بقلم/ الكاتب الباحث السوري معتز الخطيب

اكتسب تعبير “التجديد” شرعيته من وروده في حديث نبوي شهير، ومع ذلك شهد عبر تاريخه التباسًا واشتباهًا أيضًا، نتيجة التنازع حول شرعية مدلوله، وهو وإن كان في التراث الإسلامي كاد أن يطابق مفهوم “الاجتهاد” بالمعنى الفقهي، فإنه بدءًا من بدايات القرن العشرين تحول من النص إلى الخطاب، واكتسب زخمه بعد خفوت وهج مدرسة الإصلاح التي نُسبت لمحمد عبده رحمه الله والتي قامت على أساس الوعي بالعصر، وبالفجوة الماثلة بين الغرب والعالم الإسلامي، وكانت فكرة مناهضة الاستعمار (الأوربي) والهيمنة الثقافية تقع في القلب من انشغالاتها. ومع ذلك بقي مشروع التجديد قاصرًا على فئات نخبوية ولم يتحول إلى عمل مؤسسي واسع، فضلاً عن حديث الصحافة.

لكن خطاب التجديد أو الإصلاح، منذ تاريخ 11 سبتمبر 2001م شهد تحولات مثيرة، فتحول من قرار داخلي، إلى مطلب خارجي للاستعمار الجديد (الأمريكي) ليسري بعد ذلك إلى قرار سياسي، وتلهج ألسنة النخبة الثقافية، والمؤسسة الدينية الرسمية بالحديث عنه، ويتحول إلى حديث الصحافة اليومية ويدخل فيه كل الاتجاهات الفكرية والدينية، ومن هم خارجها أيضًا.

إنه لا يمكننا الحديث عن مصطلح محدد للمشروع الأمريكي المتعلق بالخطاب الإسلامي الراهن، فتارة هو “تجديد” وأخرى هو “إصلاح”، وثالثة غير ذلك… إلخ، ويبدو أن “الإصلاح” هو الأكثر تداولاً في الخطاب الأمريكي، وهذا الإرباك سرى إلى الخطاب العربي الثقافي والديني الرسمي، فلا يمكن الحديث فيه عن “مصطلحات” محدودة بحد، فالسياسي مثلاً تارة يعبر بالإصلاح، وأخرى بالتطوير، وثالثة بالتجديد، والديني وجد في “التجديد” مفردة لها شرعيتها النصية فألح عليها، والأمر نفسه سرى إلى الثقافي.

ومع ممارسات “تنظيم القاعدة” وخطابه الديني-السياسي المشبع بالعنف ضد “الكفرة” من “اليهود والصليبيين”، وحديثه عن “حتمية الصراع بين الإيمان والكفر” تحول الإسلام إلى مشكلة عالمية، واتسع الصراع عليه -تفسيرًا وتوظيفًا– ليشمل كل التوجهات الإسلامية وغير الإسلامية، المتفقة والمختلفة مع القاعدة والأنظمة السياسية العربية والغرب، وخصوصًا أمريكا صاحبة مأساة سبتمبر، بمعنى أن “مصائر الإسلام التي كانت موضع نزال بين الإسلاميين والأنظمة العربية والإسلامية صار يشارك في تحديدها –أو يحاول ذلك- كل من يعتبرون أنفسهم متضررين من المتشددين المسلمين في العالم”.

بذلك أوجدت أحداث سبتمبر “مشروعية” -بمنظور أمريكا؛ “المتضرر” الأكبر من “الإرهاب الإسلامي”- للحديث عن التغيير والإصلاح، على مستويات مختلفة، وبأدوات مختلفة -بما فيها القوة العسكرية في أفغانستان والعراق- ومن ضمن مشروع التغيير هذا كان: “نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية” و”تجديد الخطاب الديني” -الإسلامي تحديدًا- وتغيير مناهج التعليم، وملاحقة الجمعيات الخيرية، تحت عنوان “الحرب على الإرهاب” الذي صكته لهذا المشروع الطويل غير المحدود -زمانًا ومكانًا ومفهومًا.

هذا الملف يبحث “تجديد الخطاب الديني” بعد 11 سبتمبر 2001م (الزمن الأمريكي)، وقد تم تحديد أسئلته لتكون على أربعة محاور:

في المحور الأول:الإسلام .. ومنعطف التجديد” تحدث المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد عن مثيرات التجديد، ومنطقه، ونشأة إشكالياته في سياقها الداخلي، ثم العالمي (الأوربي ثم الأمريكي)، وموقف القوى الاجتماعية المفارقة لمجتمعاتنا التقليدية من تطوير البنى الفوقية.

وفي المحور الثاني:المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!” تحدث الباحث معتز الخطيب عن ملامح الرؤية الأمريكية لتجديد الخطاب الديني (الإسلامي) ضمن سياقها بناء على رؤية مركبة، ودراسة تحول مشروع التجديد من مطلب ذاتي إلى إرغام أيديولوجي خارجي (الاستعمار الجديد).

في المحور الثالث:العنف.. والإصلاح الديني” بحث المفكر اللبناني رضوان السيد نشأة العنف الإسلامي في مفاصله الرئيسة، وعلاقته بالإصلاح الديني، محاولاً قراءة مصير المشروع الإصلاحي الإسلامي في عصر الإحيائية الإسلامية المتشددة.

أما المحور الرابع: وهو “التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية” فحاول فيه الباحث السوري عبد الرحمن الحاج رسم تصور لمستقبل ما سمي بـ “الخطاب الإسلامي الجديد” (نشأ بعد سقوط الأيديولوجيا الماركسية) -التي حشرت الخطاب الإسلامي في هوس الهوية- وإدراك تأثيرات ومآلات أحداث سبتمبر والدعوة الأمريكية عليه.

طالع أوراق الملف:

اترك رد