أولاً: المقاومة الشعبية التركستانية في التاريخ:

وقعت بلاد التركستان التي تشكل الجمهورية الإسلامية بآسيا الوسطى فريسة الاحتلال السوفيتي الشيوعي إثر توليهم السلطة عام 1917م، وقد انتهج الشيوعيون سياسة القهر والقمع والتجويع، حتى تحققت لهم السيطرة الكاملة على هذه الجمهوريات.

وقد كانت هذه الجمهوريات في بادئ أمرها عبارة عن إمارات تنتمي إلى أصل واحد، وتتحدث لهجات تنتمي في مجموعها إلى لغة واحدة هي اللغة التركية الجغتائية.

فلما تمكن البلاشفة الشيوعيون من احتلال بلاد التركستان عملوا بالسياسة الاستعمارية (فرق تسد) لتفريق وتمزيق الشعوب التركستانية المسلمة إلى عدة قوميات مستقلة، نسبة إلى المقاطعات على أساس لهجاتهم المختلفة التي تنتمي في الأصل إلى لغة واحدة، وأسموها جمهوريات، فقسموا تركستان الغربية – بعد أن ضُمت تركستان الشرقية إلى الصين– إلى ست جمهوريات وهي: أوزبكستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، قراقلباقستان، تركمانستان، وأصبحت تحت النفوذ السوفيتي، وحكموها حكمًا مباشرًا.

وإمعانًا في خلخلة وحدة شعوب تركستان المسلمة، وقطع صلاتهم بين حاضرهم وماضيهم، قامت الحكومة السوفيتية بنفي آلاف من الأتراك المسلمين إلى مجاهل سيبيريا، واستقدمت ألوفًا مؤلفة من الروس والسلاف والأوكران إلى هذه البلاد.

ومن أجل ترويس هذه الشعوب المسلمة والقضاء على قومياتها، أصدرت السلطات الشيوعية عام 1925م قرارًا باستبدال حروف هجاء اللغة التركية الجغتائية- تلك اللغة التي نشأت تحت ظل الإسلام، ودخلتها الكثير من الكلمات العربية– إلى حروف الهجاء الروسية.

كما سعت الثورة السوفيتية منذ أيامها الأولى إلى القضاء على الدين، ونشر الإلحاد، وتربية الشعوب التركستانية في روح الشيوعية، فأصدرت سلسلة من المراسم والقوانين بهذا الشأن، نذكر منها أن أول مرسوم صدر في نوفمبر عام 1917م بعنوان: (عن الأرض)، يقضي بمصادرة جميع الأراضي المملوكة لدور العبادة.

كما أصدرت في ديسمبر في نفس عام 1917م أيضًا مرسومًا آخر يخص الأحوال الشخصية، ويقضي بإحلال التوثيق المدني محل التوثيق الديني، وينفي أي أثر قانوني للعلاقة بين الزوجين، أو بين الآباء والأبناء إذا اكتفى الزوجان بالتوثيق الديني لعقد الزواج.

وبهذا القانون منع المسلمون من التمتع بالنظم الإسلامية في دائرة الأحوال الشخصية، فألغيت بذلك المحاكم الشرعية في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي.

ونتيجة لهذه القرارات أعلنت حكومة الثورة البلشفية في دستور جمهورية روسيا الاتحادية الفيدرالية الذي أصدرته عام 1918م مبدأ حرية الضمير، ونصت عليه في شكل مادة دستورية تنص أن: (حرية الدعاية الدينية واللادينية مكفولة للجميع).

وبهذا القانون قوضت الدولة حقوق المسلمين وواجباتهم، إذ أصبح من حق الدولة أن تحظر نشاط أي جمعية دينية، أو تغلق أي دور للعبادة، وتصادر ممتلكاتها، إذا رأت أن نشاطها يخالف أهداف الدولة، كما حظرت على الجهات المحلية أو المركزية تخصيص أي اعتمادات مالية لصالح المؤسسات الدينية، هذا بالإضافة إلى الحظر على هذه الجمعيات والمؤسسات الدينية، أن تخصص أي صندوق للمعونات، أو القيام بأي نشاط خيري، أو عمل أي لقاءات، أو ندوات دينية، أو عقد حلقات لتدريس الدين للمواطنين.

كما حظر هذا القانون أيضًا دخول دور العبادة للمواطنين الذين تقل أعمارهم عن ثمانية عشر عامًا، أو زيارة الأماكن المقدسة حفاظًا على صحتهم.

كذلك منع منعًا باتًا التعليم الديني للأطفال في المدارس أو دور العبادة.

وبإزاء هذه السياسة الاستعمارية التعسفية الإلحادية شهدت بلاد التركستان حركة مقاومة شعبية وطنية على أيدي فدائيي تركستان.

وكانت حركة المقاومة الشعبية الوطنية هذه قد تشكلت عام 1918م، يتزعمها رجال الدين، ويرأسهم السيد عالم خان، حاكم إمارة بخارى، وكان فدائيو تركستان يشكلون جبهة مقاومة في كل إمارة، وعلى رأس هذه الإمارات (خيوة، وبخارى، وخوقند)، حيث كانوا يسلكون مع الجيوش الروسية حرب العصابات، لما تتسم به طبيعة بلادهم التضاريسية من وعورة السطح، وكثرة الجبال، فكانوا يختبئون في الجبال، ثم يقومون ليلاً بالإغارة على مخازن الأسلحة والذخيرة الروسية المزودة بأحدث أسلحة العصر، فينهبونها، ثم يحاربون بها القوات الروسية بعد الاختباء بهذه الأسلحة في باطن الجبال التي تميزت بها طبيعة بلادهم.

لذلك كانت هذه الحركة الفدائية الشعبية مصدر خطر يقلق الحكومة الروسية، لذا أطلقت على فدائييها اسم (باسماج)، أي البسمجة بالعربية، ذلك المسمى الذي يعرف في معجم اللغة التركية الجغتائية بمعنى (قاطع طريق). وكان إطلاق هذا الاسم من قبل السلطات الروسية على فدائيي تركستان نابعًا من طبيعة عملهم الفدائي، الذي سبق أن أشرت إليه، وأيضًا من قبيل التعريض بهم.

وكان لواء هذه المقاومة الشعبية الوطنية عند نشأتها قد توحد تحت قيادة القائد (أنور باشا) في مدينة بخارى، ذلك القائد الذي نجح في تكوين جيش وطني قوامه خمسة عشر ألف مجاهد، وظل يجاهد في شرق مدينة بخارى نائبًا عن حاكمها الذي كان يُدعى (السيد عالم خان)، وقد نجح هذا الجيش في الاستقلال بشرق بخارى، كما تمكن من فتح مدن كثيرة وحررها من يد الروس.

وقد ظل قتال الفدائيين مع القوات الروسية مستمرًا حتى عيد الأضحى من عام 1345هـ (1924م)؛ حيث عقدت اتفاقية هدنة بين جيش المسلمين التركستانيين والجيوش الروسية، غير أن الروس نقضوا الاتفاقية، وأغاروا على مسلمي التركستان في صلاة العيد، فاستشهد الكثير منهم، ومن بينهم قائدهم (أنور باشا).

وقد تولى قيادة جيش المسلمين التركستانيين بعد وفاة أنور باشا القائد (إبراهيم لقى)، وقد هاجمته القوات الروسية عام 1925م، واستطاع أن يصمد أمامها، لكن في تلك الفترة كان البلاشفة الروس قد أرسلوا جنودهم إلى مدينة (درقد) عند الحدود الأفغانية قرب نهر جيحون– المعروف الآن ب(آمودريا)- بسبب جدال كان قد دار بين الروس والأفغان بشأن النزاع على الحدود، فرأى القائد (إبراهيم لقى) هذه الفرصة سانحة لمساندة الأفغان إذا قامت الحرب بينهم وبين الروس، فترك بعض قواده مع جيش بشرق مدينة بخارى، وتولى هو بنفسه قيادة باقي الجيش الذي بلغ عدده ألف وخمسمائة مجاهد، ثم اتجه صوب حدود أفغانستان، وانتظر بجيشه بالقرب من منطقة النزاع، يرقب نتيجة المباحثات بين الأفغان والروس، ليسرع للمساعدة بجانب الأفغان، لكن المباحثات انتهت بعقد اتفاقية بينهما.

فلما علمت القوات الروسية بوجود القائد (إبراهيم لقى) مع قواته وراء الجبال هجموا عليه بجيش مكون من خمسة وعشرين ألف جندي، ودار قتال عنيف بين الجيشين لمدة خمسة أيام، انتهى بتشتت قوات القائد إبراهيم لقى، ولم يبق معه سوى ثلاثمائة مقاتل، مما اضطره إلى عبور نهر جيحون، واللجوء إلى أفغانستان، حيث أقام بجوار السيد عالم الخان، الذي كان قد لجأ إلى أفغانستان أيضًا بعد تضييق الخناق عليه، أملاً في تشكيل حركة مقاومة أخرى امتدادًا لهذه الحركة بمساندة الحكومة الأفغانية لتحرير تركستان، غير أن السيد عالم خان أرسل قائدًا آخر يدعى (عبد الملا القهار)، من كابل ليجمع شتات المجاهدين الفدائيين من غرب وشمال بخارى، وقد نجح هذا القائد في تنظيمهم، واستطاعوا أن يستولوا على بعض المدن والقرى، بل واصل المجاهدون زحفهم، للاستيلاء على بخارى العاصمة، فلما رأت القوات الروسية صعوبة في وقف زحفهم، أخلوا لهم الطريق، فدخلوا مدينة بخارى فاتحين منتصرين، ثم حاصرتهم القوات الروسية بعد أربع ساعات من دخولهم، وأغارت على المدينة بالدبابات والمصفحات والمدفعية والطائرات، فاستشهد الكثير منهم، ولم يستطع القائد الملا عبد القهار بمن بقي معه من قواته القلائل الصمود أمامهم، فانسحب إلى قازاقستان، فدخلت القوات الروسية قرى ومدن إمارة بخارى، وقتلت الكثير من أهلها، وبذلك قضت على حركة المقاومة الشعبية التركستانية، التي راح ضحيتها أكثر من خمسة ملايين من المجاهدين المسلمين، بعد أن استمرت منذ عام 1918م وحتى عام 1932م.

ثانيًا: المقاومة الشعبية التركستانية في الأدب (الأوزبكي الروسي)

بعد أن استعرضنا المقاومة الشعبية التركستانية في التاريخ، يجمل بنا أن نتناولها في الأدب، بصفة أن الأدب مرآة العصر ينعكس فيها أحداثه وقضاياه.

ولقد اخترت قصة من مجموعة من قصص الأدب الأوزبكي الحديث( ) الذي ينتمي إلى جمهورية أوزبكستان( )، تلك الجمهورية التي تشكل إحدى جمهوريات آسيا الوسطى، وذلك لترجمة هذه القصة ودراستها، لاستعراض صورة المقاومة الشعبية التركستانية في الأدب من خلال دراسة تحليلية مقارنة بين الواقع في التاريخ والأدب، وهذه القصة التي موضوع دراستنا عنوانها باللغة الفارسية: (بيناشوي نابينايان)، أي بصيرة العميان، وهي واحدة من قصص قصيرة كنت قد قمت على ترجمتها من الفارسية إلى العربية، وقد كتبها بعض الكتاب الأوزبكيين ممن عاصروا الثورة الروسية، وهي من كتابات الأدباء المعاصرين، والذين كان بعضهم ما زال على قيد الحياة وقت قيامي بهذه الترجمة.

وكانت مؤسسة بروجرس للنشر في مدينة “طشقند” قد قامت بترجمتها عن الأوزبكية الروسية إلى اللغة الفارسية، ونشرت هذه المجموعة القصصية عام 1982م، تحت عنوان: (مرغ سعادت)، أي طائر السعادة.

أما قصة (بصيرة العميان) التي هي معرض دراستنا، فكاتبها هو الكاتب القصصي المعروف بين الأوزبك (عبد الله القهار)، وهو من الكتاب الذي عاصروا الثورة الروسية، فقد ولد عام 1906م، وتوفي عام 1968م، وكان أحد رواد فن كتابة القصة الذين ساهموا في ازدهار هذا الفن في الأدب الأوزبكي( ).

وكما هو واضح فإن جميع الكتاب الأوزبكيين الذين عاصروا قيام الثورة الروسية عام 1917م، أو المعاصرين، والذين كانت المؤسسات السوفيتية تنشر إنتاجهم الأدبي هم مسلمو المذهب، روسيو المشرب، لذا فقد اخترت هذه القصة من بين المجموعة القصصية التي قمت على ترجمتها؛ لأنها تعبر من بين سطورها عن الواقع المرير الذي كان يعيشه المجاهدون المسلمون، وشعب الأوزبك المسكين إبان الاحتلال الروسي لبلادهم، وجهاد الفدائيين ضد القوات الروسية، وتغيير الواقع التاريخي، وتشويه قداسة النضال التركستاني، وهذا ما سوف أوضحه عند تحليل القصة بعد عرض ترجمتها أيضًا.

ومن بين الدوافع التي دفعتني إلى ترجمة قصة (بصيرة العميان) أن أحد أبطالها الرئيسيين، أو بمعنى أدق البطل الثاني في القصة، وهي شخصية (القورباشي الأعور) شخصية حقيقية في تاريخ نضال المقاومة الشعبية التركستانية.

وقد استطعت التعرف عليها عن طريق التقائي بأحد أبناء المجاهدين المسلمين الأوزبكيين، والذي شارك هو الآخر في الثورة على الاحتلال الروسي، ثم اضطر مع والده وأسرته إلى اللجوء، هذا المجاهد هو السيد نصر الله مبشر الطرازي، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية بدار الكتب المصرية، حتى أُحيل إلى التقاعد، وإليه يرجع الفضل في ترجمة المفردات التركية الجغتائية، التي وردت في ترجمة القصص إلى العربية. والجدير بالذكر، أنني لم أجد أحدًا يعينني على التعرف على ترجمتها إلى العربية سوى سيادته.

وقبل أن أعرف بشخصية القورباشي الأعور هذا، ينبغي أن أعرف أولاً بمعنى كلمة قورباشي، فقورباشي في اللغة التركية الجغتائية بمعنى (قائد السلاح)، وكان هذا اللقب يطلق على كل قائد كتيبة للمقاومة الشعبية، حيث كان فدائيو التركستان يشكلون في كل إمارة كتيبة للمقاومة الشعبية بسائر أرجاء التركستان يتزعمها أحدهم، ويلقب بقورباشي.

ونعود إلى القورباشي البطل الثاني لقصتنا، والذي تمكنت من التعرف على شخصيته، فهو المجاهد (شير محمد بك)، وكان أعور فعلاً، وقد اشتهر باسم (كورشيرمت) أي شير محمد الأعور.

وكان السيد شير محمد الأعور هذا قائد كتيبة الفدائيين في إمارة فرغانة- المعروفة الآن بخوقند- لحركة المقاومة الشعبية التي قامت منذ عام 1918م في جميع أرجاء التركستان.

ولما نجح الروس في القضاء على حركة المقاومة الشعبية عام 1932م، لجأ القائد شير محمد إلى أفغانستان كغيره من رفاقه المجاهدين، وأصبحوا في ضيافة حكومتها.

وفي أثناء قيام الحرب العالمية الثانية، وجدنا السيد عالم خان الذي كان زعيم حركة المقاومة الشعبية، وحاكم بخارى في أثناء الاحتلال الروسي لها، ولجأ هو أيضًا إلى أفغانستان- كما سبق أن أشرت- ينتهز فرصة انتصار الروس على يد الألمان، واستيلائهم على ستلنجراد، ووصولهم إلى مسافة مائة وخمسين كيلو متر من موسكو، وقطعهم الطريق على الروس إلى القوقاز وجورجيا وأرمينيا، فشكل حركة مقاومة امتدادًا للحركة السابقة التي امتدت بين عامي 1918- 1932م، وذلك بمساندة الحكومة الأفغانية لتحرير التركستان، بقيادة السيد مبشر الطرازي على جبهته بامبـير وبدخشان.

وكان السيد شير محمد الأعور- بطل قصتنا الثاني- والسيد مبشر الطرازي رفقاء في هذه الحركة، لكن هذه الحركة لم تنجح بسبب ضغط روسيا على الحكومة الأفغانية بتصفيتها، فألقت القبض على ثلاثة وخمسين من رجالها، كان من بينهم قائد الحركة السيد مبشر الطراز، وولده السيد نصر الله، ورفيقه السيد شير محمد، فسجنوا بكابل مدة خمس سنوات وثلاثين يومًا، حتى أفرج عنهم عام 1949م، هاجر بعدها السيد مبشر الطرازي، وولده السيد نصر الله إلى مصر، حيث توفي السيد مبشر الطرازي بها.

أما بطل قصتنا السيد شير محمد الأعور، فقد هاجر هو وبعض المجاهدين التركستانيين رفقاء الحركة إلى تركيا حيث توفي هناك.

وكما سبق أن ذكرت، فإن كاتب هذه القصة مسلم المذهب، روسي المشرب، فمن الطبيعي أنه كتب أحداث القصة ومواقفها بطريقة تساير السياسة الروسية، فجاءت مغايرة للواقع، ومشوهة للحقائق، فصور القورباشي الأعور في القصة في صورة زعيم للعصابات المناوئة للثورة الروسية، الذي ألقى القبض على أحمد بلوان، بطل القصة الأول، للانتقام منه بعد أن غدر به، وقتل رفيقه الجريح، برصاص الجنود الروسية، حيث كان القورباشي الأعور قد لجأ إلى أحمد بلوان، وخبأ رفيقه عنده خوفًا من بطشهم.

إلا أننا نستطيع أن نتلمس من بين سطور هذه القصة الواقع المرير الذي كان يعيشه كل من القورباشي الأعور، قائد حركة المقاومة، وأحمد بلوان ذلك القروي المسكين، وهما في الحقيقة رمز لكل الأوزبك، وكيف كانوا يعانون من التعسف السوفيتي.

والآن يجمل بنا أن نقدم ترجمة القصة أولاً، ثم نقوم بتحليلها بعد ذلك.

بصيرة العميان:

وعلى هذا النحو كان أحمد بلوان ينتظر الموت، والأصدق في القول: إن الموت كان ينتظر أحمد؛ إذ لم يكن لديه أي رغبة في الحياة في هذه الدنيا، لقد كان مثل كبش مقيد بحبل سميك قد وقف أمام راعي القطيع، ولكن أوكل لراعي القطيع في هذه المرة وظيفة الجلاد، الذي لم يترك من جسده مكانًا دون جلد.

كان هذا الجلاد يتسم بقصر القامة مع قوة في العضلات، وامتلاء في البنيان، فما أن رفع صوته في وجه بلوان حتى اهتز بلوان كعود قصب هزيل، ثم سقط على الأرض فاتحًا قدميه، أما يداه فمغلولتان خلف ظهره، مغشيًا عليه في حالة إعياء شديد.

لكن الجلاد ركل أحمد بلوان ركلة أطاحت به إلى أعلى، إذ سارع بالوقوف وكتفاه يرتعدان. لقد أيقن أن عظامه قد تحطمت، فهل يستطيع التحرك من مكانه أم لا؟ ولكنه أدرك على الفور في حسرة ومرارة أنه ما دام جسده منهكًا، فأي أهمية بعد ذلك للحركة أو السكون!!

ومرة ثانية، جهر الجلاد بصوته في وجه أحمد بلوان، ولكن جهرته هذه كانت أقل من سابقتها، ومع هذا دفعته كي يخطو خطوات سريعة، كي يقف أمام متكأ القورباشي- رئيس كتيبة العصابات المناوئة للسلطات الروسية- وكان قد جلس متكئًا ومغطيًا إحدى عينيه بعصابة ذات خطوط، ووقف بجواره طبيب هندي، وخلفه صاحب الدار، وهو شخص مسن قصير القامة، كثير الحركة أشبه بالخفاش.

فصاح القورباشي في عصبية وشراسة بدت في عينه المبصرة: ألا تقول لنا عن أسماء رفاقك الملاعين؟

سكت أحمد بلوان مفكرًا، ماذا يستطيع أن يضيفه على ما سبق أن قاله؟ نعم، إنه قتل إسماعيل أفندي، ولكن ليس له شريك في قتله.

لقد كان إسماعيل أفندي، الرفيق الحميم للقورباشي، بل كان في الحقيقة ساعده الأيمن، وعندما كان على مقربة من الكارمزار، أطلق أحد الفرسان أصحاب النجمة الحمراء، رصاصة اخترقت صدر إسماعيل أفندي، فسحبه القورباشي من ميدان القتال، وفر به إلى الجبال، دون أن يجد الفرصة لتضميد جراحه، حيث كان الفرسان أصحاب القلنسوات المدببة التي تبرز في مقدمتها النجمة الحمراء مسرعين في تعقب الفارين في سرعة هائلة، لا تقبل التوقف للحظة واحدة.

وفي الليلة التالية، اصطحب القورباشي نصف قواده، ووصلوا إلى قرية كان يعيش فيها أحمد بلوان، وكانت الدماء مازالت تسيل من إسماعيل أفندي، فأراد القورباشي ألا يحمله أكثر من هذا، وأن يتركه في بيت إنسان يتوخى فيه الأمانة.

كان للقورباشي أعوان في هذه القرية، يمكن الاعتماد عليهم إلى حد كبير، ويوجد أيضًا من هم يدعون مناوأة السلطة، وهم غير أوفياء له، فكيف يترك إسماعيل أفندي لديهم! كما كانت هناك بيوت كبار ملاك الأراضي، ولكن القورباشي كان يعلم جيدًا أن جنود النجمة الحمراء يكنون العداء لهؤلاء الملاك.

ففكر كثيرًا، وأدرك أن أفضل مأمن له هو أن يتركه في بيت فقير معدم، لذا نراه يترك رفيقه الذي كاد أن يفارق الحياة في بيت تعيس الحظ أحمد بلوان.

قَبِل أحمد بلوان الأفندي من القورباشي بلا تردد، وأمَّن على ما أمر به، وهو ألا يكتفي بتضميد جراح إسماعيل أفندي فقط، بل سيعمل جاهدًا على ألا يقلق راحته، ولكن ما إن اختفت أصوات سنابك الخيول، وابتلعها جوف الليل، حيث سارع القورباشي ورفاقه إلى مناطق أكثر أمنًا، فإن أحمد بلوان لم ينتظر شفاء الأفندي أو موته، لذا سارع بتوفير الراحة الأبدية له، بأن ضربه ضربة فأس قوية أودت بحياته، وذلك خوفًا من ألا يعود القورباشي لاستعادة رفيقه.

وبعد مضي سبعة وثلاثين يومًا على وفاة الأفندي، أرسل القورباشي أحد الملاك ليستطلع أخبار أحمد بلوان، ولما علم ما حدث ألقى القبض على أحمد بلوان، وقيد يديه وألقى به على ظهر حصان وكأنه حمل، وظل الحصان يسير ببلوان لمدة يومين حتى وجد بلوان نفسه في يوم الأربعين لمقتل الأفندي أمام رفيقه الوفي القورباشي للقصاص.

وعلى الفور وقف أمام عدوه ينتظر ما ينطق به، ولكن القورباشي ظل ساكنًا ذلك السكون الذي يسبق العاصفة، وكان الطبيب والرجل المسن المرتعد قد جلسا في مواجهته، والإعياء يبدو في أعينهما، وهما ينظران إلى الجلاد والفرسان المترجلين والمتعبين من الانتظار الممل دون أن تصدر عنهم أية حركة.

وفي آخر الأمر تحرك القورباشي ورفع رأسه، ونظر إلى السماء؛ فتذكر على الفور أنه في وقت الغروب يجب أن يتوجه فرسانه للإغارة على القرية المجاورة من أجل تصفية الحساب مع الأعداء، حيث لم يكن الحساب قد انتهى بعد، إن الشمس قد اقتربت من الغروب، إذ لم يبق على تمام غروبها أكثر من ساعتين أو ثلاث.

ولذلك صمم القورباشي على أن يسارع بتصفية حسابه مع الخسيس، فتوجه على الفور صوب أحمد بلوان وعينه تتقد شرارًا وشراسة، لقد بدت وكأنها عين ذئب!

بادله أحمد بلوان النظرات، على الرغم من نظراته المملوءة بالتهديد والوعيد، وظل ناظرًا إليه، ولم يسقط بصره عنه.

فأسرع القورباشي صوبه ولكمه لكمة قوية في حلقه قائلاً: خائن وغد. هل تعتقد أن رأسك ستعتق من الجلاد؟

فحرك أحمد بلوان أصابعه المتورمة والمقيدة خلف ظهره، ونظر إلى وجه القورباشي وقال:

سيدي: لقد قلت كل شيء، وليس لدي أكثر من هذا لأقوله، لقد كان الأفندي يقتل المزارعين، فقتلته أنا أيضًا، والآن أنتم تريدون أن تقتلوني، ولكن قبل إعدامي أريد القول بأنني أديت عملاً في سبيل الله حتى.. فقاطعه القورباشي صائحًا: أيها الأحمق، لا تدنس اسم الله. فضحك أحمد بلوان ضحكة كلها حسرة وأسى، وقال: أنَّى لي أن أفكر في هذا الدنس؟ كلا يا سيدي إنني في الدقائق الأخيرة من حياتي أفكر في أمر آخر، وأود من شخصكم السامي المقام أن تأذنوا لي بأداء عمل تفيدون منه أنتم أرباب العقل والعلم.

صاح القورباشي غاضبًا: أية فائدة سأجنيها من ورائك؟

رد أحمد بلوان قائلاً: سيدي: أنتم مثل الأسد القوي، وأنا مثل نحلة العسل الضعيفة، ولكنكم تعلمون أن الأسد حينما يتجاهل النحلة قد يهلك ويفنى، وأنت أيها السيد القوي تتجاهلني، ولكن في مقدوري أن أفشي لك سرًا!

بدت على وجه القورباشي حركات هستيرية تجمع بين الضحك والغضب، لكنه أخفاها على الفور، وسارع بالتعبير عن غضبه وعدم ميله إلى مواصلة الحديث.

فقال في عصبية: إنني أعلم باطنك أيها الكلب!

فاعترض أحمد بلوان بشدة وقال: إنك تبصرني بعين واحدة، بينما تستطيع أن تبصرني بكلتا عينيك، ولما لم يبد على وجه القورباشي سوى ملامح الغضب، وعدم التفاهم، أضاف في هدوء قائلاً: سيدي عينك اليسرى محرومة من البصر، بسبب ماء النار الذي أُلقي عليها، ولكنني أستطيع أن أُعيد النظر لعينك الكفيفة، لأنني أعلم سر شفاء العيون.

وحينما تلفظ بكلمة شفاء، تلفت فجأة الطبيب الهندي الذي لم يكن على علم كافٍ باللغة الأوزبكية، وسأل: ماذا يقول هذا الرجل المحكوم عليه بالموت؟

ففسروا للطبيب ماذا قال، فدقق النظر إلى أحمد بلوان وفكر قائلاً في نفسه: قطعًا يقول كذبًا، لكنه على الفور تشكك في اعتقاده وسأل نفسه: لو أن كلام هذا الرجل كذب، فأي حقيقة يبغيها من وراء ذلك؟

وفجأة رجع القورباشي صوب الطبيب وقال له: إنني أفوض لك سر هذا الوغد، فأنت لست ماهرًا في المعالجة، لدرجة أنك لا تستطيع أن تشفي جسدك من المرض الذي يعتريك ثلاث مرات في الأسبوع ويرعد جسدك، فافهم منه سر شفاء العور حتى يزداد علمك.

وضحك القورباشي مقهقهًا وألقى بنفسه على الوسائد التي وضعها الرجل المسن أسفله، ولولا هذه الوسائد لمات القورباشي من القهقهة، وكثرة اهتزاز كرشه الضخم.

فسعادة القورباشي المفاجئة أثرت في الآخرين، لدرجة أن أكثر الرجال صرامة لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك أمام ضحكه، ماعدا الرجل المسن الأشبه بالخفاش، فقد ظل مذهولاً من ذلك الضحك، أما الطبيب فلم تبد عليه أية بادرة للتأثير!

وفي النهاية هدأ القورباشي، ثم تنهد وقال: لقد أدركت خرافات هذا الأحمق!

فعليك أيها الطبيب أن تتحدث معه، وسوف ألتزم الصمت وأنصت.

فهز الطبيب رأسه، واتجه صوب أحمد بلوان، وسأله في جدية: هل تستطيع أن تشفي أحدًا من العور؟

فأجاب أحمد بلوان في هدوء ورزانة: كلا، أنا نفسي لم أشف أحدًا، ولكن معلمي ذات مرة أعاد البصر لأعور، وصار ذلك الأعور مبصرًا، ولكن معلمي صار أعورًا ومات.

فسأله ما سبب موت هذا الرجل الذي منح بصره لغيره؟

فحرك أحمد بلوان أصابعه المتورمة الفاقدة الحس، وقال في هدوء: أنا أيضًا حينما أمنح قوة إبصار إحدى عيني لعين سيدي، سأصبح أعور. فتمالك الطبيب نفسه، ولم يبد أي تعجب على إجابته، وسأله في صورة أكثر جدية: ما اسم معلمك؟

فأجاب أحمد بلوان: سوف أذكر اسم معلمي بعد ذلك، حينما يدرك الجميع أن أحمد بلوان لديه فعلاً المقدرة على الشفاء.

فهز الطبيب رأسه وغلبه التفكير- ومع أن معتقدات هذا الطبيب كانت تفوق علمه، إلا أنه كان قليل العلم في كل فرع من فروع الطب، فما قاله أحمد بلوان غير ممكن ولو حتى عن طريق السحر، لكنه تذكر تعاليم معلميه القدماء الذين كانوا يؤكدون أنه لا يمكن الفصل بين الممكن وغير الممكن، لكن جهل القورباشي المعتوه جعله يستهزأ بالطبيب لعدم مقدرته على شفاء نفسه من مرض الملاريا، وأعظم الأطباء كانوا يقفون عاجزين أمام بعض الأمراض، لأن العلماء لم يكتشفوا علاجها بعد.

ونظر الطبيب إلى أحمد بلوان وخاطبه مُغيّرًا بعض الكلمات لعدم علمه باللغة الأوزبكية جيدًا قائلاً: ما العقاقير والأعشاب اللازمة لشفاء القورباشي.

فأجاب أحمد بلوان: يلزمني ستة أشياء هي: عود ريحان، وثمرة تمر، وبيضة، وملعقة عسل، وحبتان من قرنفل.

توفرت هذه الأشياء جميعها عدا الريحان في منزل الرجل المسن الكثير الاهتزاز والحركة، فأرسلوا أحد الفرسان لإحضاره.

وسأل الطبيب أحمد بلوان: هل يلزمك شيء آخر؟

فأجاب: نعم، وعاء نحاسي وشمعة.

أحضر الرجل المسن الشبيه بالخفاش كل الأشياء، ثم طلب أحمد بلوان أن يلصقوا الشمع على عين القورباشي الكفيفة، وأن يضعوا الوعاء على النار بعد ملئه بكوبين من الماء، فقاموا بتنفيذ ما طلب، ولما غلا الماء أمر أحمد بلوان أن يذيبوا العسل فيه، ثم يضيفوا إليه محتويات البيضة، وثمرة التمر والقرنفل.

كان أحد الشبان يقف بجوار الوعاء، فأضاف هذه الأشياء بالترتيب، ثم أمر أحمد بلوان أن يعطوه الريحان حينما يحضرونه، فلما أحضروه أمر بإضافته أيضًا إلى الوعاء.

وكان الطبيب يدقق النظر إلى أحمد بلوان، ولا يسقط بصره عنه، ويراقبه في كل ما يقوم بعمله، دون أن يساوره أي شك، وحلق بفكره قائلاً: ما أجمل أن يكون هذا الرجل عالمًا بذلك السر!

ثم بدأ على الفور يحصي المنافع التي يمكن أن يجنيها لو أدرك ذلك السر العظيم، فهو قبل أي شيء أكثر احتياجًا إلى التفرغ لمعالجة السادة، بل والأهم من ذلك أنه يستطيع العودة إلى موطنه الذي شرد منه بسبب دسائس الأطباء المنافقين الجهلاء، ثم ماذا سيقول عنه الأطباء الحاسدون الجهلاء؟ وماذا سيقول عنه الأطباء الحكماء؟ وحينذاك أين سيخفون عيونهم الجريئة حينما يبصرون ما بلغته من قدرة وعظمة لم يبلغها أعظم أطباء العالم في الأحلام، وظل الطبيب الهندي يفكر وينظر على هذا النحو، وبخار الماء يتصاعد ويغطي الوعاء.

وكان أحمد بلوان ينظر أيضًا إلى الوعاء، وعندما ازداد البخار، وصار الماء أبيض اللون، أمر برفع الوعاء من على النار، وأن يحضروا أحجارًا لا تمتص الماء. فتقدم القورباشي فجأة وأمر قائلاً: احضروا الأحجار، فأحضر ثلاثة من الشباب ثلاث كتل حجرية كبيرة يئنون من حملها، وألقوها أمام أحمد بلوان، فطلب منهم أن يضعوا كل واحدة على حدة، ثم اختار حجرًا يبلغ وزنه أربعة كيلو جرامات، وقال: أنا لا أطمئن إلى أن هذا الحجر لا يمتص الماء، ثم أمر أن يقوموا بنحته على شكل آلة حرث الأرض.

فأمر القورباشي قائلاً: أنجزوا هذا العمل، فاستعد شاب قوي البنيان بشفرة النحت التي يستخدمها الطحانون لصنع الطاحونة، وبدأ في نحت الحجر.

ثم التف أحمد بلوان إلى الطبيب، وقال له: الآن يلزمني دماء شخص، ففكر الطبيب وقال له: من أين تأتي بالدماء؟

فصاح أحمد بلوان مخاطبًا القورباشي: سيدي إنني أريد دمًا، أصدر أمرًا بأن يقطعوا إصبعي.

فدوى في صحن الفناء الواسع صياح وضجيج يعبر عن القلق، وفجأة هدأ الصياح.

فكر القورباشي وهو يمشط لحيته المجمدة بأصابعه، وقال في مسكنة: إذن الأمر يتطلب أن تفك قيد يديك.

فسأله أحمد بلوان وهو ينظر إليه نظرة جريئة: لم لا؟ لعلك تخشاني؟

وكانت أصبع القورباشي التي تعبث في لحيته ترتعد، كما ازداد احمرار وجنتيه اللتين امتلأتا بالثقوب والحفر بسبب الجدري، فبدت هذه الحفر أكثر وضوحًا.

ثم صاح: فكوا القيد من يدي هذا الوغد، فاستل رجلان سيفيهما من غمديهما ووقفا على يمينه ويساره، ثم أمر الجلاد قائلاً: استل سيفك ودقق النظر.

وأشهر الرجال الثلاثة سيوفهم والتفوا حول أحمد بلوان، ومزقوا الحبل بمدية فسقط على الأرض، فرفع أحمد بلوان يديه اللتين كانتا مغلولتين إلى أعلى وهز رأسه، ثم أمر قائلاً: احضروا لي قطعة خشب كبيرة وكأسًا صغيرًا، فأحضروا قطعة الخشب والكأس، فأشار أحمد بلوان أن يضعوها، كما نادى الطبيب قائلاً: أيها الطبيب قف هنا وأمسك الكأس.

فنزل الطبيب من جوار القورباشي، وحمل الكأس ووقف في المكان الذي أشار إليه، ثم ركع أحمد بلوان، وأغلق أصابع يده اليسرى الأربعة، ووضع إبهامه على سطح الخشب.

وعم الصمت حتى أصبح في الإمكان سماع أي صوت صادر عن تحليق فراشة، وفجأة انهار أحد المتفرجين، وامتقع لونه، وأغمض عينيه، وكأنه لم يسمع من قبل زئير الأسد، أو صليل السيف.

وحينما فتح عينيه كان أحمد بلوان قد وقف في استقامة رافعًا يده المبتورة الأصبع إلى أعلى، والطبيب يضغط على موضع قطع إبهامه من أجل إراقة الدماء في الكأس، ووجه أحمد بلوان يتلألأ من غزارة قطرات عرقه، ويتنفس في صعوبة.

وحينما نظر الطبيب بطرفة عينه وجد الكأس مملوءًا إلى حافته، فأدار يده في سرعة، بينما كان أحمد بلوان في نفس اللحظة يختلس النظر إلى إصبعه حتى توقف تدفق الدم، ثم سأل: هل الحجر موجود؟

فرد القورباشي في أثره وكأنه رجع صدى، هل الحجر موجود؟ ثم أضاف دون أن يدرك ما يقوله: أحضروه هنا!

وحتى هذه اللحظة لم يكن القورباشي يشك أن أحمد بلوان يريد أن يخدعه، وينجو من الموت، ولكنه كان واثقًا ثقة عمياء في أن هذا الرجل الغامض سيستطيع أن يعيد الإبصار إلى عينه العوراء، ورق قلب القورباشي له، فأصبحت أحاسيسه خليطًا من الشفقة عليه، والخوف منه، إذ بدأ ينظر إليه بنظرات أقل شراسة، وهو يزاول عمله ويصدر أوامره وكأنه القورباشي.

وكان الشاب القوي البنيان قد أحضر الحجر منحوتًا على شكل آلة حرث الأرض، وشرع الطبيب يمسح في الحجر، كما كان يراقب عن كثب وصفة أحمد بلوان المطبوخة في الوعاء، وكان ينتقل هنا وهناك في سرعة غير عادية أفقدته وقاره وهيبته، ذلك لأنه لم يساوره الشك في أحمد بلوان على الإطلاق، بل كان يظن أنه سيكشف له السر العظيم الذي يعد خدمة جليلة لمرافقي القورباشي.

وحمل الطبيب الحجر، وذهب به إلى حيث تهب الرياح لتجففه بناء على طلب أحمد بلوان، وفي نفس الوقت جال بخاطره قول أحمد بلوان: إنه الشخص الذي يعرف كيف يعيد البصر لكل أعور، ثم يصبح هو نفسه بعد ذلك أعور، ولكن تدارك نفسه وخشي أن تتعثر قدمه في شيء فيقع الحجر من يده، ثم سرعان ما غلبه تفكير آخر، فقال في نفسه: (إنني سوف أشفي الأغنياء، وأصبح غنيًا، وبتلك النقود سوف أجعل أي فقير يوافق أن يصبح أعور بدلاً مني). ثم وضع الطبيب النشوان الحجر في مهب الرياح، وواصل النظر إلى أحمد بلوان.

فقال أحمد بلوان: إنني أنجز كل الأعمال بنفسي، والطبيب أيضًا قد أنجز أصعب مهمة تليق بشخصه، ثم شايعه أحمد بلوان نظرة، ووضع يده الجريحة على كتفه بعد أن أوقف نزفها، وعاد ببطء إلى جانب القورباشي وباحترام قال له: سيدي هل تأذن لي أن أستريح حتى يجف الحجر؟ فقال القورباشي في عجلة: استرح، استرح. فجلس أحمد بلوان القرفصاء وسط ثلاثة رجال مطأطئًا رأسه، وقد أنهكه التعب، ثم وضع يده ذات العاهة على ركبته، وغلبه التفكير، فتعجب مما حدث له، وأخذ يفكر في أمر نفسه: أهو ذلك القروي وقد جلس يستريح قليلاً، ثم يعود لمزاولة العمل في الحقل مرة أخرى؟ أم هو ذلك الرجل المحكوم عليه بالإعدام، وقد جلس يستريح انتظارًا لتنفيذ حكم الإعدام الصادر ضده من القورباشي؟!

وكان القورباشي في تلك الأثناء ينظر إلى هذا الرجل الشارد، كيف يستمتع بالراحة رغم كل ألوان العذاب التي لقيها؟ ولكنه لم يستطع أن يدرك أي عذاب هذا الذي يعتصر قلب أحمد بلوان وهو مستغرق في لحظات الراحة هذه!

وفكر القورباشي وقال في نفسه: (هل يوافق هذا الشيطان على أن يكون من رجالي، لكان وحده بعشرة رجال)، ولكن غضبه المختلط بالإعجاب في نفس الآن كان يعتصر قلبه؛ لأنه استطاع أن يتغلب على الحجر بكسره، ولكنه لم يستطع التغلب على بلوان.

وبينما كان القورباشي يمشط لحيته بيده، ومستغرقًا في التفكير، مال أحد أعوانه إلى كتفه، وهمس في أذنه قائلاً: سيدي إن الوقت يمضي!. فارتجف القورباشي فجأة وقال بصوت مخيف: هيا، متى تبدأ عملك؟

وفي تلك الأثناء كان أحمد بلوان يرفع رأسه، فأجاب في هدوء: الآن يا سيدي. إنني أعتقد أن الحجر قد جف، فأصدرْ أمرًا بإحضاره.

فنفذ الشاب الضخم البنيان الأمر في عجلة، فأخذه أحمد بلوان منه، وباحتراس وضعه بجوار الثلاثة أحجار الأخرى، وقال: سيدي قبل أن أبدأ علاجي، أريد شيئًا.. فقاطعه القورباشي قائلاً: أتود أن أتركك تعيش؟ ثم أضاف ونيران غضبه تتطاير شررًا من عينه المبصرة: كلا أيها الرجل، لا يمكن خداعنا بهذا العمل، لا يمكن هذا، فدم الأفندي رهينة في رقبتك.

فقال أحمد بلوان في أسى وكأنه يؤيد حق القورباشي: سيدي الحق معكم ما دام الأفندي ساعدكم الأيمن، كما تقولون.

قال القورباشي في وقار وعظمة: لقد كان جنديًا شجاعًا! فأقر أحمد بلوان في صدق: لقد سمعت هذا، بل سمعت أكثر من هذا، أنه عندما طرده الحاكم الأجنبي من قصره الأبيض الذي كان يقع على ساحل البحر، رفض الأفندي أن يعود إلى وطنه.

فهز القورباشي رأسه، وانتبه إليه، فواصل أحمد بلوان حديثه بنفس الجدية والاستقامة حيث قال: ثم ماذا حدث بعد ذلك، هل حرر الأفندي وطنه؟ لا بل بقي غريبًا في بلدتنا! وماذا كان يفعل في بلدتنا؟ سيدي! لا تتعب نفسك بالإجابة علي، فسأتولى الإجابة بنفسي: إن الأفندي– رفيقكم- شن الهجوم علينا، إن رفيقكم أحرق قرانا، إن رفيقكم قتل الناس، وسلب ممتلكاتهم.

ثم نظر أحمد بلوان إلى القورباشي في حدة وجرأة، وصاح قائلاً: من أجل هذا أنا قتلته. فصاح القورباشي في عصبية شديدة ويده تبحث عن مقبض الخنجر: كلب، جبان! فصاح الطبيب بصوت عالٍ من ناحية اليسار: العلاج! لقد نسيتم العلاج! ثم مد ذلك الرجل المسن يده القصيرة الصفراء، وهمس من ناحية اليمين بصوت خافت: سيدي لا تنخدع! فهذا النذل الخسيس يفكر تفكير المحتضر!

في ذلك الحين كان القورباشي يتنهد ويزمجر، ثم قال موجهًا حديثه إلى الطبيب: أصبت فيما تقول، ولكنكم تتركون هذا الكلب يحمي نفسه بمدية أثناء مزاولة لعبته هذه، ثم وجه قوله إلى أحمد بلوان قائلاً: أتسمعني أيها الخسيس أم لا؟

فأجاب أحمد بلوان بمزيد من الاحترام: نعم إنني أسمعك يا سيدي، ولكن أتأذن لي، فكم أود أن أعرف هل أنتم الآن في ثورة غضبكم؟ فلم يستطع القورباشي الصمت على الإجابة على هذا السؤال. وقال: لمَ تريد أن تعرف هذا؟

فرد أحمد بلوان: لأني كم أخشى ثورة غضبك على هذا النحو، بقدر ما أخشى هدوءك.

فلم يستطع القورباشي للمرة الثانية أن يتمالك نفسه، وأجاب متعجبًا: إنني لا أفهمك.

فرد أحمد بلوان: بل أنت تفهم، إنني أريد أن أشفيك، أليس كذلك؟ إذن فينبغي أن أكون خائفًا؛ لأنه حينما يعود البصر إلى عينك الكفيفة، فسوف أكافأ بالعفو والصفح عن قتلي!

فأجاب القورباشي في عصبية: إنني أرى أنك تتمادى في وقاحتك، فرد أحمد: صبرًا سيدي، إنني حتى الآن لم أكمل حديثي. فرد القورباشي: تحدث، ولكن باختصار.

فأجاب: حسن جدًا يا سيدي، هذه يدي ذات العاهة، وهذه أيضًا عيني، حينما أعطيك نور عيني هذه.

فقاطع القورباشي كلام أحمد بلوان قائلاً: هذا معروف، وماذا بعد؟

فرد أحمد بلوان: وبعد يا سيدي.. إنني لا أريد أن تبقيني حيًا، فما قيمة الحياة بالنسبة لي أنا الفقير حينما أصبح أعورًا، وأشحذ في السوق طالبًا الصدقة؟

فقال القورباشي: كلامك كله حكمة، وفجأة قهقه قهقهة قصيرة، ثم قال: ولكن ما الذي جعلك تعتقد أنني أريد أن أبقيك حيًا.

وكان أحمد بلوان على وضعه جالسًا القرفصاء، فنهض ووقف مستقيمًا، ونظر إلى القورباشي نظرة كلها تهكم، وقال: إنني أشك يا سيدي.

فاعترض القورباشي قائلاً وهو يطمئنه طمأنينة تخفي وراءها شرًا: كلا، لا تشك إنك تعلم أنني سأقتلك بمجرد أن تنتهي من علاجي.. ولهذا السبب سوف لا تتعجل في علاجي، أليس كذلك؟

فرد أحمد بلوان: كلا يا سيدي ليس الأمر كذلك، إنني مستعد أن أبدأ العلاج، ولكن أولاً يجب أن أطمئن.

تطمئن إلى أي شيء؟

إلى أنك ستقتلني.

هذا آخر ما قلته لك.

سمعت هذا يا سيدي.

إذن فماذا تريد؟

إنني أريد أن أقول بضع كلمات لفتيانك.

لماذا؟

بل قل أنت، لمَ تبدو عصبيًا؟

أنا لست عصبيًا.

بل يجب أن تكون أكثر عصبية.

وماذا سيحدث لو لم أسمح لك بأن تقول هذيانك وهراءك لفتياني؟

فضحك أحمد بلوان في سخرية، وأجاب على السؤال في جرأة: هذا يعني أنك تجهل هذياني وهرائي.

فاغتاظ القورباشي، وأدار رأسه إلى حراسه وزمجر وكأنه يسأل نفسه قائلاً: ماذا يحدث لو أنني أمرتهم بأن يطيحوا رأسك أيها الأحمق بسيوفهم؟ فقال أحمد بلوان: وكيف تبقي عينك عوراء؟

فأطاح القورباشي بالوسائد في وجهه، وصاح قائلاً: قل أيها الشيطان الخبيث عبثك وهراءك.

فقال أحمد بلوان: حسنًا يا سيدي. وفي سرعة هائلة اعتراه الهدوء والسكينة بدلاً من الجرأة والوقاحة، ثم طأطأ رأسه في ذلة أمام القورباشي الذي صاح قائلاً: لست أنا، لا تقل لي. ثم أشار بيده إلى فتيانه الذين يترقبون في حرص وولع ماذا سيروي عليهم الآن.

أدار أحمد بلوان وجهه صوب الفتيان الذين كانوا قد جلسوا مصطفين على الأرض ينظرون إلى وجهه، وقد انعكست عليه أشعة الشمس المنحدرة نحو الغروب.

ثم صاح بصوت عالٍ قائلاً: أيها الناس! إنكم تنظرون إليّ وتقولون: أي أحمق هذا الذي قطع إصبعه عن يده، ثم يريد أن يعطي نور عينيه إلى ألد أعدائه، أي القورباشي، أيها الناس، لا تتعجبوا من هذا الأمر، فأنا أعطي إصبعي وعيني فقط، ولكنكم تمزقون أنفسكم وتعطونها لعدوكم، فأنتم تطلقون الرصاص على أنفسكم، لأنه يقتل آباءكم وإخوانكم، ويشعل النيران في قراكم، فلا تعتقدوا أنني فقدت عقلي من شدة الخوف، فامضوا واسلخوا لحم بدني عن عظامه، امضوا واصحنوا عظامي بالهون، فأنا مستعد لأي شيء لكي تدركوا حقيقة كلامي أيها الناس، لم يعد يبقى على موتي سوى ربع ساعة، ولكنني قبل أن أموت أريد أن أعرف من أجل من تخبئون الأسلحة في باطن الجبال، وترسلون بإخوانكم كرجال سافكين للدماء؟ إنكم فقراء مساكين، فقولوا لي: من أجل من قد بدلتم آله الحرث بتلك البنادق الآثمة؟

فصاح القورباشي غاضبًا: اسكت اسكت أيها الخسيس! لكن أحمد بلوان صاح بصوت عالٍ قائلاً في شجاعة: عندما تقضي حكومتنا على البسمجية، يصبح هذا الأمر مقلقًا ومخيفًا للأغنياء الأقوياء، والسادة العظام، ولكن أنتم أيها الفقراء المساكين مم تخافون؟

فاشتاط القورباشي غضبًا، وأشار إلى الجلاد بأن يوجه إليه ضربة عنيفة، فنفذ الجلاد بلا وعي أمره، ووقع أحمد بلوان مترنحًا على أثر تلك الضربة، ولكن سرعان ما تمالك نفسه واستطاع الوقوف.

وفي تلك الأثناء أبعد القورباشي بيد مرتجفة يدي الطبيب والرجل المسن الضعيف من على كتفه، ثم اتجه إلى حافة المنصة، وصاح في وجه أحمد بلوان قائلاً: إنني تحملت مهاتراتك فترة طويلة، والآن استمع إلى كلامي أيها الرجل، توقف عن سخريتك هذه، فقد كنت على وشك أن أقتلك بسكين كبيرة كالحربة الضخمة، وليس بضربة سيف من الجلاد، ولكن قبل أن أقتلك سوف أصدر أمرًا للطبيب بأن يسلخ جلدك بحذر، وسوف ينفذون الأمر على أنغام تلك المطرقة، فلتسمع كيف تصدر المطرقة أنغامًا كلما طرقتها، بعد ذلك سيضرب الجلاد حلقك النجس بتلك السكين التي تراها، فأوقف عواءك، وأنجز عملك!

فحياه أحمد بلوان مقدِّمًا فروض الطاعة والولاء، وأفهمه بالإشارة أن يعطوا له الكأس، ففهم إشارته، ومسح أحمد بلوان الحجر بمحتويات الكأس، ثم أتى بحركات مبهمة أخرى، اجتهد القورباشي في أن يفهمها، ولكنه لم يفلح في ذلك مما أثاره، وأمره أن يوضح ما يريده بالكلمات.

فأمر أحمد بلوان أن يحضروا حطبًا، ويطووا أطرافه ويجعلوه ربطة، وبعد ذلك استدعى الطبيب وصاحب البيت على مقربة منه، وقال: يا صاحب البيت احمل ربطة الحطب، وأنت أيها الطبيب احمل الحجر.

وحينما انتهيا من تأدية ما كلفهما به، أصدر أحمد بلوان أمرًا إلى الرجل المسن بأن يشعل ربطة الحطب، ويحملها ناحية وجه القورباشي، فتشكك الرجل المسن وقال: هذا عمل غير ممكن؛ لأنه سيصيب عين سيدي السليمة.

فقال أحمد بلوان له: امض، ولتغطي عينه السليمة بمنديل! وحينما انتهى من الأمر، اختار الطبيب والرجل المسن الكثير الحركة ليركعا أمام القورباشي، ثم قال أحمد بلوان: الآن أشعلا الشمع. وانتبها حتى لا ينطفئ.

فأشعلا الشمع، فنظر أحمد بلوان إلى الشعلة، وخاطب الطبيب قائلاً: أيها الطبيب، احمل سن الحجر المشحوذ باستقامة إلى طرف العين الكفيفة، وحركه هكذا، وأشار أحمد بلوان بيديه إلى ما يجب أن يفعله، فرفع الطبيب الحجر عدة مرات وأمسكه وبدأ يحركه.

فصاح أحمد بلوان فيه: أفضل من هذا، أفضل من هذا، افعل كأم تهز طفلها برقة.

ومهما حاول الطبيب كان أحمد بلوان يصيح فيه: أيها الطبيب ليس هكذا. أعِد. وفي نفس الوقت يشعل الرجل المسن ربطة الحطب الرابعة، وكاد دخانها يخنق القورباشي المتعطش للشفاء.

وفي النهاية، نفذ صبر القورباشي، وأمر الطبيب الذي كان قد ضاق ذرعًا قائلاً: أيها الطبيب أعطه الحجر وانصرف، وليهزه بنفسه كما ينبغي.

وانحنى الرجل المسن مرتين على كتف القورباشي، وهمس في أذنه بشيء لعله كان يحذره من مغبة هذا العمل، فإذا بالقورباشي يسبه ويصيح في عصبية قائلاً: هل أنا أخشى ابن الحرام هذا؟ إذن فلما وقف الجلاد والحارسان بسيوفهم! انصرِف؛ هاهم يقتربون ويراقبون أيضًا.

فحملوا أحمد بلوان إلى مقدمة المنصة، ولازمه الحارسان والجلاد. فركع أحمد بلوان أمام القورباشي وقال: دع مستشارك العاقل يعصب عيني؛ حتى لا تنتابه الشكوك والمخاوف. فصاح القورباشي الذي كان يسعل من كثرة الدخان قائلاً: اعصب عينيه! فلما عصبت عيناه أمر قائلاً: الآن أعطوني الحجر.

فمد الطبيب يده وأعطاه الحجر، وتراجع إلى الوراء في خجل. فقال أحمد بلوان: أيها الطبيب، راقب الشمع؛ لأن سن الحجر يكون مستقرًا على الدوام أمام العين الكفيفة، سيدي سنبدأ.

وكلما هز أحمد بلوان الحجر ببطء، ازدادت شعلة الحطب توهجًا بسبب هذه الحركة، وكلما كان الدخان يتصاعد بكثافة، كان رأسا أحمد بلوان والقورباشي يقتربان من بعضهما البعض، وكانت شعلة الشمع ترتعد خلف المعالج والطبيب، وكان جميع الحاضرين ينظرون من خلفه إلى هذه الشعلة، وفي نفس الوقت يراقبون أحمد بلوان، ومع هذا فإن حركات يديه لم تكن ترى، لأن سن الحجر المشحوذ كان موجهًا دائمًا إلى العين، وحينما انحرف سن الحجر المشحوذ قليلاً، خشي الطبيب هذه المرة تحذير القورباشي، حتى لا يثور عليه كما حدث في المرة السابقة، أضف إلى ذلك أن المعالج صاح فيه قائلاً: انتبه إلى الشمعة! وفي ذات اللحظة التي شدت انتباه القورباشي والجميع لما يحدث؛ إذا به يفقأ عينه السليمة بالسن المدبب للحجر.

وفي اللحظة التالية، شقت ضربات سيف الجلاد الهواء، لتصيب أحمد بلوان، فهوى جسده على جثمان القورباشي.

وقبل أن ينظف الجلاد سيفه من دمه، إذا بقذيفة من أحد الفتيان ترديه قتيلاً، وعلى أثر ذلك دوت طلقات الرصاص، فقد بدأ رجال القورباشي الذي كان قد قتل يتقاتلون، واستمر هذا القتال الشرس حتى منتصف الليل، واشتعلت النيران في منزل الرجل المسن الشبيه بالخفاش حتى منتصف الليل، وتصاعدت ألسنة الحريق إلى السماء، وشاع في القرى المجاورة خبر موت القورباشي، الذي كان مشهورًا عند كثير من الناس بلقب (الفهد الأعور).

تحليل القصة:

هذه القصة بمفهوم أحداثها المباشر تحكي مأساة أحمد بلوان، ذلك الفلاح المسكين الذي كان يعيش في قريته لا حول له ولا قوة، ولكن الاضطرابات كانت تعصف ببلاده بسبب المقاومة المناوئة للسلطات الروسية.

ولتعاسة حظ أحمد بلوان- كما يقول المؤلف- فإن جنود النجمة الحمراء قد نجحوا في إصابة رفيق القورباشي الأعور- زعيم هذه العصابات- برصاصة، ففروا هاربين إلى المزارع والقرى.

ولما كانت السلطات الروسية تكن العداء للإقطاعيين، فلم يستطع القورباشي أن يلجأ إليهم بصديقه الجريح، كي يخفيه لديهم بعيدًا عن عيون السلطات الروسية، لذا نراه يبحث عن مكان آخر آمن لا يثير حوله الشكوك، ووجد هذا المكان لدى هذا القروي الفقير أحمد بلوان، فترك صديقه لديه، وطلب منه أن يضمد جراحه، ويخفيه بعيدًا عن جنود السلطات وجواسيسها، حتى يرسل في طلبه بعد أن يؤمن له مخبأ أكثر طمأنينة.

لكن أحمد بلوان بعد أن ضمد جراح صديق القورباشي، خشي بطش السلطات الروسية وفتكها به، فقام بقتله والتخلص منه بدلاً من تأمين سلامته، والحفاظ على حياته.

وبعد مضي سبعة وثلاثين يومًا أرسل القورباشي الأعور أحد رفاقه من الإقطاعيين إلى القروي أحمد بلوان؛ كي يطمئن على رفيقه الجريح، ويعود به إلى حيث يوجد القورباشي، فإذا به يجده قد قتل، فألقى القبض على أحمد بلوان، وعاد به إلى القورباشي الذي اشتاط غضبًا، وصمم على التنكيل به وقتله.

ثم يصور الكاتب بعد ذلك أن بطل القصة أحمد بلوان استخدم ذكاءه في خداع القورباشي الأعور، مستغلاً نقطة ضعفه، وهي فقدانه إحدى عينيه، فأعطاه الأمل في إعادة البصر إليها بوصفة يعرفها، على أن يفك قيده، كي يقوم بالخدمة على خير وجه!

ولما كانت حاسة البصر من أغلى الحواس بالنسبة لإنسان، فقد استغلها الكاتب لتحريك الأحداث، فوجدنا القورباشي الأعور قد خضع مع جبروته وبأسه إلى أحمد بلوان، الذي استغل حيلة ذكية، وقام بقتل القورباشي الأعور بفقأ عينه الأخرى، ثم خرّ هو صريعًا بضربة سيف قاضية من الجلاد، ولهول ما حدث دبت الفرقة بين رفقاء القورباشي، فصاروا يتقاتلون.

ولكن أنهى الكاتب قصته بمقتل القورباشي عدو السلطة السوفيتية، بعد أن راح ضحيته الفلاح المسكين أحمد بلوان.

لكن بعد عرضنا لأحداث القصة، يتضح لنا أنها تصور نضال المقاومة الشعبية التي قامت في تركستان منذ عام 1918 حتى عام 1932، التي سبق أن أشرت إليها من خلال تناول شخصية أحد زعماء الكتائب الفدائية.

كما أن كاتبها السيد عبد الله القهار هو أحد كتاب الثلاثينيات من هذا القرن، الذين دفعت بهم السلطات الروسية للكتابة ضد المجاهدين، وأعمالهم الفدائية، فعالج أحداث القصة معالجة تهدف إلى تشويه أهداف الحركة الفدائية الوطنية، وتشكيك الرأي العام في قداسة أهدافها، وكسب طبقة الفلاحين، وهم أكثر من نصف الطبقة العاملة التي يقوم عليها المذهب الشيوعي، وذلك من خلال تناوله لشخصية بطل قصته أحمد بلوان، ذلك الرجل القروي الذي اتخذه رمزًا لهذه الطبقة، ويوضح هذا تحليلنا للقصة.

أولاً: شوه الكاتب صورة القورباشي الأعور بتعريفه في القصة على أنه رئيس أشرار ضد  (بسماج) زعيم قطاع الطرق المناوئين للسلطة الذين يطلق عليهم البسماجية. وطبيعي أن السلطات الروسية ستصف أعمالهم الفدائية بأنها أعمال قطاع الطرق واللصوص تشويهًا لكفاحهم المقدس، وبطولاتهم التي تهدد الكيان السوفيتي في الجمهوريات الإسلامية من الاتحاد السوفيتي.

كما أن وصف القورباشي بأنه أعور يفيد بأن الكاتب قد قصد شخصية حقيقية، هي شخصية المجاهد شير محمد بك، زعيم كتيبة الفدائيين بفرغانة، حيث كان العور سمة مميزة انفرد بها بين سائر زعماء الكتائب.

ثانيًا: سخَّر الكاتب بطل قصته الفلاح أحمد بلوان في تحقيق كل ما تهدف إليه القصة، فراح يشكك الرأي العام للشعب التركستاني في قداسة حركة المجاهدين الوطنية، من خلال تصويره لأعمالهم الفدائية على أنها أعمال تخريبية، تجلب من ورائها الدمار والهلاك للناس والوطن، فجاء ذلك في أكثر من موقف في القصة، في هيئة نصائح يوجهها الفلاح أحمد بلوان لأبناء وطنه ورجال القورباشي؛ حتى يفيقوا من غفلتهم، وانخداعهم بمبادئ حركته، نذكر منها هذا الموقف إذ يقول فيه: (ثم صاح بصوت عالٍ قائلاً: أيها الناس إنكم تنظرون إليّ وتقولون: أي أحمق هذا؟ ذلك الذي يقطع أصبعه عن يده، ثم يريد أن يعطي نور عينه إلى ألد أعدائه، أي (القورباشي)، أيها الناس، لا تتعجلوا من هذا الأمر، فأنا أعطي أصبعي وعيني فقط، ولكنكم تمزقون أنفسكم وتعطونها لعدوكم، فأنتم تطلقون الرصاص على أنفسكم، لأنه يقتل آباءكم وإخوانكم، ويشعل النيران في قراكم( ).

كما هدف الكاتب إلى تشكيك الرأي العام في الهدف الوطني لحركة المقاومة الفدائية بوسيلة أخرى، وهي رسم صور كاريكاتيرية قبيحة ومنفرة للقورباشي الأعور ورفاقه، ووصفهم بالجهل والفشل، وعدم الإخلاص لوطنهم، بهدف تنفير القارئ منهم، وعدم تعاطفه معهم، وإقناعهم في النهاية بأن هذه الحركة ليست وطنية، بل هي حركة تمرد فوضوية مصيرها الفشل، وقد صور الكاتب فشلها بقتل القورباشي الأعور على يد الفلاح أحمد بلوان، الذي ضحى بروحه من أجل وطنه، ثم انشقاق رجال القورباشي على أنفسهم، فصاروا يتقاتلون.

ولنتناول كل شخصية من هذه الشخصيات على ضوء ما وردت في القصة؛ لنتبين مدى صدق ما نقول:

استخدم الكاتب العنصر النفسي في التأثير على القارئ، فرسم أصحاب الحركة، خاصة من أبناء وطنه، في صورة كاريكاتيرية قبيحة منفرة تبعث على الاشمئزاز والنفور منهم، فنجده يصف القورباشي الأعور بأنه كان يلبس عصابة على عينه الكفيفة، أما عينه المبصرة فتتقد شررًا وشراسة وكأنها عين ذئب، ووجهه ممتلئ بالثقوب والنتوءات بسبب الجدري الذي أصابه، وكان ذات لحية مجعدة، غليظ القلب، عديم الرحمة والشفقة، لا يفكر في العفو عن الفلاح المسكين أحمد بلوان الذي ظلمته الأقدار، وضحى بعينه وأصبعه في سبيل استرجاع الإبصار لعينه الكفيفة، بل هو مصمم على التنكيل به وقتله.

وعلى الرغم من أنه كان يمثل الطبقة المستنيرة لأبناء الشعب، إلا أنه صاحب عقلية جوفاء متخلفة تعتقد في الخرافات والسحر، فدفع حياته ثمنًا لتخلفه، حيث استطاع بطل القصة أحمد بلوان الذي يعد رمزًا لعامة الشعب أن يخدعه بحيلة ذكية، عبارة عن وصفة يقوم بإعدادها من أجله، فتعيد البصر إلى عينه الكفيفة، ثم انقض عليه وقتله، وقدم بذلك إلى بلاده خدمة جليلة.

وهذا يوضح لنا مغزى الكاتب من العنوان الذي اختاره لقصته، وهو (بصيرة العميان)؛ فالفلاح أحمد بلوان- بطل القصة- ما هو إلا رمز لطبقة الفلاحين البسطاء الذين يتخبطون في جهالتهم، لذا فهو أشبه بالعميان، ومع هذا فقد استطاع أحمد بلوان بذكائه وبصيرته، أن يقضي على القورباشي الأعور عدو الشعب.

أما الشخصية الثانية من أبناء التركستان، فهو صاحب البيت، فصوره لنا مسنًا قصير القامة، شاحب اللون، كثير الحركة والاهتزاز، أشبه بالخفاش، وهو في القصة رمز لطبقة الملاك الأغنياء من الشعب التركستاني التي تساند القورباشي.

كما أن تشبيهه بالخفاش له دلالته في القصة، وهي أن هؤلاء الملاك الذين يساندون القورباشي في حركته لا يستطيعون العمل في وضح النهار، بل إنهم يتخفون أمام حقائق الحياة ونورها، ثم يظهرون مع ظلمة الليل، والرغبة في العودة إلى ظلام العصور السابقة، قبل أن يبزغ فجر الثورة الشيوعية، ويقضي على جورهم، وقد أشار الكاتب إلى أن الثورة لابد وأن تنتصر على هؤلاء الإقطاعيين، وذلك في حديثه عن الحريق الذي دمر بيت ذلك المتآمر مع القورباشي، فهذا الحريق لم يحرق دارًا، بل أحرق طبقة مناوئة للثورة.

أما شخصية إسماعيل أفندي، الساعد الأيمن للقورباشي، الذي قام بقتله بطل القصة أحمد بلوان، فقد صوره الكاتب كرجل متمرد سافك للدماء، خائن لبلده، رفض أن يعود إليها ليشارك أهلها في تحريرها من المستعمر الأجنبي، ويبدو ذلك فيما دار على لسان أحمد بلوان للقورباشي:

(ماذا حدث بعد ذلك، هل حرر الأفندي وطنه؟ لا، بقي غريبًا في بلدتنا. وماذا كان يفعل في بلدتنا؟ إن الأفندي رفيقكم شن الهجوم علينا، إن رفيقكم أحرق قرانا! إن رفيقكم قتل الناس، وسلب ممتلكاتهم!( ).

والواضح لنا من هذا الحوار أن إسماعيل أفندي هذا كان رجلاً أفغانيًا، ويؤكد هذا ما سبق أن ذكرته عند حديثي عن تاريخ الشعب التركستاني من تأييد ومساندة أفغانستان للتركستان.

كما لا يستبعد أن يكون إسماعيل أفندي أوزبكيًا ممن يعيشون في أفغانستان؛ فالمعروف أن هناك بعض الأوزبك يقيمون في البلاد المجاورة للاتحاد السوفيتي، وتثبت إحصائية عام 1970م الخاصة بأفغانستان أنه بلغ عدد من يعيش بها من الأوزبك مليونًا ونصف مليون( ). فلما شهد حركة المقاومة الفدائية في بلاده ضد الغزو الروسي، أسرع بالانضمام إليها.

أما الطبيب الهندي، فقد صوره الكاتب في صورة الرجل الهارب من بلاده بسبب دسائس زملائه الجهلاء، كما أنه جاهل في عمله، فهو لا يعرف كيف يشفي نفسه من مرض الملاريا الذي يعتريه، وبلغ به جهله أنه غمرته السعادة باعتقاده أن سر وصفة أحمد بلوان لإعادة البصر للقورباشي كسب عملي، يستطيع بواسطته العودة إلى بلاده؛ ليشفي الأغنياء، مستغلاً عدم ضميره، وضعف خلقه في شراء نفوس الفقراء، ويبدو ذلك فيما ورد على خلده (فقال في نفسه: إنني سوف أشفي الأغنياء، وأصبح غنيًا، وبتلك النقود سوف أجعل أي فقير يوافق أن يصبح أعور بدلاً مني)( ).

وهكذا ترتبط النوازع نحو الغنى في المجتمع الشيوعي بطرق غير مشروعة من سرقة، واختلاس، وتدليس، ودجل.

أما الهدف الأخير الذي سعى الكاتب إلى تحقيقه في القصة، فهو إثارة الطبقة العامة ضد المذهب الشيوعي بالبلاد، ويبدو ذلك في حديث بطل القصة أحمد بلوان إلى زملائه الفلاحين ورجال القورباشي كي ينفضوا عنه، فيقول:

(ولكنني قبل أن أموت أريد أن أعرف من أجل من تخبئون الأسلحة في باطن الجبال، وترسلون بإخوانكم كرجال سافكين للدماء؟ إنكم فقراء مساكين! فقولوا لي: من أجل منْ قد بدلتم آلة الحرث بتلك البنادق الآثمة؟)

ثم يواصل حديثه فيقول: (عندما تقضي حكومتنا على البسماجية، يصبح هذا الأمر متعلقًا ومخيفًا للأغنياء والأقوياء، والسادة العظام، ولكن أنتم أيها الفقراء المساكين مم تخافون؟

غير أننا بعد هذا التحليل نستطيع أن نصل إلى النتائج التالية:

أولاً: تأييد الشعب التركستاني بمختلف طبقاته لحركة المقاومة الفدائية، ومشاركته فيها، بالإضافة إلى مساندة الأجانب المقيمين بالبلاد من هنود وأفغان لها.

ثانيًا: تأكيد ما أثبته التاريخ لطبيعة عمل الكتائب الفدائية، وهي أنها كانت تقوم ليلاً بسبب عدم توازن القوى بينها وبين القوات الروسية، بالسطو على مخازن أسلحتها وذخيرتها- تلك المخازن التي زودت بأحدث أسلحة العصر- والاستيلاء عليها، وتخبئتها في باطن الجبال، التي أسهمت بها طبيعة تضاريس بلادهم، ومحاربة القوات الروسية بها، مما كان يهدد أمن الحكومة السوفيتية، ويجعل مهمة القضاء عليها من الأمور الصعبة، ويبدو هذا فيما ورد من قبل على لسان أحمد بلوان لرجال القورباشي من أبناء وطنه في قوله: (من أجل من تخبئون الأسلحة في باطن الجبال؟)، وأيضًا فيما دار على لسان الكاتب عن القورباشي، إذ يقول: (فتذكر على الفور أنه في وقت الغروب يجب أن يتوجه فرسانه للإغارة على القرية المجاورة، من أجل تصفية الحساب مع الأعداء، حيث لم يكن هذا الحساب قد انتهى بعد.

ثالثًا: على الرغم من أن كاتب هذه القصة من كتاب السلطات الروسية الذين دفعت بهم للكتابة من أجل تشويه العمل الفدائي، إلا أن عصبيته لبني وطنه قد غلبت عليه في بعض المواقف من القصة، وهي:

1- ذكر في حديث القورباشي الذي ورد في الفقرة السابقة أنه وقت الغروب، ويجب أن يتوجه فرسانه إلى القرية المجاورة لتصفية حساب مع الأعداء، فكلمة الأعداء هنا تعني القوات الروسية، وكان الأجدر به أن يذكر عبارة جنود النجمة الحمراء، كما ذكرها أكثر من مرة في القصة.

2- على الرغم من أن محور القصة قد دار حول حيلة بطلها أحمد بلوان الذكية، ونجاحها في القضاء على القورباشي عدو السلطة، وما يعنيه هذا من تحالف الطبقات الكادحة مع الثورة الشيوعية، إلا أن الكاتب نسي نفسه فتركها على سجيتها، حيث تحدث عن الخوف الذي بثته الثورة الشيوعية في نفوس المواطنين، فقد ذكر أن أحمد بلوان بعد أن ضمد جراح إسماعيل أفندي، رفيق القورباشي، قتله لا من أجل الانتقام منه كما فعل القورباشي، ولكن خشية ألا يعود القورباشي ليأخذه، فتفتك به القوات الروسية، ويبدو ذلك فيما ورد على لسان الكاتب فيقول: (لم ينتظر أحمد بلوان شفاء الأفندي أو موته، لذا سارع بتوفير الراحة الأبدية له، بأن ضربه ضربة فأس قوية أودت بحياته، وذلك خوفًا من ألا يعود رفيقه لاستعادته).

وهذا يوضح لنا ما كان يسود البلاد في ذلك الوقت من تعسف وإرهاب، بحيث أنه قتله خوفًا من بطش السلطات به، وليس للانتقام من الأفندي كما فعل بالقورباشي، وتقديم خدمة جليلة لسلطات بلاده.

3- إن ما ورد على لسان الكاتب (وشاع في القرى المجاورة خبر موت القورباشي القاسي، الذي كان مشهورًا عند كثير من الناس بلقب الفهد الأعور).

ما هو إلا اعتراف صريح بإعجاب الناس به وبشجاعته، وأن أخباره ونضاله كانا حديث الناس، ومثار إعجابهم، مما يثبت أن هذا القورباشي كان بطلاً شعبيًا، وليس متمردًا كما تحاول القصة أن تصفه.

وأخيرًا، في ختام حديثنا نستطيع أن نتبين من خلال هذه القصة، أن الكاتب هدف إلى تزييف نضال الشعب التركستاني الباسل، والتشكيك في قداسته، عن طريق نسب الأعمال الإجرامية والتخريبية إليهم، والتركيز على إبراز الخسائر الناجمة عن هذا النضال من تشريد وضياع وفقر، بغية تنفير الشعوب التركستانية من حركة النضال الوطني، وتأييد موقف السلطات الروسية تجاهها.

هذا بالإضافة إلى أن هذه القصة تؤكد أن نضال المقاومة الشعبية الوطنية ضد الغزو السوفيتي كان نضالاً باسلاً ذا هدف سام صنعه أصالة هذه الشعوب، وإيمانهم العميق بخالقهم، وتمسكهم بدينه القويم.

اترك رد