بقلم/ د.مسلم ثائر

بسم الله والحمد لله وحده، والصلاة على من لا نبي بعده، وسلم تسليما كثيرا
ثم أما بعد ؛

فمن الشبهات التي أثارها بعض المشايخ حول موضع المشاركة في البرلمانات وخلافه هي شبهة التفريق بين قبول فلسفة الديمقراطية وآلياتها

حيث يقولون أن الديمقراطية تنقسم إلى أمرين ؛

ـــ المبادئ والفلسفة (التي بنيت عليها وظهرت من أجلها)ـ
ـــ الآليات والوسائل (التي يتم عن طريقها تحقيق الديمقراطية في أرض الواقع)ـ

ــ 1 ــ أما (المبادئ والفلسفة) ؛
مثل مبدأ (سيادة الشعب) ، ومبدأ (حكم الأغلبية المطلق)

فقد اتفقوا على حكمها ألا وهو أنها مبادئ مخالفة للإسلام في أغلبها مخالفات صريحة وفي أصول الدين
(ومن أراد الزيادة فليراجع مصنفات علماء الإسلام في ذلك)

ــ 2 ــ أما (الآليات والوسائل) ؛
مثل ؛ الانتخابات والاستفتاءات والدساتير

فهي بين احتمالين ؛

الأول ؛ إن كانت هذه الوسائل مخالفة للشريعة في ذاتها أصلا
فلا تقبل بحال، لا في نظام إسلامي ولا في غيره

الثاني ؛ إن كانت ليست مخالفة للإسلام في ذاتها

ففي هذه الحالة يتوقف حكمها على طريقة استخدامها وللنظام التي ستستخدم في إقراره وعلى الضوابط التي ستحكمها

وذلك لأنه هذه الوسائل عبارة عن ابتكارات بشرية شأنها مثل سائر الاختراعات الحديثة

فإن تم استخدامها لتطبيق أي نظام غير إسلامي مثل استخدامها لتطبيق فلسفة (الديمقراطية)، فهي محرمة
بل وربما تأخذ نفس حكم النظام التي وضعت لأجل تطبيقه
ودرجة التحريم تتناسب مع طبيعة التعامل مع الوسيلة نفسها،
وطبقا لما يحيط بها من ضوابط مخالفة للشريعة

أما إن استخدمت تلك الوسائل لتطبيق (نظام الشورى الإسلامي) والتزمت بضوابطه التي نصت عليها الشريعة،
فما الذي يمنع من ذلك ؟؟

وذلك بشرط عرضها على الشريعة، لنأخذ منها ما يوافق الشريعة، ونترك منها ما يخالفها

وهي هنا مثل الدواوين التي اقتبسها سيدنا عمر (رضي الله عنه) من الفرس
ومثل ؛ قوانين المرور التي أخذناها من الغرب
ومثل ؛ الاختراعات الحديثة كالسيارات والطائرات والتلفاز

فكل هذه الأشياء نستفيد منها ، إذا استخدمت لتحقيق مصالح الناس بما يتوافق مع الشريعة
ونتركها إذا تسببت في إحداث مفاسد للناس ، أو كان فيها ما يخالف الشريعة

وهنا وقفة مهمة حول استخدام آليات الديمقراطية في ظل النظام الديمقراطي؛

وهي أنه لا ينبغي لنا أن نقبل بآليات الديمقراطية ولا أن نشارك فيها في ظل نظام ديمقراطي أو في ظل وجود دستور ينص على الديمقراطية ومبادئها كما هو الحاصل حاليا

وإنما قد نقبل بتلك الوسائل في إطار تطبيق نظام الشورى الإسلامي لا الديمقراطي
أي أن ذلك يكون بعد قيام الدولة الإسلامية القائمة على الشورى لا قبل ذلك

فحينئذ يمكن أن نستفيد من آليات الديمقراطية لتحقيق الشورى
وليس في واقعنا الحالي مطلقا !!

لأن الآليات المستخدمة في واقعنا الحالي هي مبنية على مبادئ الديمقراطية الفاسدة وبالتالي فلها نفس الحكم
إذ للوسائل أحكام المقاصد

بل إن هذه الآليات ما وضعت إلا لجعل مبادئ الديمقراطية واقعا في دنيا الناس وهذا هو ما تنص عليه صراحة

لذلك نعجب أشد العجب ممن يفرقون بين مبادئ الديمقراطية ووسائلها في النظام الديمقراطي !!

وهل النظام الديمقراطي إلا عبارة وسائل ؟!
فالدستور والانتخابات والاستفتاءات ما هي إلا وسائل لتحقيق الديمقراطية
وبالتالي فهي عين الديمقراطية وحامية مبادئها

لذا فإن التفريق بين فلسفة الديمقراطية ووسائلها (في ظل النظام الديمقراطي) أمر غريب حقا !!
إذ هما في الحقيقة شيء واحد ولا حدود تفصل بينهما

وإلا فما هي هذه الفلسفة على أرض الواقع ؟؟؟
ما شكلها وما لونها ؟؟؟

إنها ليست إلا هذه الوسائل

والذي يفرق بينهما كالذي يفرق بين الروح والجسد !!
أو كالذي يفرق بين الوسائل والمقاصد !!

وإنما الفرق الوحيد هو أن فلسفة الديمقراطية لا تقبل مطلقا لا في نظام ديمقراطي ولا في نظام إسلامي
أما الوسائل فيمكن الاستفادة منها في النظام الإسلامي بضوابط معينة يحددها أهل العلم

لذا فإنني أدين لله بعدم جواز المشاركة في البرلمانات على الصورة الحالية تحديدا

والدليل هو أن هذه وسائل وآليات الديمقراطية لا تستخدم حاليا،
إلا ويكون مصاحبا لهذا الاستخدام الإقرار بفلسفة الديمقراطية ولا بد

لكنني مع كل هذا متوقف في مسألة المشاركة في البرلمانات في حالة إذا ما تم الالتزام بالضوابط الشرعية التي اشترطها من أجازوا دخول البرلمانات من العلماء
وهذا لم يحدث أصلا في مصر ولا في غيرها على حد علمي

وذلك لأن كثيرا من أهل العلم المعاصرين الذين أجازوا الدخول إلى البرلمانات لكنهم وضعوا ضوابط قاسية
ولكن هذه الضوابط من شبه المستحيل تطبيقها

ولم يقم أي حزب بتطبيقها في مصر إلى الآن

وأهم شرط من هذه الشروط؛ هو البراءة من الأصل الذي بنيت عليه هذه المجالس ؟
فما هو هذا الأصل الذي يجب التبرؤ منه …؟؟؟

إنه الدستور الديمقراطي الحالي

فهل تبرأ منه الإسلاميون ؟
بل على العكس قد أقروه عندما صوتوا له بــ( نعم)!!
فأين هذا التبرؤ ؟

كما أن حديثنا هذا هو عن الواقع الحالي تحديدا، وليس حديثا مطردا
وبالتالي لا يؤسس لقواعد أصولية ، بل هو كلام عن واقع معين نعيشه

أرجو أن يكون هذا واضحا

هل يمكن تطبيق الشريعة على أسس مبدأ العقد الاجتماعي الديمقراطي ؟!!

مبدأ العقد الاجتماعي الذي هو من صلب فلسفة الديمقراطية هو مبدأ طاغوتي غير إسلامي
وهذه الآليات ما قامت إلا لحماية هذا المبدأ وتفعيله وجعله واقعا
وبالتالي أخذت حكمه

ولذلك لابد من تحرير الآليات من قيد مبدأ العقد الاجتماعي
فإن تحررت منه ، فسيذهب ما بها من خبث

أما مسألة أنه يمكن أن تكون الشريعة أصلا للتشريع بناء على قاعدة العقد الاجتماعي

فهذا هو عين التلبيس والخلط بين الأمور !!
بل هو يعد من أكبر الخدع الشيطانية التي خُدع بها عوام المسلمين بل وكثير من علمائهم للأسف الشديد

لماذا ؟

لأن تحكيم الشريعة بناء على مبدأ العقد الاجتماعي
يختلف تماما عن تحكيم الشريعة بناء على مبدأ التسليم لله

فالأول يناقض أسس الإيمان ، والثاني هو عين الإيمان والتوحيد

وذلك لأن تحكيم الشريعة عن طريق نظرية العقد الاجتماعي يتضمن أمورا تخالف أصل التوحيد

مثل؛ أن تكون هذه التشريعات أو القوانين باسم الشعب وتحت سيطرة نوابه
وأن يكون للبرلمانات الشعبية السيادة على هذه التشريعات
بمعنى أنه يستطيع تعديلها أو إلغاءها في أي وقت شاء ، طالما توفرت الأغلبية المناسبة بحسب دستور كل دولة

وتصور هذا النوع من الأنظمة هو تصور (ديمقراطي) محض
بل وعلى على الطريقة الأوروبية، وليس تصورا إسلاميا حقيقيا

لأن السلطة التشريعية في مثل تلك دولة تكون فيها (للشعب) بالكامل

وحتى لو وجدت مواد في الدستور تتكلم عن الإسلام أو حتى عن تحكيم الشريعة فإنها تكون بإذن الشعب
وتحت حكم الشعب، وباختيار الشعب
ويكون للشعب الحق في إزالتها متى شاء، أي يكون الشعب مهيمنا عليها

وبالمناسبة، يوجد بعض من هذا في أعتى الديمقراطيات الغربية التي فيها مواد في دساتيرها تتكلم عن الديانة النصرانية بل وتمنع تولي منصب الرئيس لغير النصارى

لأن هذا لا يتنافى مع الديمقراطية وليس قيدا عليها أصلا ، طالما أن هذه المواد صدرت باسم الشعب وتحت حكمه وتصرفه وطالما أن له الحق في تعديلها متى شاء !!

كما أن الدولة في هذا النوع هي دولة أحزاب تتعاقب عليها الأحزاب الغير إسلامية مع الإسلامية
والفيصل هو للشعب

مثال ؛
الدستور المصري لسنة 71 وتعديلاته
حيث توجد فيه المادة الثانية والتي فيها: (مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع)

ولكن نفس الدستور يعطي لنواب مجلس الشعب الحق في تعديل هذه المادة أو إلغاءها إذا توفرت أغلبية مناسبة في مجلس الشعب وبعد موافقة الشعب في الاستفتاء على ذلك !!

أي أن الدستور ينص على أن سيادة الشعب فوق سيادة المادة الثانية !!

ويعنى ذلك أن سيادة الشعب فوق سيادة شرع الله
ولا حول ولا قوة إلا بالله

وهذا النوع من الممارسة الديمقراطية المبنية على نظرية العقد الاجتماعي مخالف لأصول الإسلام وقواعده الواضحة المبينة في القرآن والسنة

إذ كيف يكون للشعب حق في التشريع بما لم يأذن الله به !!!؟؟؟

وقد قال تعالى:ـ{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ـ[ الشورى :21]ـ

وكيف يكون للشعب حق التصويت بل والاعتراض على أحكام الله !!!؟؟؟؟

والله تعالى يقول:ـ{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}ـ[الأحزاب 36]ـ

إلا أن وجود هذه التشريعات التي توحي في ظاهرها وكأنها تعظم الدين ، سبب لبسا عند كثير من المسلمين

ونظرا لضعف ثقافة كثير من المسلمين بحقيقة هذه النظم الديمقراطية فقد انخدعوا بهذه التشريعات

وبذلك يتضح أن هذا الأنموذج من الديمقراطية المبني على نظرية العقد الاجتماعي لا يتفق مع الإسلام في شيء

والله أعلى وأعلم

اترك رد