الحلقة الأولى

يقلم / زكرياء بوغرارة كاتب مغربي

مقدمة

في خطوة جريئة نكشت صحيفة مغربية بعض المسكوت عنه فيما له صلة بالحاالة الاسلامية لتيار السلفية الجهادية التي لم تزل تعاني من التضييق والاقصاء حتى داخل الوحدات المحسوبة على التيار الاسلامي وفصائله العلنية ناهيك عن التيارات الاخرى المعادية لها والتي تتعمد اقصائها وبخسها حقها… نشرت الجريدة ملفا بعنوان قصص صحافيين ومقالات اغضبت القصر فهيجت عزمي للكتابة عن المسكوت في ملف اعتقالي إبان احداث الدار البيضاء فقد قال الناس ولم أقل شيئا عن تلك الايام الفاصلة الآن جاء دورنا في البيان خاصة و أن إحدى المقالات التي اغضبت القصر في تلك الاحداث الكبرى كانت بقلمي وأراقت الكثير من الحبر وجادت فيها القرائح المقيحة بكل لون من ألوان الكذب والصديد والدجل الاعلامي الذي أزكم الانوف في تلك المرحلة الصاخبة من تاريخنا المعاصر لأول مرة أروي قصة تلك المقالة التي أغضبت بالدرجة الاولى الجنرال حميدو لعنيكري -كما قيل لي ايام التحقيقات- ثم السر الكامن وراء كونها السبب الرئيس في اعتقالي ومكثي لآخر يوم في المعتقلات المغربية

أكشف من خلالها اللثام عن تفاصيل اجراء اول حوار معي من طرف مجلة عربية كان المسمار الثاني في نعش حريتي التي اقبرت بعدها في مذبحة ليس لها نظير في تاريخنا المعاصر …

والدور الذي اداه اعلامنا بجدارة في محاكمتنا قبل المثول امام قاضينا غير الطبيعي في ظروف استثنائية ضمن ما سمي بمحاكمة اليوم الواحد… واشياء عن مرتزقة الاقلام وقد جندوها لتشويهنا وبخسنا حقنا حتى في توصيفنا التوصيف المنطقي ككاتب اسلامي لا كما يروج الادعياء ولازالوا… إذ يقدمون مقالتنا التي أغضبت القصر على أنها لسلفي… ان تجريدنا من هويتنا ككاتب وصاحب قلم وحصرها في مفردة ضيقة’’ سلفي..’’ هي من ابلغ الانحطاط الذي لازال إعلامنا العبد يكمن في مربعه المغلق .. يرانا من خلال منظاره الاسود وكأننا لسنا بشيء بينما لو تنازلنا عن هويتنا لصالحهم وانسلاخنا مما يميزنا عنهم لصرنا في حسهم كتابا وحملة اقلام واصحاب رأي يشار لهم بالبنان اما ونحن في مربع اصحاب العقيدة والرأي والحق والمبدأ فلا نعدو عند اعلامنا الكسيح سوى ’’سلفي..’’. بما تعنيه عندهم من رجعية واقصائية و تحجر… إنه منطق عدمي لايزال يكيل لنا الكيل بالمكيالين

الآن كشف حساب …

من سفر التجربة

مغرب ماقبل احداث الدار البيضاء قراءة في المشهد

مما لا شك فيه أن بدايات انخراط المغرب ضمن الحرب الكونية التي سميت بمكافحة الارهاب تعود لما قبل احداث الحادي عشر شتنبر العام 2001 م وقد شهدت انطلاقها قبيل الاحداث الى ان اصبحت في ذروتها العام 2002 م ثم بلغت القمة بعد احداث الدار البيضاء العام 2003م…

بعد احداث الثلاثاء الأسود شرفني الله بان كنت احد الضيوف الاوائل الذين وصلوا للمعتقل السري.. يومها كان العدد ضئيلا واذكر انني بعد اطلاق سراحي واثناء رحلة اعادتي لمدينتي باشراف من الجهاز المعروف سمعت احد الحراس يقول لصاحبه ان الجنرال سيغضب جدا لان العدد باطلاق هذا سيقل وستخلو الدار فأجابه صاحبه متهكما بالعكس الايام القادمة ستمتلأ الدار لأن شهية المعلم مفتوحة جدا هاته الايام…

وبالفعل كانت الايام التي تلت بدايات العام 2002م فاصلة في حجم المعتقلين داخل معتقل تمارة السري…

هنا برزت لنا قضية السعوديين او ما سمي بخلية القاعدة وبعدها مجموعة يوسف فكري… التي ادمجت مع الاخوة المعتقلين العائدين من افغانستان..

وسرعان ما بدأ طبخ قانون مكافحة الارهاب الذي قوبل برفض منقطع النظير من كافة اطياف المجتمع المدني وجمعياته وأحزابه حتى انني اذكر مشاركتي في احدى الفاعليات لمناهضة هذا القانون قبل احدا ث الدار البيضاء

عندما نقول احداث الدار البيضاء نعني المصادقة على القانون المثير للجدل المجهض للحريات السيف المصلت على كل الرقاب خاصة الشرفاء والاحرار….

في المغرب تاريخان تاريخ ماقبل احداث الدار البيضاء ثم تاريخ مابعد الاحداث وإلى الآن

أحداث لاتزال متواصلة وبوتيرة مضطردة يسمونها ضربات استباقية واحترافية لكنها في الحقيقة تفعيل ذكي لشتى فصول قانون مكافحة الارهاب….

هذا القانون الذي سيظل الخطر الداهم الذي يمكنه ان يجتاحنا كالطوفان بالاعتقال والتنكيل في كل لحظة وكيف لا وهو يحاكم النوايا والظنون والشبهة… وقد ظهرت خطورته لدى التيار العلماني قبيل اعتقال الصحافي علي انزولا انه درس كبير لايمكن القفزفوقه للمتأمل للحالة المغربية

في ذاك الزمن ما قبل احداث الدار البيضاء كانت الجرائد تنشط في عمل دؤوب لنشر كل ما له صلة بالسلفية الجهادية من وثائق سجونية وحوارات مع المقدمين في هذا التيار بمختلف توجهاتهم فضلا عن اخبار وبيانات المعتقلين والخارجين من معتقل تمارة السري وقد ساهمت فيه كل أطياف الاعلام اسلاميا وعلمانيا..

هنا نشطت جرائد تتغذى على النشر والتغطية لكل مايتعلق بالسلفية الجهادية … وفي هذا المضمار كان التسابق طاحنا باسم السبق ونشر الحقيقة وتعضيد الاعلام الحر…

يمكن للملاحظ لهاته الحقبة وجود نوع من التعاطف مع التيار في تبني مظلوميته وأحيانا في تضخيمه وتسمينه للضربة المرتقبة التي جائت ليلة الجمعة ال16 ماي 2003…

في هذا الجو كتبت مقالتي التي أغضبت الجنرال والقصر وساقتني لأقبية العتمة عقدا من الزمان ,تنكر لي فيها الاعلام بزعمه انها لسلفي.. وجحدني فيها الحقوقيون بزعمهم انها تصنف ضمن خانة الارهاب وظلت الحقيقة غائبة زمنا وهذا اوان التعرية….

لا انسى تلك الكلمات التي قالها لي مصطفى الرميد وهو يعانقني اثناء زيارته للسجن المركزي القنيطرة العام 2004م – هل انت الناطق الرسمي باسم السلفية الجهادية؟؟ ثم ادرف قائلا لابد ان توضح للناس الحقيقة؟؟

عندها وصفني بالكاتب الاسلامي امام ادريس لشكر ودار بيننا حوار قصير نشير الى شذرات منه اثناء عرضنا للمقال في فقرات البيان للواقع وما جرى في تلك المرحلة الكبرى من تجربتنا المغربية

مقال اثار الزوابع والاصداء

لم يكن اللقاء العابر الذي جمعني- قدرا- مع مصطفى قشنيني مدير جريدة الحياة المغربية سوى بداية للمتاعب التي طالتنا جميعا , إذ أنه طلب مني المساهمة بمقالة عن راهن السلفية الجهادية بعد الاعتقالات الواسعة العام 2002م ومع إصراره شرعت في كتابتها, ومن غريب ما حصل لي وقتذاك انني كتبت المقالة في عشرة صفحات قدمت فيها قراءة متبصرة للراهن المغربي مع منعطف السلفية الجهادية وبدايات العمل الاسلامي من خلال شذرات عن حركة المجاهين ومؤسسها الشيخ عبد العزيز النعماني ومقتله.. ثم وقفات نقذية لما سمي حينها بخلية القاعدة واعتقالات السلفية وما روج يومها عن مقتل احد عناصرها المكنى ابو الحارث.. مع ان المقالة كانت قوية وعاصفة الا انها جاءت في السياق العام الذي كان سائدا وقد كتبت قبلها عشرات المقالات حتى تلك التي كانت تناقش الدخول للبرلمانات والانتخابات والقوانين الوضعية.. فما الذي طرأ حتى اصبحت مقالتي تلك مثيرة لركام هائل من الزوابع والأصداء؟؟ ربما لانها كتبت في أواخر شهر أبريل ونشرت يوم 5ماي 2003م اي قبل احداث البيضاء بعشرة ايام فاصلة. والتهمة الجاهزة ان المقالة كانت تمهيدا لما حدث يوم الجمعة… الشهير

وقد دأبت جريدة الحياة المغربية على نشر بعض مقالاتي قبلها بصفتي كاتبا اسلاميا… في ملفاتها السياسية ومنها المقال المثير لغضب القصر…

كتبت المقالة في عشرة ورقات وحوكمت بعشرة سنوات عن كل ورقة سنة كاملة من المعاناة والعتمة…

بعد ايام من نشرها ورواجها بين الناس جاءني ضابط في- الدي إس تي- وهو الاختصار لجهاز المخابرات المغربي وقال لي بالحرف الواحد – لقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء ربما لن تنجو هاته المرة كانت بين يدي حينها جريدة- لودومان- للصحافي المغربي علي المرابط وبصفحتها الرئيسية رسم كاريكاتير يسخر من شخصيتين بارزتين في الجهاز الامني فقال لي الضابط وهو يتأمل الرسم – قريبا جدا سياتي طوفان سيقتلعكم من الجذور وهذا معكم.. اشارة لعلي المرابط وقد كان قانون مكافحة الارهاب منعطفنا الكبير

تمزقت شعرة معاوية فجأة أو مزقت بتدبير.. إنه التوصيف الدقيق لما حصل من انقلاب جذري في التعاطي مع الحالة الاسلامية في المغرب .. بعد احداث الدار البيضاء اصبحت القاعدة المهيمنة على القرار اعتقالا واتهاما تنحصر في كلمة واحدة ’’ كل متهم حتى تثبت براءته’’ التي لن تثبت بقانون خطير اثار جدلا داخل الاوساط الثقافية والحقوقية في المغرب وهكذا بفعل الاحداث مرر القانون وبدأت الاجهزة الامنية تجني ثمرات ما حدث… بعد ان اصبح لعز تفجيرات البيضاء بلا حل الى يومنا هذا…. من ورائها ولأي مصلحة ووفق اي هدف…؟؟

فقط ظل من يقطف الثمرات هو المستفيد الاول من حالة كرسها قانون مكافحة الارهاب بكل فصوله الحالقة للحرية وحقوق الانسان… الموغل في الاعتقال بالظن والشبهة ودونما إشتباه… وكم رأينا من نماذج لذلك الشطط في محاكمتنا او محاكمة غيرنا ممن عرفناهم في الاقبية المغربية

بعد اقل من اسبوعين على الأحداث.. اصبح قانون مكافحة الارهاب ساري المفعول يصول ويجول ويعتقل بأثر رجعي حتى شارفنا على الوصول الى استئصال حقيقي للتيار الاسلامي برمته…

هنا تحول الاعلام وآلته تحولا جذريا يواكب حالة السعار المرافقة لتلك الاجواء.. فكم حاكم الاعلام من معتقل قبل مثوله امام القاضي بل وسربت الصور والاسماء واوغلت في اهذار كل خصوصية لاي موقوف.. واطلق الانتهازيون المتسلقون العنان لاقلام موبوءة لتكتب بمنطق الظلف والناب حتى اني اذكر احدهم كتب عني مقالة طويلة خلص فيها الى انني اقف وراء تفجيرات الدار البيضاء ولما اعطيت الاشارة للبدء فررت الى الجزائر وأكد انني في تلك اللحظات ضيف مكرم عند المخابرات العسكرية الجزائرية… وهكذا اصبح اعلامنا يلمع من يكذب أكثر

بينما الحقيقة بخلاف ذلك تماما اذ كنت من اول يوم للتفجيرات مختطفا نزيلا في اقبية معتقل تمارة ولو طالني عسكر الجزائر يومها لما رأيت نورا ولانارا… لما زعمته انذاك جرائدهم من دور مزعوم لي مع الجماعات الجزائرية

صدق فينا المثل العامي’’ الجمل عندما يسقط يسارع الجميع بالسكاكين’’

هذا الإعلام الذي اسميه صحافة الخبز كانت له وصمة مقيتة في كل ما جرى من ظلم تم تبريره وفق خطة تستوعب الرأي العام وتهيؤه لتقبل ما سيأتي من اعتقالات لم تزل متواصلة…

احدثت تفجيرات البيضاء ثقبا غائرا في الذاكرة المغربية تناست معه كل شيء عدا الاستئصال والضرب في السويداء وكان لابد ان ينطلق الاستئصال من الاعلام نفسه ومن عمقه حتى يصطف الجميع في صف واحد لانشاز فيه …

هكذا اعتقل الصحافي الحر علي المرابط ومنع من الكتابة عشرة سنوات مع ادانته بالسجن اربعة أعوام , ثم اعتقل الصحافي المخضرم مصطفى العلوي واوقفت جريدته وظل رهين التحقيقات والاعتقال الى حين ,,ثم امتدت الخطة لاعتقال صحافيين من المنطقة الشرقية و أحد الكتاب اذ بدون اعتقالهم لم يكن حبل الاعتقال قد احكم حول الكاتب المسكين الذي اغضبت مقالته القصر… واصبحت ادانته بعيدا عن قانون الصحافة او اي قانون ضروريةاذ لا مناص من نطع ومذبحة قانون مكافحة الارهاب وقد كان… في محاكمة اليوم الواحد التي اختل فيها ميزان العدل وفق تعبير منظمات حقوقية مغربية…

بعدخطوة الكي وهو الدواء الذي اقدمت عليه الجهات الامنية في التعامل مع الاعلام اصبح في المغرب اعلام يرى ما يراه الجهاز الامني ويسمع مايسمع ويردد ما يردد.. زمنا… في هذا الجو المشحون شحذت السكاكين وتحول كاتب اسلامي الى مجرد سلفي او منظر للسلفية لسهولة الزج به في غيابات السجن ومنها ما قامت به احدى الصحف الاسبوعية التي شقت رؤوسنا بحديثها الممجوج عن المصداقية والرأي والرأي الآخر والحقيقة بلازيف اذ عمدت لنشر صورتي الشخصية قبل محاكمتي ثم جعلت صور قتلى التفجيرات في الدار البيضاء حولها في شكل دائرة في دلاله لها معنى… وهي نفسها الجريدةالتي قدمت تحليلا لوثيقة سجونية منسوبة للمعتقل الاسلامي يوسف فكري وخلصت الى انه لا يمتلك القدرة على كتابتها ولم يتردد الصحافي المكلف بملف السلفية الجهادية ان يقرر بعقلية مريضة ان الوثيقة لقلم من مدينة وجدة في اشارة لاتخطؤها العين لاسم محدد… كان ذلك الاتهام موجها لشخصي من اعلام تفترض فيه نزاهة القلم ومصداقية الخبر

ولكن كل القيم كانت قد تبخرت بعد قانون مكافحة الارهاب في زمن تحول فيه المعتقل السري نفسه الى قيامة مغربية كما كان يصيح كل يوم كبير الحجاج في العتمة

اترك رد