داغستان جزء من الران ، والران من إقليم أكبر أطلق عليه المؤرخون والجغرافيون العرب ” الرحاب ” . وكان يضم إلى جانب الران كلاً من أرمينيا وأذربيجان،وداغستان الآن جمهورية ذات حكم ذاتي بالاتحاد السوفيتي سابقاً والمسلمون بها أكثرية وليسوا أقلية .

الموقع

توجد شرقي جبال القفقاس بينهما وبين بحر قزوين ، ومعنى داغستان أرض الجبال ، وبحر قزوين يشكل الحدود الشرقية لداغستان ، وتشترك حدودها الغربية مع جورجيا وشاشان أما الشمالية والشمالية الغربية فتشترك مع جمهورية روسيا الاتحادية ، وحدودها الجنوبية تشترك مع أذربيجان .

وتبلغ مساحة داغستان 50,300 كم2 ، وعدد سكانها في سنة 1401هـ – 1981م ( 1,670,000 نسمة ) ، وعاصمة داغستان مدينة محج قلعة وسكان العاصمة ربع مليون نسمة .

ومن أبرز مدنها دربنت ، وعرفت عبر التاريخ الإسلامي بباب الأبواب ، ذلك أنها تشرف على الممر السهلي الذي يعتبر باباً بين قارتي آسيا وأوربا .

الأرض

تشكل الجبال ثلاثة أرباع مساحة داغستان ، وهي المنحدرات الشرقية لجبال القفقاس ، وتنحدر أنهارها من جبال القفقاس ، وأبرزها نهر ترك ونهر صولاق . والقسم الشرقي من داغستان سهل ضيق يشرف على بحر قزوين ويزداد اتساعها كلما اتجهنا نحو الشمال .

المناخ

مناخ داغستان بارد في الشتاء ، فتصل إليها الرياح الباردة الآتية من الشمال ، وتتساقط الثلوج على مرتفعاتها ، وأمطارها وفيرة ، والصيف معتدل على سفوحها ، وتزداد حرارته على سهولها .

السكان

سكان داغستان ينتمون إلى قبائل قوموك ، وآندي ، وداغستان ، وجميعهم يعتنقون الإسلام ، ولقد هجر الروس إليها أعداد كبيرة ، مما جعل الأغلبية الإسلامية تتناقص ، ويعيش القوموك في شمال داغستان ، وكانت عاصمتهم مدينة طارقي وتسمى الآن ” بتروفسك ” وقبائل ” اللاندي ” وتعرف أحياناً باسم ( اللزكي ” ويدعون أنهم يرجعون إلى أصول عربية ، وقد أسسوا لهم حكومة في منتصف القرن الثالث عشر الهجري بزعامة الشيخ شامل ، غير أن قبائل داغستان أعطوا البلاد اسمهم .

النشاط البشري

تشتهر بلاد الداغستان بإنتاجها الزراعي والرعوي ، وأبرز غلاتهم الحبوب والفواكه ، وتربى الأغنام بأعداد كبيرة ، واشتهرت مدينة باب الأبواب “داربنت ” حالياً بإنتاج السجاد ، وبالبلاد ثروة نفطية لا بأس بها .

كيف وصل الإسلام إلى داغستان ؟

قبل وصول الإسلام كانت المنطقة تتبع الإمبراطورية الساسانية ، وكان يتولى الحكم بها ملك اسمه ” شهر براز ” ومقره مدينة باب الأبواب ، أما ديانة السكان فكانت المجوسية والنصرانية وأقلية يهودية ، ويرجع أول اتصال للمسلمين بهذه المنطقة إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث وجه إليهم حملة بقيادة عمرو بن سراقة رضي الله عنه ، وكان تحت امرته بكير بن عبد الله ، وعبد الرحمن بن ربيعة ، وحبيب بن مسلمة ، وحذيفة بن أسيد ، وسلمان بن ربيعة ، وصلت الحملة مدينة باب الأبواب في سنة 20 هجرية ولم يقع قتل بالمدينة ، بل أسفر الأمر على توقيع صلح ، كانت نصوصه فريدة من نوعها ، أظهرت مرونة المسلمين في معالجة المشاكل ، وأبرزت مدى تسامح الإسلام ، فلقد قبل قائد الجيش المسلم عمرو بن سراقة عليه رضوان الله ، قبل ما ارتضاه ” شهر براز ” ملك ” باب الأبواب ” وهو القتال في صفوف المسلمين عوضاً عن الجزية ، فالخدمات التي أداها ” شهر براز ” للقوات الإسلامية تفوق قيمة الجزية التي كانت ستجنى من أهل باب الأبواب ، فاتخذ المسلمون من المدينة مركز انطلاق لحملات نحو أعدائهم ، ولما علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنصوص هذا الصلح أجازه ووافق عليه .

ومن مدينة باب الأبواب اتجهت الحملات الإسلامية إلى بلاد الخزر وباقي بلاد الران وأرمينيا ، فقاد بكير بن عبد الله حملة إلى موقان ، وحبيب بن مسلمة قاد حملة إلى تبليس ، وقاد حذيفة بن أسيد حملة إلى جبال اللان ،كما تزعم سلمان بن ربيعة حملة إلى حدود أرمينيا ، وهكذا كانت مدينة باب الأبواب منطلقا للعديد من الحملات الإسلامية .

وبعد وفاة سراقة بن عمرو رضي الله عنه خلفه عبد الرحمن بن ربيعة ، ثم أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الرحمن بن ربيعة بغزو بلاد الخزر، فوصلت الجيوش الإسلامية إلى مدينة ” بلنجر” بل تقدمت إلى شمالها بمائتي ميل فوصلت مدينة البيضاء وأصبحت مدينة ” باب الأبواب ” ثغراً للدولة الإسلامية في الشمال الشرقي من إقليم الرحاب ، وكان هذا الثغر في مواجهة أعداء الدولة الإسلامية من الخرز والروس، وكانت المهام الملقاة على ثغر” باب الأبواب” تفوق المهام الملقاة على عاتق أي ثغر آخر في الشمال .

ولقد استمرت هذه الدفعة للدعوة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، إلا أنها أصيبت بالتجمد في بداية العصر الأموي ، وعادت للنشاط في نهاية هذا العصر ، ففي السنوات الأولى من خلافة هشام بن عبد الملك شهدت منطقة الرحاب وبصفة خاصة منطقة داغستان ممثلة في قاعدتها مدينة ” باب الأبواب ” شهدت تصعيداً لبث الدعوة الإسلامية وتصعيداً للصراع بين الإسلام والقوة المعادية الممثلة في الخرز والروس ، فكان لاستشهاد الجراح بن عبد الله الحكمي وانهزام قواته بالقرب من أردبيل أثره في حشد الجيوش الإسلامية لمواجهة الخزر فتجمعت قوات إسلامية عظيمة بقيادة سعيد الحرشي وهزم الخزر والران ، وتعقبهم بعيداً خارج حدود إقليم الرحاب ، واتبع الأمويون سياسة جديدة في نشر الإسلام بهذه المنطقة ارتكزت على إبعاد العناصر المشبوهة ، وتشجيع العناصر العربية على الاستيطان بالمنطقة وتطبيقاً لسياسة الاستيطان أسكن مسلمة بن عبد الملك والي منطقة الرحاب 24 ألف من أهل الشام مدينة ” باب الأبواب ” وأدت هذه السياسة إلى تغيير التركيب البشري للمنطقة ، وأصبحت العناصر العربية العمود الفقري في الدفاع عنها . وازدهرت الدعوة الإسلامية في عهد ولاية مروان بن محمد ، فلقد أعاد توزيع استيطان المسلمين بالمنطقة ، مما أثر في الدعوة الإسلامية وتثبيتها في منطقة داغستان .

وسار العباسيون على نهج الأمويين ، ففي عهد أبي جعفر المنصور تولى منطقة الحدود يزيد بن أسيد السلمي ، ويحفظ التاريخ لهذا القائد صفات مجيدة في الجهاد ضد أعداء الإسلام في منطقة الثغور الشمالية فمد رقعة الإسلام نحو الشمال في بلاد الران ، وطبق سياسة استيطان المسلمين بهذه المناطق .

وفي القرن الثالث الهجري في سنة 241هـ نجح القائد العباسي بغا الكبير في تأكيد سيطرة الإسلام على المنطقة ، وزادت نسبة معتنقي الإسلام ، وفي القرن الخامس الهجري سيطر الأتراك السلاجقة على منطقة الرحاب وما حولها ، وكان الحكام الجدد من المسلمين لهذا أتى الحكم الجديد بالمزيد من الجماعات الإسلامية التي تنتمي إلى أصول تركية ، فزادت نسبة المسلمين زيادة عظيمة ، إلا أن المنطقة أصيبت بنكسة جديدة نتيجة سيطرة المغول ، ثم تحول الأمر إلى صالح الإسلام بعد أن اعتنق المغول الإسلام ، فأصبح الإسلام دين الأغلبية الساحقة ، وبعد المغول سيطر الأتراك العثمانيون على المنطقة في القرن الخامس عشر الميلادي ، وفي سنة 1298هـ ، أعلنت روسيا حمايتها على بلاد الكرج المجاورة لداغستان ، فقام الداغستانيون بمقاتلة الروس بزعامة عمر خان ، وتجددت محاولة الداغستانيون بزعامة الشيخ شامل في سنة 1280هـ ، ولكنه هزم ودخل الروس داغستان ، واضطهدوا الداغستانيين فهاجر الكثير منهم . وفي العهد السوفيتي أعلن قيام جمهورية الداغستان في سنة 1340هـ وأصبحت ذات حكم ذاتي تتبع روسيا .

يشكل المسلمون أغلبية سكان داغستان ، وعددهم يصل إلى 1,500,000 نسمة ، وبالداغستان الإدارة الدينية لمسلمي شمال القفقاس ومقرها مدينة بيوناسك في جنوب غربي العاصمة الداغستانية محج قلعة ، وتقلص عدد المساجد في عهد السوفيت ، فمن أكثر من ألف مسجد لم يتبق غير سبعة وعشرين مسجداً .

كما تلاشي وجود التعليم الإسلامي ، لتزيد الهوة الفاصلة بين مسلمي الداغستان وتراثهم الإسلامي ، وكانت اللغة الداغستانية تكتب بحروف عربية ، وصدرت بها عدة كتب في مختلف العلوم ، وأضافوا لأحرف الهجاء العربية عدة  حروف ، ودخلتها كلمات عربية كثيرة ، كما كان أهل داغستان يتحدثون العربية إلى جانب لغتهم لا سيما علماء الدين الإسلامي ، وأسس الداغستانيون مطابع عديدة طبعت فيها الكتب العديدة ، كما صدرت عدة مجلات باللغة العربية والداغستانية ، هذا قبل استبدالها باللغة الروسية . ومعظم المسلمين بداغستان ينتسبون للمهذب الشافعي .

المصدر : السكينة

اترك رد