bouna_410985570

تقع جمهورية البوسنة والهرسك , وسط ما كان يعرف بيوغسلافيا تحيط بها كرواتيا من الشمال والغرب وفويفودنيا من الشمال الشرقي , وصربيا من الشرق , وإقليم سنجاق , وجمهورية الجبل الأسود من الجنوب . ويعرف البسناويون بالبشناق , والبوسنة كانت واحدة من جمهوريات ما كان يعرف بيوغسلافيا ” سابقا ” وسكان البوسنة والهرسك حوالى 6 ملايين نسمة , وعاصمة الجمهورية سراييفو , ولقد اشتق اسم البوسنة من أحد الأنهار في أرضهم وهو رافد لنهر ساقا الذي يصب في نهر الدانوب , هذا في راوية , ويشكل المسلمون حوالي نصف السكان والصرب حوالي 30% والكروات 17% .

العمق التاريخي للبوسنة :

يعيش البشناقيون في منطقتهم منذ القرن الخامس الميلادي , وكان وصولهم إليها نتيجة هجرة ” سلافية ” قدمت من الشمال , من منطقة حوض نهر ” الفولجا ” وكان من بينهم مسلمون حملوا العقيدة الإسلامية من موطنهم الأصلي , وجدير بالذكر أن الإسلام وصل إلى منطقة حوض نهر الفولجا في عهد الأمويين وفي العصر العباسي الأول , فليس غريبا أن يكون من ” البشناق ” من اعتنق الإسلام قبل وصول الأتراك العثمانيين إلى المنطقة , ونشر الإسلام بين أهلها , وشكل ” البشناق ” دولة لهم في المنطقة الجبلية بين الكروات الكاثوليك والصرب الأرثوذوكس .

لذلك كانت منطقة ” البشناق ” محل نزاع بين الصرب والكروات , وكان من بين البشناقيين نصارى , تأثروا بإخوانهم من البشناق المسلمين ومن ثم نشأت كنيسة ومذهب نصراني جديد , وعرفت بالكنيسة البشناقية وعرف مذهبهم بالمذهب ” البوغوميلي ” واضطهد الصرب والكروات الكنيسة البوشناقية بسبب مذهبها , الذي رفض التعميد , وتقديس البشر , ونتيجة اضطهاد البشناق مذهبيا استنجدوا بالدولة العثمانية , واعتنق من تبقى منهم الإسلام بعد وصول الأتراك في منطقتهم .

وخلاصة القول أنه كان ” للبشناق ” دولة قبل قدوم العثمانيين إلى المنطقة وكان من بينهم مسلمون , ولقد غزت المجر دولتهم في القرن السادس الهجري ( الثاني عشر الميلادي ) , وكان لوصول العثمانيين منطقة البلقان أثره في زيادة أعداد المسلمين , وظلت ولاية البشناق والهرسك ولاية عثمانية , ونشب صراع بين العثمانيين والنمسا ، وبين العثمانيين والبنادقة , واستمر مدة طويلة , ودارت الحروب على أرض البشناق , ولما هزم الأتراك في نهاية هذا الصراع أحرق الجيش النمساوي بقيادة الأمير يوجين مدينة سراييفو في سنة 1697 م . ولقد احتفظت ولاية البشناق بحدودها الحالية في صلح كارتوفتز .

دافع البشناق عن دولتهم ضد الدول المجاورة الطامعة فيها , خصوصا بعد انسحاب العثمانيين , وفي مؤتمر القسطنطينية تم الاعتراف بالحكم الذاتي لإقليم ” البشناق والهرسك ” وكذلك في معاهدة سان ستفانو , وفي معاهدة بودابست , ومؤتمر برلين سنة 1878 م , ولكن في سنة 1908 م قررت النمسا ضم إقليم البشناق والهرسك إليها , خشية أن يؤدي تطور الحركات القومية في البلقان إلى انضمام البوسنة والهرسك إلى الصرب , واستيلاء الصرب عليها لتحقيق مشروع صربيا الكبرى , التي كانت تسعى إليها صربيا بمساعدة وتأييد روسيا .

ولهذا نشطت الحركات السرية التي شكلها الصربيون ضد النمسا , وقامت حرب البلقان في سنة 1912 م , وزادت مساحة صربيا , فأصبحت تحيط بالبوسنة والهرسك , وشكلت صربيا حركة سرية في البوسنة وتمكنت هذه الحركة من اغتيال ولي عهد النمسا , في أثناء زيارته لسراييفو , وتم هذا في 28/6/1914 م , وكان هذا الحادث الشرارة التي أشعلت نار الحرب العالمية الأولى .

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة النمسا , ونتيجة لهذا قامت دولة يوغسلافيا في سنة 1918 م , وكان هذا تعبيرا عن طموحات الصرب لتحقيق صربيا الكبرى , وأطلق عليها مملكة الصرب والكروات والسلافيين , ثم تحول الاسم في سنة 1929 م إلى يوغسلافيا ” السلاف الجنوبيون ” وحكمتها أسرة صربية , ومارست الدولة الجديدة نوعا من الهيمنة على القوميات الأخرى , ونتج عن ذلك ظهور حركات سرية أدت إلى اغتيال ملك يوغسلافيا الصربي الاسكندر في 1934 م , واستمرت المنازعات العرقية حتى قامت الحرب العالمية الثانية , وتم غزو الألمان ليوغسلافيا في سنة 1941 م .

وفي سنة 1944 م تمكن جوزيف بروزتيتو من انتزاع السلطة من الألمان وتمكن الشيوعيون من إعادة تكوين يوغسلافيا , وأصبحت تتكون من 6 جمهوريات , هى صربيا , وكرواتيا , وسلوفينيا , والبوسنة والهرسك , والجبل الأسود , ومقدونيا , هذا بالاضافة إلى إقليمي كوسوفو , وإقليم فويفودينا وسنجاق , وهكذا أصبحت البوسنة والهرسك جمهورية مستقلة داخل الاتحاد اليوغسلافي , وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي , ووفاة بروزتيتو , أصاب بناء يوغسلافيا الهش انهيار وتفكك .

ففضلت كل من كرواتيا , وسلوفينيا , ومقدونيا , والبوسنة والهرسك الاستقلال والانفصال عن الاتحاد المنهار , ولم يبق من الاتحاد غير صربيا والجبل الأسود , فلقد أعلنت الجمهوريات الأخرى انفصالها واستقلالها عن الاتحاد اليوغسلافي المنهار , وعندما أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها , أخذ الصرب يدكون مدنها وقراها , ويشنون حملات إبادة جماعية , ويهتكون أعراض بناتها ونسائها , أمام أنظار العالم وعلى مرأى ومسمع من هيئة الأمم المتحدة , فالجيش الاتحادي يحاصر مدن البوسنة والهرسك وقراها , والميلشيات الصربية تنكل بالمسلمين من أبناء البوسنة والهرسك , ولم يسلم من تنكيلهم الشيوخ والنساء والأطفال , فكأن البوسنة والهرسك كتب عليها أن تتحمل كل مشاكل شبه جزيرة البلقان المعقدة .

توالي الأحداث :

ترجع الأحداث إلى سنة 1409 هـ 1989 م بمناسبة مرو 600 سنة على هزيمة الصرب أمام جيوش الامبراطورية العثمانية , وقتل ( لازار ) أمير الصرب , فبهذه المناسبة أخرج سلوبودان ميلو سفيتش ديكتاتور الصرب عظام ( لازار ) من قبره , ووضعه في تابوت ، وأمر بالطواف به في جميع أنحاء يوغسلافيا ” سابقا ” خصوصا في المناطق التي يسكنها الصرب , ليذكرهم بهزيمة وقعت منذ 600 سنة , وليبث فيهم الحقد الأسود ضد المسلمين في شتى أنحاء يوغسلافيا المنهارة , وتحول هذا الحقد إلى مظاهرات تطالب بالانتقام وهكذا بدأت مأساة المسلمين الحالية في جمهوريات يوغسلافيا ” سابقا ” , بدأت بمسرحية دبرها ديكتاتور الصرب .

وبدأت المأساة بالمسلمين في إقليم كوسوفو , المجاور لحدود ألبانيا ويخضع لحكم الصرب , ولقد شعر المسلمون في الإقليم بالمحنة القادمة إليهم , فوجهوا نداءات الاستغاثة إلى العالم , وبدأت عمليات البطش بقيادة ديكتاتور الصرب في سنة 1409 هـ – 1989 م , وبدأت المأساة بالقبض على زعماء المسلمين والزج بعشرات الآلاف من المسلمين في سجون الصرب , وتصعدت عمليات البطش فقتل آلاف من المسلمين , ثم أجل ديكتاتور الصرب عمليات الإبادة لحين فراغه من مسلمي البوسنة والهرسك .

أحلام ديكتاتور الصرب :

يحلم الديكتاتور سلوبودان زعيم الصرب بأن يحقق هدفين أولهما توحيد جمهوريات يوغسلافيا المنهارة تحت سلطة الصرب , ولقد اصطدم هذا الحلم باعتراف دول العالم باستقلال كرواتيا وسلوفينيا بعد أن مرت كرواتيا بقتال مرير خاضته ضد بربرية الصرب , ووقف مجلس الأمن ضد طغيان الصرب , فتحول حلم الديكتاتور إلى السيطرة على كل الأقاليم التي يسكنها الصرب في شتى أنحاء يوغسلافيا ” سابقا ” لكي يحقق قيام دولة الصرب الكبرى هذا هدف الديكتاتور .

والهدف الثاني انبعث من الحقد والانتقام بسبب هزيمة مضى عليها 600 سنة , ولكي يحقق هذا تحول إلى قتل المسلمين , وتعذيبهم وتدمير مدنهم , وقراهم , وجاء دور البوسنة والهرسك , وبعد البوسنة والهرسك سيتوجه الديكتاتور الصربي إلى إقليمى كوسوفو وسنجاق وغيرهما .

مأساة البوسنة والهرسك :

وجه الديكتاتور سلوبودان الجيش المركزي لحصار جمهورية البوسنة والهرسك ليشن عليها حرب إبادة بضرب المدن والقرى البوسنية ، واستغل تخاذل الدول الغربية عن الوقوف في وجهه , وأصبح أمر المسلمين في البوسنة والهرسك مؤلما , فالجيش المركزي يحاصر مدنهم وقراهم , ويفرض عليهم حصارا حديديا حتى لا تصلهم إمدادات الغوث أو المساعدة من العالم الخارجي , وترك الميلشيات الصربية تقوم بمهمة الإبادة والمذابح , وقتل الأطفال والشيوخ , والاعتداء على أعراض المسلمات , وبقر بطون الحوامل منهن , فالجوع يفتك بهم نتيجة الحصار المضروب حولهم , والميلشيات الصربية تبطش وتقتل وتعذب , وتنتهك الأعراض , ومدفعية الجيش المركزي التي تحاصر مدنهم وقراهم تقذفهم بوابل من القنابل وتدك بيوتهم , فالموت يحيط بهم من كل فج , وتتوالى الأحداث وهذه نماذج منها :

في شهر أبريل سنة 1992 م , الموافق شهر رمضان المبارك عام 1412 هـ , بدأ حصار الصرب للبوسنة والهرسك , وبدأت مدفعية وصواريخ الجيش المركزي الصربي تقصف سراييفو قصفا عنيفا , وكان الصرب يركزون على المساجد والمؤسسات الإسلامية , وعلى الأحياء القديمة في المدينة حيث التراث الإسلامي .

في شهر ذي القعدة 1412 هـ الموافق لشهر مايو 1992 م , جاء بيان الشيخ أحمد صالح جوالا كوفيتش رئيس المشيخة الدينية الإسلامية بالبوسنة والهرسك معبرا عن الأحداث الدامية , فذكر أن الصربيين هاجموا مدن بوسانسكا كروبا , وما جاورها من المناطق الإسلامية , وبوسوقابتشا , وجونيدس في منطقة الهرسك , وأحرقوا أقدم مسجد في مدينة فوجا ” المسجد السلطاني ” ومقر الجماعة الإسلامية في فوجا , وقصفوا مدينة موستار وهدموا مساجدها , ونتج عن قصف الصربي لهذه المدن قتل أعداد كبيرة من السملمين العزل .

وفي ذي القعدة 1412هـ أيضا صرح رئيس البوسنة والهرسك على عزت فقال : ” إن المسلمين في البوسنة والهرسك يتعرضون لدمار وخراب خصوصا في العاصمة سراييفو , فالقوات الصربية تشن هجوما بالأسلحة الثقيلة عليها , وجاء في بيانات وكالات الأنباء أن الجيش الفيدرالى يشن غارات جوية على البوسنة والهرسك ، فأصبح القذف الصربي من الجو والأرض ، وقصفت مدن عديدة , وذكرت صحف ذو القعدة 1412 هـ – مايو 1992 م أن الصرب قصفوا 7 مدن في البوسنة والهرسك , وقد تم حرق كثير من القرى الإسلامية هذا بالإضافة إلى سراييفو , وكانت حصيلة القتال في البوسنة والهرسك في نهاية شهر مايو 200 ألف قتيل , ومليون مشرد خلال شهرين من القتال الصربي ضد المسلمين العزل .

وشهدت أحداث أواخر شهر ذي الحجة 1412 هـ – مايو 1992 م خطة لتقسيم البوسنة والهرسك بين الصرب والكروات , وذلك بعد أن انتهى الصرب من تغيير البنية السكانية في هذه الجمهورية , فلقد فر عدد كبير من سكانها , مما جعل نسبة المسلمين تنخفص بصورة واضحة , وأن الصرب والكروات اتفقوا على هذا التقسيم في اجتماع سري عقد بالنمسا , وحملت نفس الأخبار القصف العنيف للبوسنة والهرسك , مما دمر العديد من المنازل والمساجد واعتقلت ميليشيات الصرب عشرات الآلاف من مسلمي البوسنة والهرسك .

وشهدت البوسنة والهرسك في شهر ذي الحجة 1412 هـ يونية 1992 م أحداثا أعنف مما شهدته في الشهور السابقة , فلقد زاد القصف عنفا من مدفعية الصرب المحاصرة لمدن البوسنة والهرسك , واتبع الجيش الفيدرالي سياسة الأرض المحروقة وذلك في أثناء انسحابه من البوسنة والهرسك , فهدموا أعدادا كبيرة من المساجد والمؤسسات الموجودة بالمساجد فأذاعوا منها أغانيهم القومية للاستهزاء بمشاعر المسلمين , وشهدت سراييفو والمدن البوسنية المحاصرة عشرات الآلاف من جثث الموتى , كما شهدت حرق المكتبات الإسلامية , وشهدت نهاية شهر ذي الحجة 1412هـ يونيو 1992م قتل 200 ألف من البوسنة والهرسك , كحصيلة للأحداث الدامية في الشهور السابقة .

قصص تحمل مأساة المسلمين المعذبين في البوسنة والهرسك , ودماء تروى أرض المؤمنين بوطنهم , ودموع العذارى تحكي بشاعة انتهاك الأعراض , فالحوامل تبقر بطونهن , وأسر تذبح بكامل أفرادها , ويمثل بجثثها ثم يرسم الصليب على جبهات الشهداء , وهكذا ترتكب الميليشيات الصربية , أو مايسمى بالصقور البيضاء الصربية مذابح لم يشهدها البوسنيون عبر تاريخهم ، إن مذابحهم تتم مقرونة بشرب الخمر , فذبح المسلم عقيدة عندهم تعلموها في المدارس والكنائس ، فالكنائس عندهم أوحت لهؤلاء القتلة أن عمليات ارتكاب ذبح المسلم مقرونة بشرب النبيذ ” أمر يجلب مرضاة الرب ” ، فكلية اللاهوت المسيحية في صربيا تقر هذا , وتدرسه لمن سيكونون قساوسة , وفي سراييفو وزع الحزب القومي الصربي منشورات تحمل شعار التنصير أو الذبح ! وكذلك فعلوا في المدن التي تم احتلالها , لقد بلغت الوحشية الصربية مداها في سفك دماء المسلمين , فيقومون بذبح المسلمين وقطع رؤوسهم ويلعبون بها كرة القدم في الشوارع , ويبقرون بطون الحوامل ويضعون القطط الحية مكان الأجنة , ويقصفون طوابير الجوعى وهم يتسلمون مواد الإغاثة , أمر يندى له جبين البشرية .

وهكذا تمر الشهور والبطش لا يتوقف , فيأتي المحرم من سنة 1413 هـ – يوليو 1992 م , والقتل والتشريد لمسلمي البوسنة والهرسك مستمر , مذابح جماعية , عشرات الآلاف من الأسرى الذين يتركون في المعسكرات الصربية حتى يموتون جوعا , هتك الأعراض بالمئات , عذاب بالجملة , أبناء يرون الآباء والأمهات يذبحون أمام أعينهم فيصابون بالجنون , ويقيم الصرب محاكم عسكرية ميدانية لاعدام العلماء وأئمة المساجد في الشوارع وهكذا مقابر البوسنة والهرسك تمتلىء بجثث المسلمين , وتنتشر في الشوارع جثث الضحايا , وتصل الحصيلة إلى 40 ألف قتيل .

وفي 23/2/1413هـ – 1/8/1992 م تحمل الأنباء قصف بالمدفعية والصواريخ الصربية على سراييفو , وإعلان رادفان كاراديفش زعيم الصرب في البوسنة والهرسك عن تقيسمها بين الصروب والكروات , لكى يكتمل الجانب الآخر من الحرب وهو ” الحرب النفسية “

وفي 5/2/1413 هـ 3/8/1992 م كشفت التقارير الأمريكية , على أن الصرب أقاموا معسكرات اعتقال للمسلمين في البوسنة والهرسك , ويتركونهم يموتون جوعا , وذلك في معسكر أومارسكا في شمال غربي البوسنة , ومعسكر بركو في شمال شرقي البوسنة , بل أضافت هذه التقارير ” أن هناك 45 معسكرا في أنحاء البوسنة ” تمتلىء بعشرات الآلاف من المسلمين .

وفي 14/2/1413 هـ – 12/8/1992 م هاجم الصرب مدينة بوسانسكي حيث 7 آلاف مسلم , وتعرض العديد من سكان المدينة للذبح من قبل الميلشيات الصربية , وكان عدد المهاجرين في هذا اليوم قد وصل إلى 28 ألف مهاجر , وفي 16/2/1413 هـ – 15/8/1992 م أعلن ديكتاتور البوسنة والهرسك أنه سيحول البلاد إلى بؤرة للجحيم إذا استخدمت هيئة الأمم القوة لتوصيل معونات الإغاثة لمسلمي البوسنة والهرسك , وحتى هذا التاريخ كان الصربيون قد استولوا على 70% من جمهورية البوسنة والهرسك .

وحملت أخبار يوم 21/3/1413 هـ – 19/8/1992 م , أنباء الصرب وهم يدمرون كل ما هو إسلامي بشراسة , كما اغتصبوا 100 سيدة مسلمة فى مدينة روجاتيكا , وتعاقب على اغتصابهن جنود الصرب لمدة 7 أيام بصورة يندى لها جبين الإنسانية , ونقلت الصحف هذا الخبر المحزن عن صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية , وشهدت بهذا السيدة مليخا أنما نوفتتش , وهي طبية من البوسنة والهرسك , وذلك في اللجنة النسائية التابعة لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بمدينة جدة في يوم 24/12/ 1412 هـ , بل سردت مأساة شعب البوسنة والهرسك .

ونقلت جريدة الوفد عن مصادر أمريكية , أنه تمت عمليات إعدام جماعية للمسلمين في البوسنة والهرسك , وكذلك عمليات إعدام جماعية ضد بنات المسلمين المعتقلات في معسكرات الصرب في البوسنة والهرسك , كما أن المعتقلين يموتون من الجوع والتعذيب . ولم تسلم من عدوانهم قبور المسلمين , ولقد رفع الصرب شعار اقتلوا الأئمة والعلماء المسلمين .

وأكدت التقارير الصادرة عن الكونجرس الأمريكي , أن الحملة الصربية لطرد المسلمين من البوسنة والهرسك أسفرت عن إخلاء 70% من أراضي الجمهورية , وأن القوات الصربية ارتكبت أعمالا وحشية واسعة النطاق وذلك أثناء عمليات الطرد الجماعي . ولقد شهدت بهذا الصحف الغربية , فقالت صحيفة الجارديان اللندنية إن ما يحدث في البوسنة والهرسك هو حرب إبادة , وشهدت بهذا أيضا جريدة الأوبزرفر البريطانية , وذكرت الجريدة أن البوسنة والهرسك تشهد حربا عنصرية ضد المسلمين , فلقد دمر في سراييفو أكثر من 1500 مسجد .

وأوردت جريدة ” المسلمون ” عن مراسلها في البوسنة والهرسك قصصا دامية من قتل جماعي وهتك للأعراض , وبقر بطون الحوامل , قصص محزنة تحمل ملامح الهلاك والدمار في البوسنة والهرسك , فكل يوم يأتي بجديد من مأساة يشهدها العالم , ملحمة من العذاب والقتل والتشريد وهتك الأعراض على مرأى ومسمع من الهيئات الدولية , وتحمل أخبار الثلاثاء 3/4/1412 هـ 29/9/1992 م نبأ تقرير مقدما إلى هيئة الأمم المتحدة من الولايات المتحدة يؤكد أن الصرب قتلوا في أحد معسكرات الاعتقال 3000 أسير من البوسنة والهرسك أغلبهم من المسلمن , وأحرق الصرب جثثهم في إحدى حظائر الماشية , ولقد تم اكتشاف مقابر جماعية تم العثور فيها على 200 جثة بالقرب من مدينة موستار , عاصمة مقاطعة الهرسك , كما ارتكبت مجازر ضد المسلمين بعد سقوط مدينة بوسانسكي بردد التي تربط بين شمال البوسنة والهرسك وجنوبها , وتعرضت المنطقة إلى الاستئصال الديني .

احتلال مدينة يايتسا :

مازالت المأساة تتوالى في البوسنة والهرسك , فلقد احتلت القوات الصربية مدينة يايتسا , وذلك بعد صمود دام أكثر من 5 أشهر , ولقد قدم المسلمون آلاف الشهداء , خرج السكان العزل في طابور بلغ طوله أكثر من 16 كيلو مترا , يضم الشيوخ والنساء والأطفال , عشرات الآلاف من المهاجرين فروا من مذابح الصرب التي روعت الشيوخ والأطفال .

المهاجرون من الجحيم :

جاء في تقرير وزيرة الهجرة الإيطالية ” مارجريتا بونيفا ” أن عدد المهاجرين من البوسنة والهرسك وصل إلى 1,400,000 مهاجر ومهاجرة , وصل مئات الآلاف منهم إلى كرواتيا , وسلوفينيا , وإيطاليا , ووصلت مئات الآلاف منهم إلى دول أخرى مجاورة ليوغسلافيا المنهارة , وأورد التقرير أن حوالي 300 ألف طفل في سراييفو وحدها مشردون , منهم 10 آلاف طفل يعيشون في حالة مأساوية لا يجدون ما يأكلون , هذه حصيلة بربرية الصرب التي أسفرت عن الاستيلاء على 70% من أراضي البوسنة والهرسك , فوق جثث القتلى وتدمير المساكن ودور العبادة والمستشفيات التي تأوي الجرحى . حصلية مخزية , وعدوان مدمر على شعب أعزل تحدث في نهاية القرن العشرين !!

الموقف الدولي :

اتخذ الموقف الدولي عدة اتجاهات تدين العدوان الصربي على البوسنة والهرسك , وشاركت في هذا هيئات إسلامية وعربية ودولية وهذه بعض النمادج :

المؤتمر الوزاري الإسلامي الطارىء :

انعقد هذا المؤتمر في اسطنبول في الأسبوع الثالث من ذي الحجة 1412 هـ – الموافق الأسبوع الثالث من يونية 1992 م , وبحضور 47 دولة وأصدر عدة قرارات بشأن البوسنة والهرسك منها :
1/ مطالبة مجلس الأمن بتنفيذ المادة 42 من الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة بالقيام بعمل عسكري لإعادة السلام والأمن في البوسنة والهرسك بعد أن تبين عدم جدوى قرار فرض الحصارعلى صربيا والصادر من المجلس .
2/ مناشدة العالم بضرورة تقديم الدعم الكامل للأمم المتحدة لفرض وتنفيذ قرار مجلس الأمن بشأن البوسنة والهرسك .
3/ سحب الوحدات التابعة للجيش الفيدرالي الموجودة في البوسنة والهرسك أو وضعها تحت سلطة حكومة البوسنة والهرسك . أو تجريدها من السلاح ووضعها تحت سلطة دولية .
4/ أدانت القرارات ممارسات القوات الصربية , وضربها العشوائي لأبناء البوسنة والهرسك .
5/ أكد المؤتمر دعم الدول الإسلامية للبوسنة والهرسك ونضالها العادل من أجل صون سيادتها .
6/ أعرب المؤتمر عن تقدير الدول التي اعترفت باستقلال البوسنة والهرسك .
7/ دعا المؤتمر إلى تجريد القوات الصربية غير النظامية من السلاح .
8/ رحب المؤتمر بالعقوبات التي فرضها مجلس الأمن ضد الصرب والجبل الأسود
9/ حمّل المؤتمر السلطات الصربية مسؤولية الفظائع التي ترتكبها في البوسنة والهرسك .

الدول العربية والإسلامية

لقد عايشت الدول العربية والإسلامية الأحداث الدامية في البوسنة والهرسك , ونقلت القضية إلى المحافل الدولية , واعترفت باستغلال البوسنة والهرسك , وأخذت تحث مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة على أخذ القرارات الدولية ضد الصرب وكرست وسائل إعلامها للقضية العادلة , وبادرت بإرسال المعونات الغوثية إلى أبناء البوسنة والهرسك , وبذلت مساعيها الحميدة لدى المنظمات الإقليمية للوقوف في وجه عدوان الصرب .

الهيئات الإسلامية العالمية :

أخذت الهيئات الإسلامية العالمية في بذل جهودها لإسماع صوت المعذبين من أبناء البوسن والهرسك إلى العالم الخارجي , وقامت بحملات لجمع التبرعات لغوث أبناء البوسنة والهرسك على الصعيد المحلي , ولقد بادرت الهيئات الإسلامية بإرسال المعونات الإغاثية , ففي المملكة العربية السعودية أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بتشكيل لجنة من أبنا الشعب السعودي برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان ، وكما قامت بجمع التبرعات رابطة العالم الإسلامي ، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية , والندوة العالمية للشباب الإسلامي , وهيئة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بل تجاوز الأمر هذه المؤسسات الإسلامية إلى الجامعات والهيئات الشعبية .

وقام الأزهر في مصر بحملات تأييد وتضامن مع شعب البوسنة والهرسك , وأرسلت المعونات من قبل النقابات والهيئات وتبنت نقابة الأطباء 500 طفل بوسنوي , وعقد مؤتمر في دار الحكمة نظمته نقابة الأطباء تحت رعاية شيخ الأزهر ، وعقد مؤتمر آخر في الأزهر لجمع التبرعات للبوسنة والهرسك , وساهمت في هذا العمل الإنساني وزارة الأوقاف , وشاركت أيضا دول عربية وإسلامية عديدة .

الهيئات والمنظمات الدولية :

هيئة الأمم المتحدة :

كان تجاوب هيئة الأمم المتحدة مع أحداث البوسنة والهرسك بطيئا , فبعد اندلاع القتال الشرس في البوسنة والهرسك عرضت القضية على مجلس الأمن وبعد فترة من الاسترخاء جاء قرار مجلس الأمن رقم 757 هزيلا , ولم يرق إلى مستوى الأحداث , فأصدر قراره بفرض الحصار البحري والأرضي على صربيا , ولم يفرض الحصار الجوي , فترك منفذا تصل منه الإمدادات إلى المعتدي , وعندما تبين عدم جدوى هذا القرار , من  خلال منع صربيا وصول إمدادات الغوث لضحايا عدوان الصرب من أبناء البوسنة والهرسك .

أصدر مجلس الأمن قراره رقم 775 في 14/2/1413 هـ باستخدام القوة لايصال معونات الغوث إلى أبناء البوسنة , ( وذلك بأغلبية 12 صوتا , وامتناع 3 أعضاء ( الصين – الهند – زمبابوي ) , وجاء هذا القرار بعد أن فتك الجوع بمئات الآلاف من أبناء البوسنة والهرسك , وانعدمت المعونات الطبية لإسعاف الجرحى والمصابين من قصف وعدوان الصرب , للأسف جاء هذا القرار بعد اندلاع القتال الصربي الشرس بستة أشهر , وأمام هذا التراخي ازداد الصرب في تنكيلهم وتعذيبهم وفتكهم بالأبرياء من أهل البوسنة والهرسك , ولقد لحق عدوان الصرب بقوافل الإغاثة الدولية , وقصفوا مطار سراييفو مرات عديدة , وأغلق المطار عدة مرات في وجه الغوث الإنساني , بل امتد عدوانهم إلى جنود هيئة الأمم فقصفوا مراكزهم مما أحدث إصابات بالغة بين هؤلاء الجنود , وأسقط الصرب طائرة إيطالية كانت تحمل المواد الغوثية إلى ضحايا البوسنة والهرسك .

ونتيجة لتمادي الصرب في عدوانهم عرضت القضية على الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في دورتها العادية المنعقدة في سبتمبر 1992 م , فأصدرت قرارا في 23/9/1992 م بأغلبية 127 صوتا ضد 6 أصوات وامتناع 36 عضوا , ويقضي بطرد صربيا والجبل الأسود من الهيئة الدولية , لأنها أصبحت لا تمثل يوغسلافيا ” سابقا ” , وعليها التقدم بطلب جديد للانضمام للهيئة الدولية , وكل قرارات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة هزيلة لا تواكب أحداث الإبادة الجماعية , والتدمير للمدن والقرى , وذبح الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ البوسنة والهرسك , وقدمت الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة الأمم المتحدة تضم 50 تقريرا عن جرائم الصرب في البوسنة والهرسك تشمل أحداث التطهير الديني الجماعي , وطرد جماعي للسكان , واغتصاب للأعراض , وتعذيب وقتل جماعي في شوارع المدن والقرى والمعسكرات وطالبت بتشكيل لجان للتحقيق , وبرغم هذا لا يتوقف الصرب عن ممارسة كل هذه الجرائم .

مجلس وزراء دول عدم الانحياز ” جاكرتا :

قرر مجلس وزراء خارجية دول عدم الانحياز الذي عقد في جاركرتا بأندونيسيا في الأسبوع الرابع من شهر ربيع الأول 1413 هـ , الموافق الأسبوع الرابع من شهر أغسطس 1992 م , قرر عدم الاعتراف بالصرب والجبل والأسود كوريث ليوغسلافيا ” سابقا ” ويجب أن تتقدم الدولتان بطلب عضوية جديد لمجموعة عدم الانحياز .

المجموعة الأوروبية :

عقدت المجموعة الأوروبية مؤتمرا في لندن في الأسبوع الثاني من شهر صفر الخير 1413 هـ , الموافق الأسبوع الثاني من أغسطس 1992 م , وطلب حضور رؤساء الجمهوريات الست التي كانت تتكون منها يوغسلافيا ” سابقا ” لمحاولة حل المنازعات الصربية , ولكن المؤتمر لم يصل إلى نتيجة , سوى تعيين وسيط جديد وهو ( اللورد أوين ) .

مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي :

هدد مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي , والذي عقد في الأسبوع الأول من ذي القعدة 1413هـ الموافق الأسبوع الأول من مايو 1992م , هدد بتعليق عضوية يوغسلافيا ” سابقا ” ما لم يتوقف الصرب عن أعمالهم الوحشية في البوسنة وةالهرسك .

وهناك العديد من المؤتمرات الأخرى , منها مؤتمر جنيف للسلام في يوغسلافيا ” سابقا ” , ولقد طالب بزيادة إحكام الحصار الاقتصادي للصرب , والجبل الأسود , وعقد هذا المؤتمر في المقر الأوروبي لهيئة الأمم المتحدة ” جنيف ” , ومن المؤتمرات , المؤتمر الدولي الذي عقد في النمسا , والمؤتمر البرلماني الدولي الذي عقد في عاصمة السويد , ولكن للأسف لم تستجب صربيا والجبل الأسود لأي من هذه القرارات , التي صدرت عن هيئة الأمم المتحدة , ومجلس الأمن , أو قرارات المحافل الدولية , والعدوان الصربي مستمر , مما جعل هذه القرارات مجرد حبر على ورق .

المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في البوسنة والهرسك :

عقد هذا المؤتمر في زغرب في يومي 21 – 22/3/1413 هـ – 21 – 22/9/1992 م وحضره حشد من علماء المسلمين وأصدر عدة قرارات منها :

استنكار العدوان الصربي والقتل الجماعي لسكان البوسنة والهرسك – ومنها استنكاره المؤامرة ضد هذا الشعب , ومنها طلب مساعدة الضحايا , ومنها مناشدة الشعوب الإسلامية لتقديم الدعم .

مؤتمر لشبونة بالبرتغال :

عقدت محادثات في لشبونة برعاية المجموعة الأوروبية في 24/5/1992 م ولقد بنيت هذه المحادثات على تشكيل الكانتونات للقوميات الثلاث ( المسلمون , والصرب والكروات ) حيث تكون العناصر الثلاثة جمهورية البوسنة والهرسك , وهذا تفتيت وتقسيم لجمهورية البوسنة والهرسك لهذا رفضته البوسنة والهرسك على لسان وزير خارجيتها , ووافق عليه ممثل الصرب في المؤتمر , وتحفظ ممثل الكروات بخصوص نسب توزيع الأرض , ولكنه وافق على مبدأ التقسيم , ولقد فشل المؤتمر في الوصول إلى حل سلمي لحرب الإبادة الدائرة في البوسنة والهرسك .

فرنسا والأزمة في البوسنة والهرسك :

لقد عبرت فرنسا عن الاهتمام بالبوسنة والهرسك , جاء هذا ممثلا في زيارة الرئيس الفرنسي للبوسنة والهرسك , وشاهد بنفسه مأساة شعبها , وإمعانا في صلافة الصرب تم قصف سراييفو في أثناء زيارة الرئيس الفرنسي .

 

لقد أصابت حرب الإبادة في البوسنة والهرسك , مدنا عديدة , فالعاصمة سراييفو يصيبها التدمير وحرب الإبادة يوميا منذ رمضان 1412 هـ , وأصبح هذا التدمير عنصرا مشتركا مع مدن عديدة منها توزلا , ونوراجدا , وبيهاتشى , وبراتوناس , وبريدور , ومدريج , دوبوى , وزفورنيك , وعشرات القرى في وادي نهر درينا , ومدينة بوسانسكي برود , ومدينة برتشكوان , ودرفنته , ومدن بوسانسكا كروبا , وبسونسكا بتروفسيا , وموستار , عاصمة مقاطعة هرسك , وفيشو غراد , وقدمت الولايات المتحدة الأمريكية تقريرا إلى هيئة الأمم المتحدة يشمل العديد من الأدلة على ارتكاب الجرائم من قبل الصرب , كما يساعد في التعرف على عمليات التعذيب والقتل الذي ارتكبته قوات الصرب في البوسنة , خصوصا في مدينة بوزولا التي أرغم فيها 200 ألف مسلم على الهجرة , كما شهد استاد مدينة بوسانسكا نوفى جريمة إعدام بالجملة ارتكبتها قوات الصرب .

المصدر : السكينة

Leave a Reply