إحدى دول البلقان , ومن دول أوروبا الشرقية , خضعت لحكم الأتراك العثمانيين من سنة ( 799 هـ – 1396 م ) . واستمر حكم الأتراك لها قرابة خمسة قرون وأنشئت إمارة بلغارية عقب اتفاقية برلين سنة 1878 م , وكان الأتراك يشكلون حوالي ثلث سكانها , ثم توسعت على حساب الدولة العثمانية , وتكونت بها مملكة في سنة ( 1326 هـ – 1908 م ) . وفي الحرب العالمية الأولى اشتركت مع ألمانيا فهزمت وتقلصت مساحتها ، وف الحرب العالمية الثانية انضمت إلى ألمانيا مرة أخرى ، فهزمت للمرة الثانية وغزاها الروس , ثم سيطر عليها الشيوعيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية , وفي سنة 1960 م صدر قانون تسجيل السكان . ويحتم على المسلمين أن يتخذوا أسماء بلغارية , واستخدمت السلطات البلغارية القوة في تنفيذ هذا القانون في سنة 1982م . واحتجت على ذلك تركيا فمعظم المسلمين البلغار من أصول تركية , ثم تغير الوضع بعد سقوط النظام الشيوعي في شرقي أوروبا وفي الاتحاد السوفييتي .

الموقع 

balgariya_mab_778929201
تشرف بلغاريا على البحر الأسود من الناحية الشرقية , وتشترك حدودها الغربية مع يوغسلافيا , وتحدها تركيا واليونان من الجنوب ورومانيا من الشمال , وتبلغ مساحة بلغاريا ( 110,911 كم2 ) . وسكانها في تقديرات سنة 1408 هـ – 1988 م حوالي 8,982,000 نسمة , والعاصمة صوفيا وسكانها أكثر من مليون نسمة ومن أهم مدنها بلوفديف , وفارنا , ” وارنا ” وروس , وبور غازي , ويشكل المسلمون في بلغاريا حوالي 1,600,000 نسمة . وان كانت بعض المصادر تقدرهم بمليون نسمة ( 10% من جملة السكان ) وهذا يخالف الواقع العددي للمسلمين في بلغاريا , وحسب التقديرات الإسلامية يشكل المسلمون حوالي 16,7% من سكان بلغاريا .
الأرض :
بلغاريا بلد جبلي مضرس المظهر , فالجبال تخترقها من الغرب نحو الشرق فتشكل مناطق متميزة الملامح , ففي الجنوب الغربي جبال رودوب , ويصرف قسما منها نهرا استروما وماريتزا إلى بحر إيجة , وإلى الشمال من جبال رودوب سهل تراقيا ويشغل القسم الجنوبي الشرقي من بلغاريا , وحيث يجري نهر ماري تيزا , وفي شمال النطاق السابق تأتي جبال البلقان , وتنحدر إلى سهل الدانوب حيث يشكل نهر الدانوب حدودها الشمالية مع رومانيا , ويجري في سهولها الشمالية الشرقية , وتمتد مجموعة من المستنقعات بين صوفيا في الغرب إلى سليفن في الشرق , وتحيط بها مجموعات من التلال المكسوة بالغابات .
المناخ :
يتصف مناخ  بلغاريا بارتفاع حرارته في الصيف , وبشتائه البارد حيث يتميز بالقارية , غير أن المرتفعات تقلل من حدة الحرارة في الصيف , والقسم الشمالي الشرقي من بلغاريا معرض لغزو الرياح الحارة في الصيف , والباردة في الشتاء , وأمطار هذا النطاق تسقط في فصل الصيف , والنطاق الجنوبي متأثر بمناخ البحر المتوسط , وأمطاره شتوية , وقد وفرت الجبال حماية للوديان من الرياح الباردة في فصل الشتاء وهذه الحماية تتيح لبلغاريا فرصا ممتازة لزراعة الورود , حتى أصبحت بلغاريا أولى دول العالم في إنتاج عطر الورد .
السكان :
الخليط السكاني في بلغاريا يتكون من العناصر البلغارية التي تشكل غالبية السكان , وهذه العناصر ترجع إلى أصول تركية قديمة , هاجرت إلى المنطقة وتتحدث لغة السلاف , تليهم عناصر تركية حديثة الهجرة مختلطة بجماعات من التتار , ثم أقلية من الغجر , وهناك أقليات أخرى من أصل روماني , ومن الأرمن , يعيش  نصف سكان بلغاريا في المدن , والنصف الأخر يعيش على الاقتصاد الزراعي في الريف , ولقد وصل الأتراك العثمانيون إلى بلغاريا عن طريق هجرة إلى إقليم رمللى في القرن الرابع عشر الميلادي , وظلوا في بلغاريا عدة قرون , واستقر الأتراك في مقدونيا , ورودوبيس , ثم حدثت هجرة إجبارية للأتراك مما قلل من عددهم في بلغاريا , وكان عددهم في سنة 1887 م حوالي 602 ألف نسمة , وصل في سنة 1921م إلى 577 ألف نسمة , وكان عدد المسلمين 825 ألفا .
النشاط البشري
يحتل الإنتاج المعدني مكانة هامة في اقتصاد بلغاريا , وتستخرج المعادن من ثلاث مناطق , في الغرب حيث يستخرج الرصاص والزنك والنحاس والحديد , والمنطقة الثانية في شرقي جبال ردوب , أما الثالثة فقرب البحر الأسود حيث يستخرج النفط , وأسهم هذا في ظهور العديد من الصناعات المعدنية والنفطية , وتتركز الصناعة في صوفيا , وفي فارنا , وبلوفديف , وسترازاجورا .
أما الزراعة فتمارس في المنطقة الشمالية حيث سهل الدانوب , وفي بعض المناطق الداخلية الإنتاج يتكون من القمح ومن الذرة هذا إلى جانب الفاكهة والورد , والثروة الحيوانية تتمثل في تربية الأغنام والأبقار .

كيف وصل الإسلام إلى بلغاريا

 balgariya_958136232

تقدم الإسلام نحو شبه جزيرة البلقان في بداية النصف الثاني من القرن الثامن الهجري , وذلك مع الفتح العثماني للبلقان , ففتح العثمانيون مدينة بلوفديف في سنة ( 765 هـ – 1363 م ) , ثم فتحوا صوفيا في سنة ( 787 هـ 1385 م ) , وتوالت فتوح الأتراك العثمانيين لبلغاريا , وتم الاستيلاء على جميع أراضيها في سنة ( 796 هـ 1393 م ) , وظل الأتراك يحكمونها أكثر من خمسة قرون , وفي نهاية القرن التاسع عشر الميلادي تدخلت روسيا ضد تركيا , ومنحت بعض المناطق حكما ذاتيا , وتكونت إمارة بلغاريا عقب معاهدة برلين سنة 1878 م , وفي سنة ( 1326 هـ – 1393 م ) أعلن عن قيام مملكة بلغاريا , وعقدت معاهدة استانبول سنة 1909 م , وانحازت في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا وتركيا , وعقدت معاهدة سنة 1919 م مع الحلفاء على أن تحترم حقوق الأتراك , وأعقب هذا عقد عدة معاهدات مع تركيا لاحترام حقوق الأتراك البلغار , وكذلك انحازت إلى جانب الألمان في الحرب العالمية الثانية ثم تحولت إلى الحكم الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية , بعد أن غزاها الروس , ولقد زاد انتشار الإسلام في العهد التركي . وبعد الاستقلال تعرض المسلمون إلى ظلم الاضطهاد , فكان المسلمون أكثرية قبل الاستقلال , ونتيجة الضغوط والمضايقات هاجر العديد إلى خارج بلغاريا , وحل محلهم العنصر البلغاري , والذي استقدم إلى بلغاريا من البلدان المحيطة بها , فقل عدد المسلمين وظل الإسلام منتشرا بين العناصر التركية التي بقيت في بلغاريا , وتشكل غالبية المسلمين الآن حيث يقترب عددهم من مليون مسلم , فكان عددهم في سنة 1391 هـ قرابة 900 ألف نسمة , ثم يليهم المسلمون البلغار , ويليهم المسلمون الغجر , ثم التتار الذين يشكلون حصة ضئيلة من المسلمين المقدونيين وكان عدد المسلمين في بلغاريا سنة 1391 هـ 1,450,000 مسلم , والآن يشكل مجموع المسلمين أكثر من مليون ونصف نسمة , ويتزايد عدد المسلمين بنسب مرتفعة نتيجة زيادة المواليد , فكانت نسبتهم في سنة 1949 م  13,3 % , وفي سنة 1956م – 14,1% , وفي سنة 1971م 17 % لذلك فمن المتوقع أن تصل حصتهم في سنة 2000م إلى 25 % من مجموع السكان ولكن التعسف البلغاري مستمر ضد المسلمين الأتراك وهذا يدفع العديد منهم إلى الهجرة , ولم يقتصر الأمر على هذا , فلقد أغلقت المدارس والمساجد وشنت حملات على المسلمين لتغيير أسمائهم , ومنع الختان وأرغموا المسلمات على الزواج من غير المسلمين .
مناطق المسلمين
ينتشر المسلمون في المناطق القريبة من الحدود اليوغسلافية والحدود اليونانية , وكذلك قرب الحدود التركية . ويتركزون في مناطق دورويس الشرقية وكترلوا ولودوغوريا وسلانيك . وبرغم أن المسلمين الآن يزيد عددهم على مليون ونصف مليون , تقدرهم بعض المصادر الغربية ب10% من جملة السكان أي حوالي مليون نسمة , ويتكون المسلمون البلغار من القوميات التركية , فحوالي 60% منهم من الأتراك , ومن القومية البلغارية 25% ومن الغجر حوالي 15% . ولم يقتصر الأمر على تغيير أسماء الأفراد , وإنما تجاوز هذا إلى تغيير أسماء مناطق المسلمين , فتم تغيير اسم منطقة شومين إلى غورسكي , ومنطقة لازجراد , وهاسكوى إلى أريغودووبر مشيري .
الوضع الراهن :
يعاني المسلمون في بلغاريا العديد من ألوان الاضطهاد فليس لهم حق ممارسة شعائرهم الدينية , فالدين يتعرض لحملات مركزة من الإلحاد الشيوعي , لدرجة منع دخول مصاحف القرآن الكريم , وكذلك الكتب الدينية , وأجبر المسلمون على تغيير أسمائهم الإسلامية واضطروا إلى الهجرة إلى خارج بلغاريا  , كما أرغموا على سكنى مناطق شبه معزولة , ونتيجة سياسة القمع هاجر 37 ألف مسلم تركي إلى الخارج . وتبذل المحاولات لتذويبهم في المجتمع البلغاري , ويقاوم المسلمون هذه السياسة بالتمسك بدينهم , ولقد حرمت المناطق الإسلامية من التطور الاقتصادي والنهوض بدخولها , وضحية هذا الاضطهاد الأجيال القادمة من أبناء المسلمين وعرضت المسألة البلغارية على مؤتمر وزراء خارجية المؤتمر الإسلامي في 1986م , وصدر قرار يعبر عن قلق الوزراء من التعسف البلغاري ضد الأتراك ، وعرضت المسألة البلغارية أيضا على مؤتمر القمة الإسلامي بالكويت سنة 1987م , وأكد المؤتمر على ما جاء بقرار وزراء الخارجية السابق , وشكلت لجنة للاتصال ببلغاريا وزارت لجنة بلغارية الكويت , ولقد تغير الوضع في بلغاريا بعد انهيار النظام الشيوعي , ونأمل أن تتحسن أوضاع المسلمين نتيجة هذا .
المساجد :
كان في بلغاريا حوالي ( 1200 مسجد ) والآن في صوفيا ثلاثة مساجد أحدها تحول إلى متحف والثاني إلى كنيسة , والثالث مغلق , وكان عددها أكثر من ذلك قبل استيلاء الشيوعيين على مقاليد الحكم في بلغاريا , وتمول المساجد حاليا بالجهود الذاتية , ويرأس الشؤون الدينية مفت , وتنقسم المناطق الإسلامية إلى ست , يرأس كل منطقة مجلس من العلماء , وهذا أمر شكلي فقط , ولقد ضعف التعليم الديني في ظل الحكم الحالي , فالمدارس الإسلامية لا تتعدي كونها كتاتيب ملحقة بالمساجد , وجدير بالذكر أن الاضطهاد في بلغاريا يوجه ضد المسلمين وحدهم , بينما يستثنى من ذلك المسيحيون , فيحرم على المسلمين لبس الزي الإسلامي خصوصا النساء , ويمنع المسلمون من الاحتفال بأعيادهم أو صوم رمضان , ولا تبني مساجد جديدة , والمسجد الذي يتوفى إمامه يغلق , ولا يدفن المسلمون موتاهم في مدافن خاصة بهم , بينما تحترم الحكومة البلغارية الرهبان وتعطيهم حرية التعبد في الكنيسة , فالحرب ضد الإسلام وحده , وهذا ميراث قديم , ورثه البلغار عن التعصب الديني , وفي محاولة لبلغرة التعليم الإسلامي في بلغاريا أغلقت السلطات 1500 مدرسة , وكذالك تم إغلاق 1300 من دور التربية الإسلامية .
الهيئات الإسلامية :
لا يوجد غير تنظيم شكلي , حيث يرعي شؤون المسلمين مفت أكبر , ولا توجد في البلاد مدارس إسلامية نظامية , والمنظمات أو الجمعيات ممنوعة بحكم الحرب المستترة ضد الأقلية المسلمة , والأمر يستدعى بذل الجهود لدي الحكومة البلغارية لتحسين وضع المسلمين , وفتح مدارس إسلامية , وإلغاء قوانين التمييز ضد المسلمين , وبناء المساجد التي تهدمت , واستعادة المساجد المسلوبة ، والسماح بدخول الكتب الإسلامية إلى بلغاريا ، وإرسال بعثات من أبناء المسلمين البلغار إلى الدول الإسلامية للدراسة بعد التحول الذي حل في بلغاريا ضد السلطات الحاكمة سابقا . نأمل أن تتغير معاملة المسلمين البلغار , وفي زيارة مفتي بلغاريا الشيخ نديم حافظ إبراهيم إلى مكة المكرمة بدعوة من رابطة العالم الإسلامي مؤشر لهذا .
تحسين أحوال المسلمين في بلغاريا :
في لقاء مع الدكتور نديم حافظ إبراهيم أمين عام الجمعية الخيرية الإسلامية الدولية في بلغاريا نشر بجريدة العالم الإسلامي في العدد 1252 – شكر هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية لمساعداتها للمسلمين في بلغاريا , وذكر الدكتور حاجة المسلمين في بلغاريا إلى مزيد من الدعم المادي والثقافي الإسلامي , وذلك كي تؤدي الجمعية رسالتها الإسلامية , فالجمعية تتكفل برواتب 800 معلم وإمام وهؤلاء لم يتسلموا رواتبهم منذ عدة شهور كما أن في بلغاريا حاليا حوالي 1000 مسجد , ويمثل المسلمين 24 عضوا في البرلمان البلغاري من (250 ) عضوا .
ولقد أضاف الدكتور حافظ أن المسلمين في بلغاريا بدأوا يمارسون شعائر دينهم بحرية بعد سقوط النظام الشيوعي , كما أن الجمعية بنت 4 مدارس ثانوية إسلامية  , وكلية للشريعة والدراسات الإسلامية في العاصمة البلغارية , وتصدر جريدة ومجلة تهتم بأحوال المسلمين في بلغاريا , ولقد بدأ المسلمون الذين هجرتهم السلطات الشيوعية في العودة , فلقد عاد منهم 150 ألف مسلم إلى بلغاريا .
ولقد حدد الدكتور حافظ أهداف الجمعية فيما يلي :
1/ تنقية ثقافة المسلم البلغاري مما علق بها من رواسب الحكم الشيوعي .
2/ الاهتمام بتنشئة أبناء المسلمين نشأة إسلامية .
3/ حماية مصالح المسلمين في بلغاريا .
4/ ترميم المساجد التي خربها الشيوعيون , وبناء المعاهد والمدارس الإسلامية .
5/ تدريس العلوم الإسلامية في المدارس الحكومية لأبناء المسلمين .
6/ التعاون بين الجمعية الخيرية البلغارية والهيئات الإسلامية العالمية مثل رابطة العالم الإسلامي وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية , والأزهر , والبنك الإسلامي للتنمية .
مشروع إنشاء جامعة في بلغاريا :
طلبت دار الإفتاء في بلغاريا من بعض البلدان العربية والإسلامية المساهمة في إنشاء جامعة إسلامية في محافظة ازجراد في شمال شرق بلغاريا , وحيث تتركز أقلية مسلمة يصل عددها إلى حوالي 700 ألف نسمة , ويقوم بهذه الجهود الدكتور نديم مفتي المسلمين في بلغاريا , وتقف وراء هذا المشروع الجمعية الخيرية العالمية لنشر الثقافة الإسلامية التي تأسست في صوفيا العاصمة البلغارية , وسوف تتألف الجامعة الإسلامية من خمس كليات تضم كلية الشريعة والآداب , والإدارة والفنون , ومعهد لتعليم اللغة العربية , واللغة التركية , ويجري مفتي بلغاريا اتصالات في هذا الشأن بالمملكة العربية السعودية , ومصر , والكويت , وتركيا , والإمارات العربية المتحدة , وعدد آخر من البلدان العربية والإسلامية , وقد بدأ البنك الإسلامي إسهامه في تأسيس هذه الجامعة .

المصدر : السكينة

Leave a Reply