نعم .. لقد أصبح احتلالا روسيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى بعد صدور نتائج استفتاء شكلي رسمي أولي يزعم اختيار غالبية سكان شبه جزيرة القرم الانضمام لروسيا والانفصال عن أوكرانيا كما كان متوقعا , وبالتالي أصبحت خيارات مسلمي شبه جزيرة القرم مع هذا الواقع الجديد محدودة وباهظة التكاليف , وخصوصا في غياب موقف إسلامي موحد ليس إزاء تلك المحنة الجديدة لمسلمي شبه جزيرة القرم , بل إزاء محن المسلمين ومعاناتهم في شتى بقاع الأرض بشكل عام .

لم يكن مفاجئا صدور تلك النتيجة بهذه النسبة الخيالية – أكثر من 95% من سكان الإقليم اختاروا الانضمام لروسيا والانفصال عن أوكرانيا كما أعلنت سلطات شبه جزيرة القرم الأوكرانية على لسان رئيس اللجنة الانتخابية المحلية “مخاييلو ماليشيف” مضيفا أن نسبة المشاركة في الاستفتاء بلغت 81% – رغم مقاطعة تتار القرم لذلك الاستفتاء , وهم يشكلون حوالي 20% من عدد السكان , ناهيك عن وجود موالين لأوكرانيا في شبه الجزيرة , فروسيا هي رائدة العالم في نتائج الاستفتاء والانتخابات التي تزيد نسبتها عن التسعين بالمئة , وهي التي صدرت هذا الأسلوب لحلفائها والمنضوين تحت لوائها في العالم .

ورغم أن نتائج الاستفتاء النهائية لم تعلن بعد , ومن المتوقع أن تعلن اليوم أو غدا , إلا أن الآلاف من الموالين لروسيا خرجوا يحتفلون أمس في مدينتي سمفيروبول وسيفاستوبول بنتيجة الاستفتاء , كما أن رئيس وزراء القرم “سيرغي أكسيونوف” خاطب المحتفلين الذين احتشدوا في ساحة لينين في العاصمة سيمفيروبول قائلا : “نحن عائدون إلى ديارنا!” “القرم ذاهبة إلى روسيا”، كما جرى عزف النشيد الوطني الروسي ، و أنشده مغنون ارتدوا لباس بحارة الأسطول الروسي في البحر الأسود , في إشارة إلى أن الأمر قد حسم , وكما يقول المثل : “المكتوب باين من عنوانه ” .

إن خيارات المسلمين التتار في شبه جزيرة القرم باتت محدودة وباهظة التكاليف بعد صدور نتائج الاستفتاء :
1- فهي إما أن تواجه الروس وتقاوم وجودهم كما كانت عبر قرون من الزمان خلت مع هذا العدو اللدود , مع ما في هذا الخيار من مخاطر ومحاذير , حيث يبقى مسلمو القرم أقلية في مواجهة 50% من الروس و30 % من الأوكران , ناهيك عن تدفق الدعم الروسي لمؤيدي الانضمام لروسيا سياسيا وعسكريا وماديا , بينما لا وجود أي دعم من أي دولة لمسلمي القرم أو المؤيدين للبقاء تحت السيادة الأوكرانية في الحقيقة .

ومن يتحدث عن دعم أمريكي أوغربي في هذا الإطار فهو واهم بالتأكيد , فقد نالت أمريكا والغرب ما تريد في أوكرانيا , أما شبه جزيرة القرم فمن المعلوم أن غالبية سكانها من الروس أو الأوكران من أصل روسي إضافة للمسلمين , ولا يتوقع أحد أن تدافع أمريكا والغرب عن حقوق المسلمين هناك , بل إن أخشى ما نخشاه أن يكون ما يجري في شبه جزيرة عبارة عن مسرحية للقضاء على المسلمين قبل كل شيء .

إذ ليس بمستبعد أن تكون تصريحات الولايات المتحدة الأمريكية – ومن ورائها الغرب – عن عدم اعترافها بنتيجة الاستفتاء الذي حصل بالأمس أبدا , وذلك على لسان باراك أوباما في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين , والتهديد بفرض عقوبات جديدة على موسكو , إضافة لإعلان رئيس المفوضية الأوروبية “خوسيه مانويل باروسو” ورئيس المجلس الأوروبي “هيرمان فان رومبوي” أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بنتيجة الاستفتاء , ناهيك عن توقع إعلان وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين ببروكسل عن إجراءات عقابية إضافية ضد روسيا , لا يستبعد أن تكون من باب مظاهر الاستهلاك الإعلامي لحفظ ماء وجه الغرب الذي يدعي الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان .

كما يخشى أن يدفع الغرب بمسلمي القرم لمواجهة روسيا بعد نتيجة الاستفتاء , وذلك من خلال التظاهر بدعمهم ومساندتهم , بينما الحقيقة الذي ينطق بها التاريخ والدين الإسلامي أن ملة الكفر واحدة , وأن اليهود والنصارى لا يمكن إلا أن يجتمعوا على المسلمين لا لهم ومعهم .

2- وإذا كان خيار المواجهة باهظ التكالب ويكتنفه الكثير من المحاذير والمؤامرات والمكائد للمسلمين , فإن خيار القبول بالأمر الواقع والاستسلام لخيار انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا يعتريه الكثير من المخاطر أيضا , ولعل أقلها التهجير القسري لمسلمي تتار القرم من جديد .

وفي هذا الإطار لا ينسى مسلمو القرم تجربتهم المرة مع الروس , حيث تم تهجيرهم أكثر من مرة في عهد القياصرة والأباطرة , وكذلك في عهد الشيوعية السوفيتية , ناهيك عن حملات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي لهم في كلا الحقبتين , حيث تم قتل مئات الآلاف منهم بطريقة بشعة .

إن غياب موقف إسلامي داعم ومساند لحقوق تتار القرم هناك , أغرى الدول المعادية للإسلام – سواء كانت شرقية أو غربية – في وضع المسلمين أمام خيارين أحلاهما مر , ليس في شبه جزيرة القرم وحدها , بل في كثير من دول العالم الإسلامي .
فإلى متى سيبقى المسلمون في العالم تحت وطأة مؤامرات الدول الغربية وتنكيل الدول الشرقية ؟؟

اترك رد