سلهت – بنغلاديش | أحوال المسلمين
بقلم/ أبوالحسين آل غازي

تزعم الهند أن لها حق التدخل في شؤون بنغلاديش الداخلية ، لأنها “ساعدت” بنغلاديش في التحرر من الحكم الباكستاني عام 1971م -كما تدعي-، وتعتقد أنه لولا قيامها بجانب البنغال المناضلين لما استطاعوا التحرر من الحكم الباكستاني أبدا.

والحق أن لهذه المساعدة قصة أخري ، وهي إضعاف قوة منافسها الرئيس وعدوها العتيد دولة باكستان الإسلامية ، وكان سبب العداوة بينها وبين الهند هو كشمير المسلمة ، حيث منعها المستعمرون الإنجليز عام 1947م في دخول الاستفتاء الشعبي الذي أعطى المناطق الإسلامية حق الانضمام إلي أية من الهند وباكستان ، فاختار جميع المناطق ذات الغالبية الإسلامية الانضمام إلي باكستان ما فيها دولة بنغلاديش الحالية. وكان حاكم كشمير حينئذ رجلا كافرا ، فقررت الانضمام إلي الهند ما أثار غضب باكستان مما أدي إلي غزو باكستان لكشمير لتحريرها من الهند عام 1948م ، فحررت جزءا كبيرا منها ا يعرف حاليا بـ “آزاد كشمير” ، والجزء الأكبر بقيت تحت احتلال الهند حتى اليوم.

كان كثير من زعماء حزب “الرابطة العوامية” التواقين إلى الرئاسة يرون الحل لمطامعهم في استقلال بنغلاديش (باكستان الشرقية حينئذ) عن باكستان الغربية. فاستغلت الهند هذه الرؤية وشجعت وساندت هؤلاء الزعماء في الأعمال المؤدية إلي الاضطراب في البلاد، فبعد 24 عاما من الاستقلال تحولت الاحتجاجات إلي حرب دامية بين “الرابطة العوامية” والحكومة الباكستانية في مارس عام 1971م ، ووفَّرت الهند جميع التسهيلات المادية والمعنوية للرابطة العوامية لإمرار هذه الحرب ، إلى أن اضطرت الجيوش الباكستانية للاستسلام أمام الجيوش الهندية المشاركة في هذه الحرب في شهر ديسمبر من نفس العام ، وأخذت الجيوش الهندية الغنائم العسكرية التي خلفها الجيش الباكستاني. وبعد اتفاقية في عام 1972م أطلق سراح جميع الجيوش الباكستانية من قبل حكومة بنغلاديش ، وقبل ذلك أطلقت الحكومة الباكستانية سراح رئيس الرابطة العوامية الشيخ مجيب الرحمن الذي كان محتجزا طوال أيام الحرب في سجن باكستان الغربية.

في بداية عام 1972م شكلت الرابطة العوامية حكومة بنغلاديش الأولي برئاسة الشيخ مجيب وبمشاركة بعض الشيوعيين المتعاونين معه ، وكتبت الدستور الأول للدولة وفرضت علي البلاد علمانية أشد من علمانية الهند وحظرت السياسة الدينية ، وشاع الفساد في البلاد وابتليت البلاد بمجاعة كبري عام 1974م ، وفي عام 1975م توجه الشيخ مجيب إلي تعزيز دعائم حكمه بفرض حكم الحزب الواحد علي البلاد ما أثار غضب القوميين واليساريين والإسلاميين معا ، وهذا التوجه الخطير أسقط شعبية الشيخ مجيب وهيَّأ الفرصة للانقلاب عليه ، فقد قتل مع جميع أفراد أسرته المتواجدين في مسكنه ليلة 15 أغسطس من 1975م بأيدي رجال من ضباط الجيش الغيورين علي البلاد ، وقد نجت من هذا الاغتيال بنتا الشيخ مجيب حسينة وريحانة لإقامتهما حينئذ خارج البلاد.

وفي أعقاب هذا الانقلاب جاء إلي السلطة الفريق ضياء الرحمن بتأييد من الجيش والجماهير ، وكان رجلا غيورا علي البلاد ونظيفا من الفساد وذا توجه إسلامي يكره العلمانية المتشددة والهيمنة الهندية التي فرضت علي البلاد من قبل حزب الشيخ مجيب ، فغيَّر الدستور وأضاف فيه كلمات إسلامية ورفع الحظر عن السياسة الدينية وسمح بالتعدد الحزبي والمعارضة ، إلا أنه قتل هذا الرئيس الشعبي عام 1981م في ظروف غامضة . بعده جاء إلي السلطة الفريق حسين محمد إرشاد ذو نفس التوجه ، إلا أنه كان متساهلا مع الفساد ، وبعد احتجاجات متواصلة من الأحزاب السياسية ذات التوجه المختلف اضطر فريق إرشاد إلي الاستقالة من الرئاسة في نهاية عام 1990م ، واعتقل بتهم الفساد.

وفي الانتخاب العام الذي عقد تحت إشراف الحكومة المؤقتة في بداية عام 1991م تصدر حزب الرئيس الراحل ضياء الرحمن “الحزب القومي البنغلاديشي” بحوالي نصف المقاعد وتخلفت الرابطة العوامية الموالية للهند باحتلاله المرتبة الثانية بأقل من مائة مقعد ، وشكلت الحكومة بقيادة أرملة الراحل ضياء الرحمن خالدة ضياء وبتأييد من جماعة الإسلام المودودية -أكبر الأحزاب الإسلامية وثالث القوي السياسية- التي احتلت المرتبة الرابعة بـ18 مقعدا من جملة 300 مقعد ، واحتل حزب الرئيس المخلوع إرشاد المرتبة الثالثة بـ35 مقعدا.

بعد تشكل الحكومة المنتخبة ازداد في البلاد نشاط القوي العلمانية المتشددة واللادينية في مجال الإعلام والثقافة ، إلا أن الحكومة المقربة من الإسلاميين لم تقم بأي خطوة هادفة إلي خفض حدة العلمانية واللادينية ، ومن جانب آخر استمرت وازدادت حدة الفساد في عهد هذه الحكومة ، الأمر الذي ساهم في خفض تأييد الحركات الدينية والقوي المدنية لهذه الحكومة.

وفي الانتخاب العام التالي الذي عقد عام 1996م برعاية الحكومة المشرفة المحايدة تصدرت الرابطة العوامية وشكلت الحكومة بتأييد حزب الرئيس المخلوع إرشاد ، فتشجعت الهند وعادت الصداقة التي غابت بينها وبين حكومة بنغلاديش منذ 21 عاما ، وازدادت نشاطات أصحاب الثقافة العلمانية وركنت الحكومة إلى الرغبات الهندية ، وعم الفساد في البلاد والمضايقة علي الإسلاميين .

وفي الانتخاب العام التالي الذي عقد عام 2001م برعاية الحكومة المشرفة المحايدة تصدر حزب الرئيس الراحل ضياء الرحمن “الحزب القومي البنغلاديشي” المتحالف مع الإسلاميين والقوميين بأكثر من مائتي مقعد ، وتم تشكيل الحكومة وحصلت جماعة الإسلام المودوية علي وزارتين ، وهي الصناعة والشئون الاجتماعية بالإضافة إلي مناصب أخري.

كان للشعب البنغالي المسلم أمل كبير في هذه الحكومة في أن تقوم بتغيرات جزرية تخفض حدة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة والنشاطات اللادينية التي تتحدي الهوية الإسلامية لهذا البلد الإسلامي الكبير ، وكذا كانوا يرجون من هذه الحكومة إضافة المواد الدينية في المدارس الرسمية كي تعني بتعليم الطلاب تلاوة كتاب الله ومسائل العقيدة والعبادة ، إلا أن هذه الحكومة خيَّبت آمالهم مع كونها جاءت إلي السلطة بأصوات المسلمين وحدهم ، وبسبب إهمال هذه الحكومة مطالب الشعب المسلم وكذا تورطها في الفساد انخفضت شعبيتها من 55% إلي 35%.

وفي نهاية مدتها عام 2006م أصرت هذه الحكومة علي رفض بعض المطالب العادلة للقوي المعارضة حول الانتخاب ، فانتشر الفوضي في البلاد بسبب حركات الاحتجاج التي قام بها الحزب المعارض “الرابطة العوامية” ، ما دفع أخيرا الجيش إلي أخذ زمام السلطة من الحكومة المشرفة في يناير عام 2007م وإلغاء عملها -عقد الانتخاب في حدود ثلاثة أشهر- ، بعدها أخذت حكومة الجيش بإلقاء القبض علي الساسة الفاسدين ما فيهم ابن الرئيس الراحل ضياء الرحمن وزعيم الحزب القومي البنغلاديشي طارق الرحمن ، وانتهت العملية باعتقال رئيسة الحزب القومي البنغلاديشي خالدة ضياء ورئيسة الرابطة العوامية
حسينة واجد.

أعادت حكومة الجيش الصداقة مع الهند في عهدها القصير ، وفي منتصف عام 2008م أطلقت سراح الزعيمتين ، وقد عهدت رئيسة الرابطة العوامية ألا تقوم بمحاكمة مسئولي الجيش أبدا حال فوزها في الانتخاب . بعده عقدت حكومة الجيش الانتخاب العام في نهاية ديسمبر نفس العام ، وقد دعمت الحكومة الهندية حزب الرابطة العوامية بالأمول الطائلة في الانتخاب ، وفي النتائج المفائجة للانتخاب أعلنت الحكومة أن حزب الرابطة العوامية -المتحالف مع حزب الرئيس المخلوع إرشاد وبعض الأحزاب اليسارية- تصدرت بأكثر من 250 مقعدا ، وحصل الحزب القومي البنغلاديشي علي 33 مقعدا وحليفته جماعة الإسلا
م المودودية علي مقعدين اثنين .

بعد هذا الفوز الساحق تقدمت الحكومة العلمانية إلي إعادة دستورها العلماني الأول ومحاكمة قادة الحزب القومي البنغلاديشي وقادة حليفته جماعة الإسلام المودودية بتهمة الجرائم ضد الإنسانية في حرب عام 1971م وبتهمة المؤامرة علي قتل رئيسة حزب الرابطة العوامية وأعوانها إضافة إلي تهمة تقديم التسهيلات العسكرية للمتمردين الهنود ، ويضاف إلي ذلك إلغاء نظام الحكومة المشرفة المحايدة التي كانت ثمرة احتجاجات شديدة للرابطة العوامية ، فقد طالبت به من حكومة الحزب القومي البنغلاديشي عام 1995م وأجبرتها لتنفيذه لتأمين نزاهة الانتخاب علي حد قولها.

وقد فاجأ الحزب القومي البنغلاديشي بإلغاء نظام الحكومة المشرفة المحايدة وطالب بشدة بإعادته إلى الدستور لتخوفه من تزوير الانتخاب العام القادم من قبل الرابطة العوامية لو يتم عقده بإشراف حكومتها ، إلا أن حكومة الرابطة العوامية اعتذرت عن إعادة نظام الحكومة المشرفة المحايدة في الدستور بحجة أنه يعطي فرصة وصول غير السياسيين إلي السلطة ولعبهم بمستقبل السياسين ولو لثلاثة أشهر ، خاصة بعد ما  تمكن الجيش من الوصول إلي السلطة عام 2007م  بسبب هذا النظام ومحاكمة كبار السياسين والنيل من شرفهم . إلا أن الحزب القومي البنغلاديشي أصر بمطالبته بإعادة نظام الحك
ومة المشرفة المحايدة وهدَّد بمقاطعة الانتخاب وعرقلته لو عقد بإشراف حكومة الرابطة العوامية . لكن حكومة الرابطة العوامية ردت بأنه ليس بإمكان أحد عرقلة الانتخاب وأنه لا يُضغظ علي أحد للمشاركة في الانتخاب مهملة بجميع المناشدات الوطنية والدولية والغربية التي تنصحها بتهيئة الأجواء لمشاركة القوي المعارضة في الانتخاب. وقد دعمت الهند موقف حكومة الرابطة العوامية ووعدت بمواصلة دعمها لإبقائها علي السلطة ، فتشجعت حكومة الرابطة العوامية لعقد الانتخاب بغير مشاركة القوي المعارضة ، ففي بداية يناير هذا العام 2014م عقد الانتخاب العام رغم مقاطعة القوي ال
معارضة التي تحظي بتأييد 70% من الشعب.

وبعد فوز حكومة الرابطة العوامية وحلفائها بجميع مقاعد المجلس الوطني ازدادت مطاردة وقمع وقتل المعارضين ، ما أدي إلي شلل في تنظيمهم ودخول اليأس في نفوس مؤيديهم.

فالشعب البنغالي اليوم يعاني من إضراب وحصار القوي المعارضة من جهة ، ومن جهة أخري تعاني من استبداد حكومة علمانية فرضت عليهم من دولة الهند المعادية للحركات القومية والإسلامية.

اترك رد