحينها واشتعلت الحرب بين طائفتين غير متكافئتين ومازالت مستمرة .

باعتبارك شاهداً على القتل والدمار الذي لحق بالمسلمن هناك صف لنا ما شاهدته ؟
المشاهد مروعة وغير إنسانية وحرب واضحة ضد الإسلام والمسلمين في المقام الأول ، ويقولون (إذا حكم المسلم فاقتله ودمر مسجده واحرق مصحفه) . القتل كان بصور بشعة وينم عن حقد دفين ، والبعض بعد قتله يقومون بتقطيع جسده وبقر عينيه وتقطيع أطرافه وحرقه والتمثيل بجثته ، وبعضهم يقومون بأكل لحومهم بعد شوائها ، على مرئى ومسمع المجتمع الدولي والعالم أجمع ! . لم يتركوا كبيراً ولا صغيراً ولا امرأةً ، حتى الحوامل منهنَّ ، ولم يستخدمو الأسلحة النارية وإنما أسلحة بيضاء (ساطور وسكين ومناجل) ، دمروا معظم المساجد وهدموا بعضها على المصلين ، وحرقوا المصاحف والكتب الإسلامية ، ومن الناحية الاقتصادية البلد الآن تدمرت تماماً وهناك انهيار في العاصمة وماحولها ، والكل يعاني ويعتمدون على الاعانات فقط .

من الذي يقف مع (انتي بلاكا) ؟
فرنسا .

ما اكثر الأسلحة المستخدمة ؟
السواطير والمناجل ، ولكن فرنسا زودتهم بالأسلحة الحديثة .

في رأيك لمصلحة من هذه الحرب ؟
لمصلحة فرنسا طبعاً ، أولاً تريد أن تفرض شركاتها واستثماراتها الفرنسية ، فهي تريد أن تبقى الدولة تحت امرتها فقط . وفرنسا تخشي أن يصل للحكم مسلم فيعقد صفقات مع دول مناوئة لها .

هناك أحاديث وتوقعات عن حدوث انفصال ؟
الانفصال الآن وارد جداً ، بل ويطالب به المسملون ولكن لابد من توفير الضمانات والمطالب وأولها تعويض المتضررين وإرجاع كل من تم تهجيره وأن تكون لنا حقوق وواجبات .

ولكن فرنسا أوضحت أنها لا تقبل أي حديث عن حدوث انفصال حالياً ؟
فرنسا لن تقبل لأن معظم الثروات الثقيلة موجودة في الجزء الشمالي وهو ذو أغبية سكان مسلمين ، والجنوب به المسيحيون وأراضيه ليست غنية ، لذلك لن تقبل فرنسا بالانفصال إلا بعد إفراغ الشمال من المسلمين بقتلهم أو ترحيلهم ! .

ما السيناريوهات المتوقعة في رأيك ؟
سيستمر القتل بين (أنتي بلاكا) و (سيليكا) ، ولن تهدأ الأوضاع وستغرق أفريقيا الوسطى في بحور من الدماء وسيظل الوضع سيء وسيزداد سواء ، وأتواقع أن ينتقل الصراع داخل عصابات (أنتي بلاكا) .

كم عدد القتلي من المسلمين حالياً وما أوضاعهم ؟
عدد القلتي تجاوز ثلاثة آلاف ، وأكثرهم من الرجال ثم النساء والأطفال ، وبقية المسلمين منهم فروا إلى دول أخرى ، وأوضعاهم الآن بين قتيل ومشرد ! . الوضع كارثي بكل المواصفات ، والمسلمون محاصرون في مساحة أقل من كيلو متر مربع وحركتهم مشلولة ومن يخرج فهو مقتول مقتول ، وهناك هجمات عليهم من حين لآخر ، المسملون يتم تميزهم وتصنفيهم وقتلهم على الفور ، أذكر أنه كانت هناك سيَّدة مسلمة ولديها طفلة صغيرة ، وكانو يستقلون عربة شحن مع بعض السكان الآخرين ، وعندما أوقفتهم العصابات لتمييز المسلمين من غيرهم لقتلهم ، ما كان من هذه الأم المسلمة إلا أن أعطت طفلتها الصغيرة إلى مرأة مسيحية تجلس بجانبها وأمرتها بالتظاهر بأن هذه الطفلة ابنتها حتى تحميها من القتل ! .

هل يمكن أن نقول أن الحرب الآن حرب عصابات بين (السيليكا) و (أنتي بلكا) ؟
فرنسا قسمت البلد إلى فريقين (سيليكا) وهم المسلمون ، و(أنتي بلاكا) وهم غير المسلمين . والحرب الآن تدور بين هذين الصنفين .

أوصف لنا رحلتك من بانغي إلى الخرطوم ، وهل واجهتك صعوبات ؟
ما كنت أتصور أن أخرج من بانغي سالماً ! واجهت صعوبات عدة حتى وصلت إلى مطار بانغي فالمسلحون إذا رأو أي مسلم يقتلونه على الفور ولا تمر أي سيارة وإلا ويتم تفتيشها بالكامل ، إلا سيارات الأمم المتحدة والقوات الفرنسية ، لذلك كان الطريق وعراً ومخيفاً ، وتم قتل عشرات المغادرين وهم في طريقهم إلى المطار ، وبفضل الله كنت أعرف أحد الإخوة الذين يعملون في الأمم المتحدة وأخذني إلى المطار بعربة الأمم المتحدة . وعندما وصلنا المطار العسكري حيث تقوم المنظمات بإجلاء المغادرين ، وجدنا المطار مكتظاً بأعداد غفيرة تجاوز عددهم ثلاثة آلاف شخص كلهم يود الهجرة والخروج من البلد . وتحركنا إلى المطار المدني وبه شركات خاصة تسير رحلاتها بمبالغ باهظة ، وبداخل المطار تم الاعتداء علينا بألفاظ نابيه ، واستقلينا طائرة إلى الكامرون ومكثنا فيها (5) أيام ومنها إلى أثيوبيا ومنها إلى الخرطوم في رحلة استغرقت أكثر من (10) أيام .

رسالة أخيرة .
أتقدم بشكري لدولة السودان حكومة وشعباً ومنظمات وهيئات لوقوفها معنا ومؤازرتهم لنا ولن ننسى لهم هذا الجميل ، وأشكرك أستاذ عمر عبد السيد وعبرك أشكر موقع منارات إفريقية لاهتمامه بقضايا القارة الإفريقية وأتمنى لكم التوفيق والسداد .ا

أجرى الحوار : عمر عبد السيد

المصدر : منارات افريقية .

اترك رد