يَسعَى الطغاةُ دومًا لإبعاد أهل الحقِّ؛ خوفًا من انتشار الخير الذي يحملون، وأنَّى لهم ذلك مع أناس هم كالغيث أينما حلُّوا نفعوا؟! إنها قصة الحق الذي أخرج شطأه في أوزبكستان، فأراد طاغيتُها اجتثاثَه، فأَبَى الله إلا أن يستوي على سوقه في السويد!

عَايَش علماءُ المسلمين في أوزبكستان اضطهادًا لا يُحتَمل على أيدي سلطات بلادهم، التي تشارك في الحملة الأمريكية العالمية على “الإرهاب”، الأمر الذي اضطرَّ الكثيرين منهم إلى اللجوء إلى السويد، حيث لم يجدوا فحسب نسائم الحرية التي افتقدوها طويلًا، بل التَقَوْا أيضًا بالعديدِ من أبناء أوزبكستان الذين هربوا من بلادهم تحت وطأةِ القهر والاضطهاد الدينيِّ.
هؤلاء العلماء الذين ذاقوا الويلاتِ على يدِ الدكتاتور “إسلام كاريموف”- الذي تسلَّم السلطة عام 1991، بعدما كان السكرتير الأول للحزب الشيوعي أثناء الحقبة السوفييتية- أصبحوا الآن يديرون العديد من المساجد التي افتُتِحت في ربوع السويد، وهو ما لم يحلموا به قَطُّ في بلادهم.

بِدايَة الغَيْث

معمورجان قاري، أحد مواطني مدينة “أنديجان” الواقعة شمال شرق أوزبكستان [حيث قتلت القوات الحكومية آلاف الناس في مجزرة بشعة عام 2005]، حصل على حقِّ اللجوء السياسي في السويد منذ أقلّ من عام، وهو الآن يعيش في مدينة “تيمرو”، حيث افتتح مسجدًا بمساعدة بعض رفاقه، عن طريق استئجار بناءٍ مهجورٍ أعادوا تجهيزَه وتوسعةِ بعض حجراته.

ولم يلبث معمورجان قاري طويلا حتى أصبح أحد الشخصيات المؤثرة التي تلقَى احترامًا كبيرًا في أوساط المهاجرين الأوزبكيين وبقية المسلمين الذين يعيشون في مدينة “تيمرو”، إلا أن المعاناة التي شهدها في أوزبكستان ما تزال تجعله حريصًا وهو يتطرق إلى الأوضاع في وطنه، وإن كان حديثه الرقيق وصوته الهادئ يُنبِئَان بأن الرجل غيرُ منخرطٍ في السياسة.

ويأبى “معمور جان قاري” أن ينسى إخوانه الذين ما زالوا في “جحيم كريموف”، الذي يرزح فيه 6,000 سجين على الأقلّ خلف قضبان السجون، وفقًا لتقديرات منظمة العفو الدولية، لذلك فهو لا يفتأُ يذكُرهم “سيكافئ الله هؤلاء الذين يعانون من سطوة النظام الدكتاتوري في أوزبكستان، فهم يواجهون قمعًا وإذلالاً على كافة الأصعدة السياسية والدينية والاقتصادية، وتعذيبًا داخل غرف أجهزة تنفيذ القانون”، ويضيف: “نحن دائمًا ندعو لهم، فهذا هو الشيء الوحيد الذي نملكه”.

وقد بدأت مساجد شبيهة بمسجد “معمورجان قاري” تنتشر في ربوع السويد، كما أن العديد من المسلمين في مدن أخرى مثل “كالمار” و”أوريبرو” و”هيلفورس” و”سترومسوند” يُصَلُّون في مساجد يقوم عليها أئمة أوزبكيُّون، وتضمُّ هذه المساجد مسلمين من مختلف أنحاء العالم.

العَيْنُ الخفيَّة

ورغم توسع نشاطاتهم، ما زال الأئمة الأوزبكيُّون يتحدَّثون بحرص حينما يُسألون عن أهدافهم وأفكارهم ومواقفهم السياسية، كما لو كانوا يخافون أن تكون “العين الخفية” التابعة لجهاز الأمن القومي الأوزبكي ما تزال ترصد كلَّ خطواتهم.

يقول الشيخ “مقيمجان محمودوف” إمام أحد المساجد في مدينة “هيليفورس”: إنه والعديد من الأئمة الآخرون يرغبون في بقاء أنشطتهم في الظلِّ، لأن إظهارها ربما يكون ضررُه أكثرَ من نفعه، ويردف: “حتى إننا نطالب الصحفيين السويديين بألاَّ يكتبوا عنَّا”.

هذه المخاوف ربما يبرِّرُها الحريق المتعمَّد الذي أصاب مسجد الإمام “قابد قاري نازاروف” أحد المُدرَجِين على القائمة السوداء في أوزبكستان، بزعم قيادته للحركة الوهابيَّة في البلاد!

وخلال هذا الصيف افتتح “عابد قاري نازاروف” للمرة الثانية مُخَيَّمًا للأطفال في جامبتلاند، وهي منطقة بديعة شمالي السويد، بعدما استأجر فيلا لهذا الخصوص، يستمتع فيها الأطفال بالطبيعة ويتلقَّوْن بعضًا من التعاليم الإسلامية يوميًّا، ويستمعون إلى محاضرات الإمام.
حينما زار الصحفيون المخيَّمَ الذي دشَّنَه “عابد قاري نازاروف”، استرعى انتباههم لافتةُ ترحيب باللغة الأوزبكية في المدخل مكتوب عليها “مرحبًا بكم في المخيم الصيفي”.

ولا تقتصر جهودُ الشيخ “عابد قاري نازاروف” من أجل توصيلِ رسالته في السويد على “مخيم الأطفال”، الذي دشَّنه عام 2006 [إثر وصوله إلى هناك مهاجراً فارا بدينه] بعد اعتقال عددٍ من رفاقه جنوبي كازاخستان وتسليمهم لحكومة أوزبكستان، بل يمكن مشاهدة محاضراته في موقع يوتيوب، وقراءتها في موقعه Islomovozi.com ، حيث يجيب أيضًا عن مختلف الأسئلة التي تصله.

لقد آتت الأنشطة المكثفة التي يقوم بها الأئمة الأوزبكيُّون في أوروبا أُكُلها، فالكثير من الأوزبكيين الذين كانوا لا يعتبرون أنفسهم ملتزمين قبل وصولهم إلى أوروبا، بدءوا في ارتياد المساجد، وربما يرجع ذلك إلى أنهم قد وجدوا للمرة الأولى الفرصة لدراسة الإسلام، وممارسة شعائره دونما خوف من أن يتمَّ قمعُهُم، لذلك فهم الآن يتقيدون بالتعاليم الإسلامية والعادات الشرقية رغم أنهم يعتبرون أنفسهم أوروبيين، ويظهر تأثير هؤلاء العلماء جليًّا في أوساط النساء والفتيات، اللواتي يرتدين الحجاب ويلتزمن السّتر.

شُهدَاء

أوزبكستان هي أكبر دول وسط آسيا (تركستان) سكانًا، عاصمتها طشقند، ومن أهم مدنها سمرقند، وهي إحدي الجمهوريات الإسلامية ذات الطبيعة الفيدرالية ضمن الجمهوريات السوفيتية السابقة، ويقدَّر عدد المسلمين بها 14.872.440 نسمة، وحصلت أوزبكستان على استقلالها عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وينصُّ دستورها لعام 1992 على أن نظام الدولة علمانيٌّ ديمقراطيٌّ، وأن حرية التعبير والعبادة وحكم القانون مكفولةٌ للجميع!

يقول الناشط الحقوقي المستقلُّ والشهير في أوزبكستان السيد “سرعت إكراموف” بأن سجون أوزبكستان تخرّج في كل عام مائتي شهيد على الأقل يموتون جراء التعذيبات اللا إنسانية، ومعظمهم من الشباب المسلمين الذين يُتَّهمُون بالتُّهم الدينية المعروفة، ويستمرُّ الناشط في بيان هذا الجحيم فيقول: “إن ضحايا التعذيب هؤلاء على قسمين؛ قسم منهم يموتون بعد أيام قليلة من اعتقالهم وبدء التحقيق معهم، وذلك بسبب فظاعة التعذيبات التي يتعرضون لها، وقسم آخر يموتون خلال مُدَد ليست طويلة، حيث تتدهور قواهم وأحوالهم الصحية فيُنقَلون إلى بعض المستشفيات، وفي أغلب الأحيان يموتون من شدة الأمراض التي أصيبوا بها، أو قد يعيشون سائر حياتهم بتلك الأمراض.

اترك رد