بقلم المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد

غالبا ما يطرح “التجديد” تحت ضغط حضاري إنساني لعبور الفجوة الماثلة بين الدين الإسلامي والثقافة العالمية الراهنة وأطرها الاجتماعية وقيمها المعرفية وآلياتها الدستورية والسياسية والاقتصادية.

وغالبا ما يجنح بعض المجددين لمنطق “المقاربات”؛ حيث يماثلون بين نص الشورى القرآني والديمقراطية -كخير الدين التونسي- غافلين عن تعارض المنظومتين الإسلامية والغربية ومرجعيتهما “النسقية” و”المعرفية”. وفي المقابل يجنح البعض إلى منطق “المقارنات”، منطلقين من “مثالية” المبادئ المكتسبة من الإسلام على نحو تميزه بعدالة إنسانية اجتماعية لا هي بالرأسمالية ولا بالاشتراكية، وتقنين وضع الفرد في إطار الجماعة بمعزل عن ليبرالية الحقوق الفردية الغربية وتبعاتها الاجتماعية والأخلاقية السالبة.

وما بين المقاربات والمقارنات فارق منهجي؛ فلكي تؤدي المقاربات فعلها فإنها مضطرة لإعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية في القرآن والسنة والتراث، وبطرق ومداخل معرفية مختلفة، غالبا ما تمتد إلى إعمال الجوانب النقدية بتوجيه الاتهام إلى ثقافات المجتمعات الإسلامية التي فرضت نفسها على النص القرآني والنبوي وصادرته.

أما نهج المقارنات فإنه ينطلق من تأصيل الموروث -وليس زحزحته- وجعل التأصيل مرادفا للسلفية. وهكذا يتجدد في الحاضر الخلاف التاريخي في الماضي بين مدارس الرأي من جهة، والنقل من جهة أخرى، ولكن بخلاف في الخطاب والبراهين تبعا لمقتضيات العصر. وكما اتهمت معظم مدارس الرأي في الماضي أنها تتساوق مع الثقافة اليونانية ونتاجها الفلسفي العقلي، كذلك تتهم مدرسة المقاربات المعاصرة بالتساوق مع الثقافة الغربية ونتاجها الفلسفي.

مثيرات الاجتهاد والتجديد

يمكن القول: إن لكل اجتهاد وتجديد مثيرات دافعة له، وإلا تحول إلى تهويمات كلامية ونظرية من نوع الفضول الفكري الزائد الذي تشغل به النخب نفسها بمعزل عن تفاعلات الواقع وثقافته السائدة دينيًّا ومعرفيًّا، وفي هذا الإطار جاء اتهام فلاسفتنا العقلانيين الأوائل بالتهافت. واستقصاء السبب في ذلك وفق دراسات معاصرة بالرجوع إلى نزعتهم الإنسانية وتمركزهم حولها، وإيجاد المسوغات الدينية الكلامية لها.

فإذا كان هذا التوصيف يقر أساسا بوجود فاصل بين فلاسفتنا الأوائل وجدل الواقع بأنماطه وأطره المعرفية السائدة، أو تؤخذ عقلانيتهم -نسبيًّا- كانعكاس لتثاقف الحضارات في عصرهم، وبالذات مع اليونانية والفارسية؛ فإن هذا التوصيف لا ينسحب على حالة مفكرين عقلانيين ظهروا في القرن التاسع عشر، وأُطلق عليهم رواد مدرسة الإصلاح، وفي مقدمتهم الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي والأفغاني وغيرهم.

فهذا الجيل من الإصلاحيين ارتبط بمثيرات، ولكنها إرهاصية وأولية في جدل الواقع كإرهاصية أفكارهم التحديثية نفسها؛ حيث ارتبط تجديدهم وإصلاحهم بظهور إشكاليات مستحدثة كانت هي الدافع لاجتهاداتهم. فما هي تلك الإشكاليات التي تطلبت الاجتهاد؟ وهل هي نتاج لجدل الواقع من داخله أم مفروضة عليه بحكم تداخله الذي كان قد بدأ مع العولمة الأوربية التقليدية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟

حين النظر في الأسئلة المطروحة نجد أن بعضها فلسفي يتصل بموقع الإنسان في الوجود ومدى حريته ليمارس تحقيق ذاته، غير أن الإجابة على هذا السؤال الفلسفي تنتهي إلى تحديد جوانب عملية ترتبط بموقع الإنسان من التشريعات الإلهية وتعاطيه مع نظام الحكم، ثم تلحق بذلك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية وحتى النفسية.

قد كانت هذه الأسئلة الإشكالية مطروحة من قبل؛ أي طوال مرحلة ما بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، غير أنها طُرحت في نسق حضاري ومناهج معرفية ذات اتساق تقليدي؛ حيث تتشكل أنظمة الحكم تبعا للغلبة أو الأعراف الاجتماعية ذات الشرعية في واقعها القبلي أو العصبي، وكانت الأسئلة الثقافية والاجتماعية تتسق مع المجتمعات الرعوية والزراعية اليدوية والتجارية الوسيطة، وكان العرف -في الأغلب- يتولى الإجابة على هذه الأسئلة أكثر من الدين إلا في الجوانب الفقهية النصية، ولم يشغل الناس أنفسهم كثيراً بماورائيات الفقه من أصول فلسفية وكلامية؛ فالمنظور لقضايا التعدد في الزوجات، وما أسمي بالحجاب ودونية المرأة بالنسبة للرجل هي تبعاً للمنطق العرفي والثقافة السائدة، فلم تطرح مشاركة المرأة للرجل كإشكالية تتطلب الاجتهاد.

كما أن الموقف من نظام الحكم يرتبط بمعادلتي أو ثنائيتي العدالة والظلم، وليس بالضرورة بآليات الاختيار والانتخاب للخليفة أو الوالي أو الحاكم.

إضافة إلى أن إشكاليات الفائدة على رأس المال وعملية تدوير رأس المال في البيوع أو الاستثمار كانت معرفة في حدود الموقع الثانوي للعملية الرأسمالية في إنتاج رعوي زراعي يدوي وتجارة تقليدية لا تستند إلى صناعة آلية؛ فتلك كانت لوائح وقانون “حسبة”.

الإشكاليات في سياق العالمية الأوربية والأمريكية

الآن تتخذ الإشكاليات مضموناً آخر في مجتمعات عربية وإسلامية آخذة بالتحول النوعي وليس الكمي. فهناك عالمية أوربية أمريكية تأسست أولاهما منذ القرن السادس عشر ثم امتدت أمريكيًّا إلى عصرنا الراهن. هذه العالمية لها نواة داخل مجتمعاتنا نشأت منذ بداية عصر الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر فيما نشير إليه بالقوى الاجتماعية الحديثة المفارقة في تركيبها لقوانا الاجتماعية التاريخية التقليدية.

فهذا التداخل بين العالمية الأوربية الأمريكية المهيمنة ونواة القوى الاجتماعية الحديثة داخل مجتمعاتنا التقليدية يثير اهتزازات على مختلف الصعد، من الثقافي وإلى الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وتنبسط هذه الاهتزازات على مدى ما سمي بفكر النهضة “1789 – 1940″، ثم فكر الثورة “1950 – 1967″؛ فمع صغر حجم قوانا الاجتماعية الحديثة فإن ارتباطها بالعالمية والعولمة تجعل منها “طليعة” لطرح الأسئلة/الإشكاليات.

فهذه القوى تريد وضعا للمرأة مشاركا للرجل، وترفض دونية المرأة، وتعدد الزوجات، وترفض ما يسمى الحجاب. وتريد حرية تمارس لذاتها، وليس حصرها في الاجتهاد الديني فقط ضمن أرستقراطية العلماء، ولو كان مؤدى الحرية النظام العادل، فالحرية هنا مطلوبة بمنطلق ليبرالي متصل بالوجود الإنساني نفسه، وليس علاقته بالله سبحانه؛ بما يعني ثقافة اجتماعية جديدة وتثاقفاً فكريًّا جديدا.

وتريد تدوير رأس المال بمنطلق ليبرالي اقتصادي بما يستبعد ما تفهمه من نصوص في الربا المحرم أو زكاة مع وقف عقوبات الجلد والصلب وقطع الأيدي، وتريد إخراج الإنسان التقليدي من أي بوتقة حصرية، وبالذات الدينية ليكون هو مرجع نفسه دون مرجعيات أو أصول مقدسة تمارس الرقابة عليه وتوجيهه إلى مستوى التفاصيل.

القوى الاجتماعية المفارقة وتفكيك البنى الفوقية

هذه الثورة النسبية الضمنية التي تُحدثها قوانا الاجتماعية الحديثة -على صغر حجمها وقدراتها الواقعية التي تجد التعزيز من العولمة- إنما تسعى لتفكيك “الأطر الفوقية” في بنية مجتمعاتنا التقليدية، وإلغاء السلطة المعرفية لهذه البنى، بداية من أنظمة الحكم وإلى دور العلماء والمشايخ.

فهذه الثورة النسبية الضمنية هي التي تطرح هذه الأسئلة بمستوى “الإشكاليات” وهي التي تعض بالنواجذ على مقاربات في التراث لأسئلتها هذه في إطار التوجهات العقلانية -مثلا- لأبي الوليد بن رشد “1126/1198م” الذي قارب ما بين الشريعة الدينية والحكمة الفلسفية، وابن طفيل الأندلسي “1106/1185م” الذي أوضح تأثير البيئة الطبيعية في تكوين الإنسان، وابن خلدون “1332/1406م” الذي أوضح أثر العوامل الاجتماعية، وابن الصايغ محمد بن باجة “المتوفى عام 1139” الذي انشغل بمراحل التطور العقلي للإنسان.

هذا إذا اعتمدت ما في تراثنا من عقلانية ولم تحدث قطيعة معرفية معه وتتحول باتجاه العولمة الغربية الصاعدة، تطلعاً للانعتاق الليبرالي المطلق والذاتي أي باتجاه عدمي.

التجديد الحداثي.. والعصرنة المفتعلة

فالتجديد المطلوب هو هدف هؤلاء، وللإجابة على أسئلتهم الإشكالية فإنهم يطلبون من المجتهد أن يخدم أغراضهم ونواياهم للدفع بثورتهم الضمنية والنسبية إلى مدى تغيير القيم نفسها، الدينية السائدة أيديولوجيًّا وثقافيًّا، أو العرفية التقليدية لمجتمعات ما قبل الصناعة.

وغالباً ما يجد هؤلاء ضالتهم في العصرنة المفتعلة لدى عديد من الكتاب والمنظرين المسلمين من ذوي الاتجاهات العقلانية والتحررية، ويتخذ هؤلاء من نقد التراث ومن بعض آيات القرآن التي تقرأ مجزأة أدلة على هذه العصرنة بمنطق تأويلي يفارقون به أصول المنهج العلمي نفسه في التعامل مع كلية النص؛ باعتباره منتِجاً لحالة ثقافية كلية وبالتالي لا يمكن تجزئته.

فهم يمارسون بمنطق “التجديد” والرأي ما يعيبونه على مدرسة النقل والسلفية والتأصيل، من تجزئة للنص وانتقائية له خارج سياقه الكلي، حالهم في ذلك حال المقتسمين الذين انتقوا النصوص المجزأة “كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ” [الحِجْر 90 – 91].

فلإبطال تعدد الزواج يتم الاستدلال بجزء من النص القرآني “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً” [النساء 3]، وكذلك “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ” [النساء 129].

ويستخدم الأسلوب التعضيني ذاته لإبطال آيات الجهاد والسيف؛ حيث يتم الاستدلال بآيات الحوار والمجادلة الحسنة “ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [النحل 125]، وكذلك “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” [البقرة 256]، ويضاف إلى ذلك مفهوم الوسطية والاعتدال انطلاقاً من “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” [البقرة 143]، وعلى مستوى التعايش بين الأديان في إطار دستوري يرجعون إلى عهد الصحيفة الذي أمضاه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة المنورة في السنة الأولى للهجرة (الموافق 622 / 623)، ثم كذلك يتخذون الأمر الإلهي بالشورى مدخلا للديمقراطية: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” [الشورى 38].

بل ويستطيع بعضهم أن يجتزئ من القرآن ما يجعل الإسلام ديناً اشتراكياً بمثل ما جعل شاعر عربي من محمد إماماً للاشتراكيين! هؤلاء اجتهدوا بأنفسهم أو بغيرهم لأنفسهم، وهو اجتهاد يخونون فيه المنهج العلمي في قراءة كلية النص الكلي وليس التجزئة والتعضين والانتقاء. ولو بذلوا في فهم النص الكلي من داخله العضوي الموحد ما بذلوه في تبيان نظراتهم لأسهموا في التجديد النوعي بمصداقية كبرى.

للقرآن منهجه وضوابطه الذاتية

فلهؤلاء أقول تقديرا لحسن نواياهم، ومحاولتهم تحسين صورة الدين: إن للقرآن منهجه وضوابطه في وزن كافة هذه الأسئلة/الإشكاليات والإجابة عليها، فهناك كتاب وميزان وقسط “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحديد: 25].

فالقرآن ليس آيات تسيل تبعاً لكل منهج وغرض؛ فهناك “ميزان/منهج” ضابط للتناول، وبصرامة كحديد الأرض الصلب. فالقول بأن الإسلام اشتراكي أو رأسمالي أو هو وسط بينهما قول غير منهجي، فليس الإسلام باشتراكي أو رأسمالي أو وسطي تلفيقي وانتقائي أو توفيقي بينهما، إنه هو في ذاته.. هو هو، الإسلام إسلامي، ومواقفه إسلامية نابعة من ذات منهجه.

ولا تماثل شورى الإسلام بالديمقراطية الغربية، ولا يمكن القول بديمقراطية إسلامية؛ فالفارق بين النسقين قائم منهجيًّا، وإن لم تطبق الشورى الإسلامية يوماً في تاريخنا من بعد الحقبة النبوية الشريفة إلا لمما وجزئيا، فللشورى الإسلامية منهجها الإسلامي؛ فهي شورى إسلامية من ذات المنهج.

والإسلام إذا أمر أو لم يأمر بشرعة السيف بديلاً عن الحوار، وإذا أمر أو لم يأمر بشرعة الإصر والأغلال صلباً من خلاف وتقطيعاً للأطراف ورجماً للزاني المحصن وجلداً لغير المحصن؛ فإن مسوغات ذلك تصدر منه، من ذات منهجه، سواء توخي الرحمة أو العذاب، فعوضاً عن مدارات هذه النصوص أو الدفاع عنها بمنطق من خارج نسق القرآن، فإن المطلوب هو البحث فيها قرآنيًّا ومن خلال القرآن وداخله.

طالع أوراق الملف:

اترك رد