د. رضوان السيد، مفكر لبناني، ورئيس التحرير المشارك لمجلة الاجتهاد. وقد نشر د. السيد (16) حلقة عن (الإصلاح الإسلامي: المفاهيم والآفاق) في صحيفة الشرق الأوسط من تاريخ 31/10- 1/12/2003 ونحن هنا نعيد نشر الحلقات (14-15-16) مع إعادة تحريرها، والعناوين من صنع المحرر.

أين صار المشروع الإصلاحي الإسلامي في عصر الإحيائية الإسلامية المتشددة، وفي عصر الأصولية، وبن لادن؟

كل الإحيائيين يقولون بالاجتهاد، وعلى هذا الأساس يرسمون مشاريعهم أو مشروعهم الجديد. بيد أن منهجهم لا يترك غير مساحة محدودة للاجتهاد والتجديد. فالمنهج هو منهج التأصيل. ويعني ذلك العودة المباشرة للقرآن والسنة. وتتجاوز تلك العودة المذاهب الفقهية التقليدية طبعا، كما تتجاوز القراءات القديمة والتقليدية للنص القرآني ونصوص السنة.

مرجعية الشريعة.. مفصولة عن الجماعة

وإذا عرفنا أن أكثر الإسلاميين ليسوا من ذوي الثقافة الدينية العميقة أو أنهم لم يتأسسوا فيها يظهر لنا أن الخروج على التقاليد الفقهية أو التفسيرية ما كان حريا به أن ينتج الكثير البناء، بل ربما أدى إلى عكس المراد من الرجوع إلى تلك التقاليد. ثم إن الإحيائيين والأصوليين عقائديون. والعقائدية ـ كما هو فكر الهوية ـ تعني إصغاء لحروف النص، وليس لمقاصده.

فحتى أولئك الذين عرفوا منهم (أي من الثوار السلفيين في السبعينيات من القرن الماضي وما بعد) آليات عمل الفقهاء، وتدرج الأحكام على خمس مراتب بين الحل والحرْمة، ما كانت عقائديتهم تمكنهم من الأخذ بالكراهة أو بالاستحسان أو بالإباحة إذ كانت العقائدية تقول لهم: إن ذلك كله يعتبر مساومات وتسْويات على حساب دين الله وشرعه. ويمكن مراقبة ذلك في مبحثين أساسيين لديهم، أو في المبحثين الأساسيين في الحقيقة: مبحث الإيمان والكفر، ومبحث الجهاد.

في المبحث الأول، ما احتاج الأمر إلى التطعيم السلفي، للوصول إلى التكفير. فنظرية أو رؤية الحاكمية بحد ذاتها، والمستندة إلى آيات الحكم المنزوعة من سياقها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، والتي اشترك في إنتاجها المودودي وسيد قطب، كفت لدى الكثيرين – في الستينيات والسبعينيات – للقول بجاهلية القرن العشرين، وضلال أكثر المسلمين وسط حنادس تلك الجاهلية الجهلاء.

فالعقائدية الإحيائية لا تعرف غير الأبيض والأسود، والطهورية الشديدة، والتي لا يمكن الوصول إليها تقريبا؛ كل ذلك لا يسمح -حتى لدى الذين يعرفون فقه القرآن والسنة- باللجوء إلى التأويل، أو الاستعانة بآليات التعارض والترجيح.

…كلتا الرؤيتين تغيب جماعة المسلمين أو تلغيها، حتى لدى أولئك الذين لا يقولون بكفر المجتمعات الإسلامية، بل غفلتها. ويتبدى ذلك في مسألتين مهمتين: إحداهما فقهية، والأخرى عقدية.

المسألة العقدية تتمثل في ذهاب سائر الإحيائيين (حتى المعتدل منهم) إلى أن أصل المشروعية في الإسلام يقوم على الشريعة، وليس على الجماعة. وقد رأى الفقهاء المسلمون قديما أن الجماعة المعصومة التي تحتضن الشريعة هي الأصل في المشروعية. فقد آمنت بدين الله، وهي تعيشه، ويعصمها إجماعها من الضلال، بل ومن الخطأ والخطل الكبيرين، من دون أن يشمل ذلك أفرادها طبعا. أما القول بأن الشريعة هي أصل المشروعية، فهذا يعني وضعها خارج الجماعة، وارتهان جماعة المسلمين لحاكم أو قلة تزعم أن الشريعة بيدها.

وأحسب أن هذا كان السبب في الخلاف الكبير بين الخليفة المأمون، والإمام أحمد ورفاقه. فقد اعتقد الخليفة أن القرآن بيده باعتباره «خليفة الله»، وأنه يستطيع فرض تأويل معين للقرآن وطبيعته (مخلوق أو غير مخلوق). وليس هذا المجال باللائق للتفصيل في آثار ذلك كله، وفي تعليل لجوء الفقهاء والأصوليين إلى الإجماع باعتباره السلطة الحامية (رمزيا ونظريا للدين ولبقاء الجماعة التي تحتضن شرع الله).

أما المسألة الفقهية فتتمثل في الاختلاف حول مفهوم الشريعة أو الأحكام الشرعية، وهل هي بمقاصدها أم بعللها؟ فقد اعتقد أكثر الفقهاء المبكرين أن الإشكال ينحل بالقول: إن الأمر مشترك بين العلل والمقاصد. وكان أن وصل فقه العلل إلى أفق مسدود. ليس لأن الأحكام غير معروفة العلل أحيانا؛ بل ولتحرج كثيرين من العلماء في اللجوء إلى الاجتهاد المطلق عند عدم الوصول إلى العلل، وبالتالي صعوبة استخدام القياس أو استحالته ـ أو تحرجهم في توسيع منطقة الفراغ التشريعي التي تعطي الاجتهاد أفقا كبيرا في ظل أوليات الشريعة وليس خارجها أو بسبب محدوديتها!

والواقع أن فقه المصالح أو فقه المقاصد، جرى استكشافه وتطويره من جانب المالكية والحنابلة بالذات، والذين كانوا الأكثر اعتبارا لظواهر النصوص. قال المالكية بالمصالح المرسلة باعتبارها أصلا فرعيا أولا. وقال الحنابلة بفقه المصالح من ضمن تحقيق المناط في مباحث العلة. وقد تبعهم في ذلك الشافعية (ابتداء بالقرن الخامس)؛ لأن الإمام الشافعي ضيق المسألة من قبل عندما رد على الأحناف بسبب أخذهم بالاستحسان.

وبعد القرن السادس الهجري صـار فقه المقاصد شاملا لدى كل الذين ظلوا يقولون بالاجتهاد، ويحملون على التقليد الذي استعلت دعوته بعد استتباب المذاهب الفقهية، واعتقاد كفايتها واستغنائها عن التجديـد والتغيير. وإلى فقه المصالح والمقاصد لجأ الإصلاحيون المسلمون منذ أواخر القرن التاسع عشر استنادا إلى نصوص ابن قيم الجوزية (الحنبلي) ثم الشاطبي (المالكي، صاحب الموافقات).

هذه هي المسألة الأولى، مسألة مرجعية الشريعة مفصولة عن الجماعة. والتي أدت إلى التكفير لدى الإسلاميين المتشددين، والتي بدت في رؤية الحاكمية في الستينيات والسبعينيات.

الجهاد.. وتعميمه ضد الجميع!

أما المسألة الثانية، مسألة الجهاد فهي مترتبة على المسألة الأولى إلى حد ما. فالجهاد حسبما فهمه فقهاء المذاهب من القرآن، ومن مسالك تجربة جماعة المسلمين ودولتهم في عالم القرنين السابع والثامن للميلاد، علته العدوان (من جانب الأمم الأخرى) أو خوفه. فهو يستخدم إذا احتل الآخرون أرضا من أراضي المسلمين أو كان هناك تهديد بذلك. وحتى الجهاد الابتدائي (الذي ما كان عليه اتفاق) إنما هو ضد الخارج أو لكسر شوكته.

أما الإسلاميون المعاصرون، والذين ألغوا عصمة الجماعة، أو مرجعيتها، فقد عمموا الجهاد ليصبح ضد الجمـيع، باعتبار أن الجماعة ما عادت قائمة. وتتضح خطورة ذلك من جهتين: الحرب الدائمة من جهة، واستئثار قلة بالسلطة أو بالحق في الإمـساك بزمام الشريعة، والجهاد، حتى في مواجهة أولئك الذين كانوا يعتبرون مسلمين، أو معصومي الدم بالنطق بالشهادتين.

إن انتهاء مرجعية الجماعة يعني أنها صارت مقصودة بالدعوة، مثلها في ذلك مثل الخارج غير المسلم؛ إذ إنه حتى عندما يقال: إن الحكومة هي الضالة، وليس الناس، لا تعود هناك تفرقة أصلية، تحول دون مقاتلة الناس باسم الشريعة، لأنه لا مرجعية لهم، ولا ضمان لعدم شمول الضلال والإضلال لهم أيضا.

إن الإسلام الإحيائي والأصولي، إسلام جديد تماما. هو إسلام موضوع بيد القلة من الفتيان «الذين زدناهم هدى» كما فهم سيد قطب من النص الوارد في سورة الكهف. وهو أمر مرعب ليس للذين يشنون الحرب على الإرهاب اليوم وحسْب؛ بل -وبالدرجة الأولى- مرعب لكل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين، يريدون العيش العادي ضمن جماعتهم، وضمن هذا العالم.

العنف.. بين التيار الرئيسي والمتشددين

قد لا يجـوز الحكم على الإحيائيـة الإسلامية بما أدت إليه، أو بما حدث في 11-9-2001م. وأقصد بذلك أن الناظر لما كان يحدث في الثمانينيات، ما كان يظن أن شعبة من شعب الأصولية الإسلامية ستكون السبب في صيرورة الإسلام مشكلة عالمية.

ولا شك أن التطورات العقدية والقتالية (الساحة الأفغانية) ليست كافية لتعليل ما حدث، أو لفهمه بشكل كامل. ففي الثمانينيات من القرن الماضي حدث تمايز واضح بين التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية، وبين الأصوليين المتشدديـن؛ فقد نبذ التيار الرئيسي العنف بشكل كامل، وانصرف في مصر وغيرها لمحاولة الدخول في الحياة السياسية، والمشاركة في سائر العمليات الانتخابية وغيرها.

وليس بالوسع الحديث عن خروج من الفكر الإحيائي أو فكر الهوية. لكن الحسم في مسألة العنف أمر شديد الأهمية، حتى لو لم تظهر الأنظمة العربية والإسلامية تقديرا له، أو أنها في الأعم الأغلب لم تغير من سلوكها تجاه تلك الحركات، لجهة السماح لها بتكوين أحزاب سياسية مشروعة، أو الكف عن ملاحقة أعضاء تلك الحركات، باعتبار أنهم يقومون بنشاطات لا يوافق عليها القانون. فقبل مدة مثلا أعلنت السلطات المصرية أنها لن تسمح للإخوان المسلمين بتشكيل حزب سياسي؛ لأن الدستور لا يقر إنشاء أحزاب على أساس ديني.

وكما سبق القول فإن نبذ العنف من جانب التيار الرئيسي، يعني أن هؤلاء لا يقولون بجواز القتال داخل المجتمعات «الإسلامية» من أجل الوصول للسلطة، أو بالأحرى لا يكفرون المجتمعات ولا الأنظمة التي يرغبون في التفاوض معها، وفي المشاركة في الحياة السياسية المحدودة إن أمكن. على أن هذا «الترشيد» أو «ترشيد الصحوة» ما ترك تأثيرا كافيا على المتشددين، بحيث يعيدون النظر في أطروحاتهم وسلوكاتهم؛ إذ إنهم في ذلك الوقت (1985ـ 1995) كانوا منهمكين في النضال على عدة ساحات: في أفغانستان والجزائر والشيشان والبوسنة وألبانيا، مع نشاط متزايد في الجمهوريات الإسلامية، بآسيا الوسطى والقوقاز، والتي كانت حركتها الاستقلالية عن الاتحاد السوفيتي المتهاوي تتسارع دونما تغيير كبير في البنية الداخلية؛ بل في العلاقات الدولية.

ولهذا يمكن القول: إن الأوضاع المضطربة الناجمة عن ضعف الاتحاد السوفيتي ثم انهياره، أحدثت حالة ثورية في جميع أنحاء العالم؛ لكنْ في البلدان الإسلامية بآسيا على الخصوص، حيث برزت الأطراف الإسلامية المتشددة باعتبارها العنصر الرئيسي المستفيد من حالة الفوضى والقلق وعدم الوضوح والتأكد، والتي سادت حوالي السبع سنوات بين 1988 (بدءا بخروج السوفيت من أفغانستان)، و1995 (عندما بدأت محاكمة الشيخ عمر عبد الرحمن في المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك).

لقد شجعت الحالة الأفغانية والتطورات العقدية، واستمرار المواجهات، على ظهور ما عرف فيما بعد بالجهاديين والقاعدة، وأخيرا السلفية الجهادية. فالأجواء النضالية، واحتمالات الانتصار، جعلت هذا الفكر يعتبر أنه ينجح، وأن هذا النجاح دليل على الصحة.

والحركية النضالية المتشددة لدى التنظيمات الصغيرة، توازتْ معها حركية أخرى، كما سبق القول، لدى التيار الرئيسي، باتجاه البعد عن العنف، وإرادة المشاركة، والنظر الفكري المستجد في المنطلقات والآثار. لكن حركة المراجعة هذه ما بلغت شأوا بعيدا؛ بسبب فكر الهوية القوي من جهة، وبسبب عدم التجدد -أشخاصا وتوجهات- لدى التيار الرئيسي، وقبل ذلك وبعده، بسبب الأجواء المقبضة داخليا وخارجيا. فالإقبال على الاعتدال ما لاقى استجابة كبيرة من جانب السلطات، والتيارات الثقافية السائدة. ثم إن الولايات المتحدة الأمريكية ازدادت صلفا وعتوا للانتصارية الظاهرة بالفوز على السوفيت. وكان من سوء الطالع قيام صدام حسين وقتها بغزو الكويت، بعد الاستنزاف الهائل الذي أحدثه غزوه لإيران من قبل.

تراجع الأطروحات الإصلاحية

وكان الحضور الأمريكي الذي بقي قويا بعد تحرير الكويت، إشارة إلى الموقع المهيمن للأمريكيين في «النظام العالمي الجديد» من جهة، وإلى أن الصدام بين الإسلاميين والأمريكيين حاصل وحتمي من جهة ثانية. وهكذا انهمك الطرفان، المعتدلون والمتشددون، في مصارعة الولايات المتحدة. المعتدلون بالدخول في جداليات النظام العالمي، والعولمة، وصدام الحضارات، والرد على الخصومة المستشرية للإسلام، والمتطرفون بالكفاح المسلح في ساحات القتال، وبالسيارات المفخخة ضد السفارات والمصالح وبالانتحاريين في كل مكان.

والواقع أن انسداد الأنظمة أمام الإسلاميين، وهجمة الغرب والولايات المتحدة عليهم باعتبارهم إرهابيين أو في الحد الأدنى أصوليين، أسقط -حتى لدى التيار الرئيسي- كل رغبة في الإصلاح والتجديد. فقد أعلن الإخوان المسلمون عام 1994 وثيقة إصلاحية متميزة، ثم ما لبثوا أن تخلوا عنها بحجة أن أحدا لم يستجب لها. بالإضافة إلى أن الجمهور العام الذي كان يصوت للإسلاميين، كلما أتيحت له الفرصة، ما أبدى حرصا قويا على التحول والتغيير، أو أن الأنظمة ما شعرت بضغوط كافية من جانب الجمهور، من أجل التغيير.

والطريف أن الأمريكيين كانوا يطالبون الأنظمة العربية بالتوجه نحو التغيير الديمقراطي منذ أواسط الثمانينيات. ثم تراجعوا عن ذلك بين عامي 1994 و1995. ودأبت الأنظمة منذ ذلك الحين على الشماتة بهم بالقول: لقد قلنا لكم: إن هؤلاء غير مأموني الجانب! وقد كانت هناك فورة جديدة ومطالبة بالتغيير من جانب الأمريكيين قبل 11/9 وغزو العراق، وازدادت تلك المطالبة، وصارت من مبررات الغزو والهيمنة.

لكن الأمريكيين يعودون من جديد بالتدريج لدعم الأنظمة القائمة، باعتبار أن الإسلاميين، معتدلين أو متطرفين، سيكونون هم البديل في حالة حصول تغيير سياسي، وهذا أمر ما عاد الأمريكيون يقبلونه بعد 11/9. هناك إذن مأزق فكري وثقافي يتمثل في تعملق فكر الهوية، وتراجع الأطروحات الإصلاحية والمنفتحة، وهناك الانسداد السياسي القاتل، وهناك الهجمة الأمريكية الشرسة، وهناك التطرف الذي يتنامى ويتلذذ بالبلاد معتنقوه، كالقط الذي يلحس المبـرد. وبين هذا وذاك وذلك، تنتشر حيرة هائلة بين الجمهور، تدفع على الانكماش، وتستجر المعاناة؛ فيتقوقع الناس قابضين على الجمر بين الأسى واليأس والتحدي.

الانقسامات حول مشروع التجديد والإصلاح الديني

المفكرون المسلمون اعتقدوا أن علة العلل في انحطاطهم وضعفهم إنما هي في انهيار مشروع الدولة في عالم الإسلام، وضرورة إحيائه وتجديده. ثم كان هناك من حسب أن التجديد الديني (فتح باب الاجتهاد، وإطلاق فقه المصالح) يعين على انتصار المشروع الجديد للدولة. ثم قيل إن التجديد الديني ضروري؛ لأن التخلف له أسباب ذاتية متعلقة بالأفكار والممارسات الدينية. ثم قيل: إن كل هذه الأفكار والمحاولات ما أدت إلى تقوية مشروع الدولة؛ فضلا على أنها تهددت الدين، وتهددت الهوية، وهدمتْ وعي المسلمين بالوحدة. ولذلك فالمطلوب ليس التجديد الديني، بل الحفاظ بالوسائل والطرق الملائمة على الهوية الدينية والثقافية للناس. ثم قيل: إن أقوى الأسباب لحفظ الدين، تكون باستيلائه على الدولة، لكي تفرضه سلطة شرعية على الناس من أجل خيرهم وسعادتهم.

والآن ينقسم المثقفون والمناضلون إلى فرقاء. يقول فريق كبير: إنه لا أمل في شيء قريب، والأفضل الانصراف عن محاولة أي تغيير حتى لا يستفيد الخصوم من انكشافنا واعترافنا بالضعف. ويقول فريق آخر: إن الغرب -وفي طليعته الولايات المتحدة- هاجم على الإسلام، ولا بد من الدفاع عن النفس، بالوسائل المتاحة: بيانية وثقافية وبالقوة المسلحة، حسب الإمكان في كل حالة. ويقول فريق ثالث: إن الإصلاح الديني ضروري للخروج من المأزق، الذي لا يقتصر على الهجمة الأمريكية؛ بل يتناول أيضا الاتجاهات الأصولية والمحافظة في الفكر الديني، وفي الممارسة الدينية. ويسلم فريق رابع بأطروحات المصالح وضروراتها؛ لكنه يرى أن الإصلاح الديني عملية طويلة ومعقدة وتتطلب عملا بعيد المدى وعلى مستويات عدة. بيد أن المطلوب في المدى القصير والمتوسط، ولكي يكون الإصلاح الديني ممكنا وناجحا، الانصراف بكل الطرق والوسائل للإصلاح السياسي الذي يساعد -ولا شك- في تسهيل الإصلاح والتجديد في الدين.

والواقع أن هذه الأطروحات جميعا مشعرة باليأس الذي يعتور المثقفين والعرب والمسلمين، بشكل عام. ولا علة لذلك إلا هذين الأمرين الحاضرين، واللذين يذكرهما الجميع وفي كل مناسبة: الحملة الأمريكية الشرسة على العرب، وبالذات بعد 11/ 9/ 2001، وعجز الأنظمة عن التغير والتغيير للخروج من الضعف والاستضعاف. وأضيف هنا سببا ثالثا وهو ضعف إرادة التغيير لدى المثقفين والجمهور، بحيث صار الأمريكيون، وصارت الأنظمة، العذر في كل شيء.

نواجه مشكلات كبرى قابلة للحل

إن سوء الأوضاع الحالية لا يعني أن شيئا لم يحدث على الجبهات الدينية والثقافية والسياسية في عقود القرن العشرين. وكان الصحافي والكاتب المعروف غسان تويني قد ذهب -في حوار صدر في كتاب بالفرنسية قبل بضعة أشهر- إلى أن القرن العشرين قرن ضائع ومأساوي بالنسبة للعرب بالذات، أو كما قال في العنوان: قرن للاشيء! وكيف يمكن الذهاب لذلك، ونحن نملك ثقافة عربية حديثة واحدة، ونملك لغة تعصرنت، وصارت بفضل جهود المثقفين قابلة لمعارف العصر وجهوده وإنجازاته، ونملك في الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية إقبالا على الروح الإسلامية (= الصحوة الإسلامية) ما عرفناه منذ حوالي المائتي عام وأكثر؟!

إن ما يجري في المجال الإسلامي بالذات، مخاض كبير؛ فقد حدث التحول من الإصلاحية إلى الإحيائية على خلفية تحطم التقليد الإسلامي. وأنا أرى أنه أنجزت إنجازات كثيرة في هذا المجال، حتى من جانب الإحيائيين. ولسنا الآن بين أحد خيارين، النجاح أو الفشل في المجال الإسلامي؛ بل الأحرى القول: إننا نواجه مشكلات كبرى، قابلة للحل، وإنه لولا الجهود السابقة لما أمكن أن تكون لهذه المشكلات حلول. فعلى سوء ما حصل ويحصل، أرى أن هناك أوضاعا جديدة الآن، وما عـاد الرجوع للوراء ممكنا. ولولا الهجمة الأمريكية لأمكن القول: إن «العنف الإسلامي» سيكون وراءنا قريبا.

المطلوب الآن الدولة الحقيقية وأن تزول الأصولية

وهناك في الحقيقة توجهان أساسيان: التوجه الذي يحاول تجديد التقليد، والمزاج الإسلامي العام قريب من هذا التوجه. والتوجه الذي لا يرى أملا في العودة للتقليد ولو بقصد تجديده، أو العودة للإصلاح بالمعنى الذي عمل له محمد عبده ومدرسته. لقد قللت في كتاباتي، كل الوقت، من شأن سقوط الخلافة الإسلامية. وما كانت الخلافة عندما ألغاها مصطفى كمال تملك أية قوة. لكن الجمهور المسلم كان متمسكا بمرجعيتها. والواقع أن الإسلام السني يعاني منذ عقود من مسألة غياب المرجعية، ومن تراجع التقليد الإسلامي الذي ترعاه المؤسسات العريقة، مثل الأزهر والقرويين والزيتونة وديوبند. والمرجعية في الإسلام السني بالذات لا تقع على عاتق مؤسسة محددة؛ بل هي روح، كانت تسمى الجماعة. وهذا معنى القول: إن الإحيائيـة جددت هذه الروح وأطلقتها من عقالها. لكنها وهي تفعل ذلك، ضربت التقليد والإصلاح على حد سواء! والمطلوب الآن أن تزول الأصولية أو تتراجع لكي لا يفقد هذا العالم الضخم المنفتح في الأصل حيويته الجامعة، والإمكانيات الكبرى التي يمتلكها للسلام مع النفس والعالم.

وفي هذا السياق بالذات تأتي مسألة الدولة. فالدولة الحقيقية مطلوبة الآن، … لتدبير الشأن العام بما يصون الوجود والمصالح. وباستقامة مشروع الدولة في عالم الإسلام، أو اتجاهه للانتظام، تتغير بالتأكيد وظائف المشروع الإسلامي وتوظيفاته. ذلك أن الخوف على الهوية ناجم عن ضعف مشروع الدولة أو قلة نجاحه، واعتقاد الإسلاميين أنهم يستطيعون بالاستيلاء على الدولة إنجاح المشروع، لاستناده آنذاك إلى الشريعة المعصومة. بيد أن الباقي من الإصلاحية الإسلامية (وهو ما لم يستطع المودودي تبديده) أن السلطة مدنية في الإسلام، وأن الجماعة هي التي تتولى الأمر من خلال الممثلين الذين تختارهم.

وأنا على بينة من تهافت مشروع محاضير محمد للإصلاح الإسلامي. لكن محاضير أقام دولة ناجحة في الاقتصاد والسياسة، فتراجعت الأصولية بماليزيا إلى حدود الـ 7% من أصوات الناخبين. ولو فشلت التجربة، لكان الأصوليون عند حدود الـ 30% من الناخبين. ومع الهجمة الأمريكية، ربما يزداد عددهم إلى ما فوق الـ 40% من المقترعين. ومن أجل ذلك بدأ الأمريكيون يفكرون بالتخلي عن الانتخابات والاقتراعات! وليس المقصود من هذا الحديث عن الدولة، تبرير فشل المثقفين المسلمين؛ بل المقصود به وضع الأمور في نصابها. والنصاب يقتضي العمل على أربع جبهات: جبهة التجديد الديني والفقهي، وجبهة تجديد وإعادة تحديد مرجعية الجماعة وآليات عملها، وجبهة الإصلاح السياسي، وجبهة العلاقة بمعارف العصر والعالم.

طالع أوراق الملف:

اترك رد