الخرطوم – السودان | أحوال المسلمين 

يعرف اشهر سجن في السودان “سجن كوبر” أنه هو اكبر قلعة لانتهاك حقوق الانسان، حسب معلومات المرصد الإعلامي الإسلامي، و حسب عدة وكالات حقوقية، فماهي قصة هذا السجن؟ و لماذا يعرف بهذا الشكل؟

الموقع

يقع سجن كوبر في حي عمر المختار (كوبر سابقا)، و هو حي سوداني يقع في ولاية الخرطوم مدينة الخرطوم بحري، وهو من اقدم احياء بحري وارتبط اسمه بالسجن الذي يقبع فيه وهو سجن كوبر، و يمتد من حي الواحة جنوبًا وفي الشمال الفاصل مع المنطقة الصناعية الخرطوم بحري وغرباً شارع بشير محمد سعيد أما في الشرق شارع الشفاء حي كافوري

أصل التسمية

قرر الإنجليز بناء اضخم سجن عرفته بلاد السودان منذ فجر التاريخ، ثم جاء الجنرال البريطاني “ريجنالد وينجت” برجل عسكري يدعى “كوبر” لشغل المسؤول البريطاني علي ادارة منطقة الخرطوم بحري، و تم تكليفه بمتابعة أعمال السجن فأخذ منه اسمه و شدته .

عمارة السجن

images-cms-image-000005178

 شيد السجن علي قطعة ارض تبلغ مساحتها بنحو خمسة ألف متر مربع بمنطقة بعيدة عن المناطق السكنية والعمرانية وقتها، وتم تصميمه علي شكل هندسي يحاكي سجون بريطانيا.

ينقسم السجن الي خمسة أقسام أشهرها القسم الشمالي ومخصص للذين ينتظرون أحكام، والقسم الجنوبي وهو مخصص للمحكومين، وفي داخل السجن ممارسات وانتهاكات صارخة لأبسط قواعد حقوق الإنسان، والأقسام الخمسة تبدأ بالحروف الابجدية، فالقسم (ج) الذي كان يحتجز فيه قتلة الأمريكي جون غرانفيل هذا القسم مخصص للنزلاء السوبر ويقوم بإدارة هذا القسم ضباط الأمن الوطني.

تتزايد اعداد زوار القسم الجنوبي يوماً بعد يوم عندما تصدر احكام بالاعدام على السجناء، ويقوم النظام السوداني بتنفيذ احكام الاعدام بحق الاسرى وبدون اي اخطار للأسير أو لأسرته بما يخالف أبسط قواعد حقوق الإنسان ، حيث يتم اخطار الأسير في آخر الليل ويتم التنفيذ في الصباح الباكر.

تاريخ سجن كوبر

بعد أن انتصرت القوات البريطانية علي جيش الخليفة عبدالله التعايشي عام 1899م، وقعت السودان بكاملها في يد الجنرال “كتشنر”، عندها شرع الجنرال البريطاني في بسط قوته و تاسيس مدينة الخرطوم، فاستجلب العمال والفنيين المهرة من مصر بكميات كبيرة وايضآ معدات البناء والزراع.

أمر الجنرال “كتشنر” ببناء سجن كبير بمدينة الخرطوم بحري و بدأت أعمال إنشائه في 1902م، و كان موعد افتتاحه في يونيو عام 1903م، لكن كتشنر لم يحضر الافتتاح بسبب استدعاءه الي لندن بتوجيهات من الملكة انجلترا ليشغل وظيفة اخري هناك، قدم بعده كحاكم عام علي السودان الجنرال السير “ريجنالد وينجت” الاطول حكماً مقارنة مع بقية الحكام البريطانيين الذين حكموا السودان، حيث شغل منصب حاكم عام لمدة 17 عاما (من يوم 23 1899م وحتي 31 ديسمبر من عام 1916م)، وهي فترة طويلة اتاحت له تنفيذ كثير من المشاريع الاستعمارية بالسودان.

اشرف وينجت بنفسه علي تكملة بناء السجن بالخرطوم بحري ولم يطلق عليه اسماً محدداً، حتي جاء المستر “كوبر” المسؤول البريطاني عن ادارة منطقة الخرطوم بحري فاولي السجن اهتماماً خاصاً، فتم اطلاق اسمه علي السجن.

 

 

 سجناءه

اول دفعة سجناء دخلوا هذا السجن هم بعضاً من السودانيين الذين ابعدتهم السلطات المصرية من بلدها بتوجيهات من القصر الملكي لانهم كانوا نشطاء سياسيون انتقدوا دور الملك المصري في وقوفه مع البريطانيين ل احتلال السودان ومشاركة جنود مصريين في معارك “كرري” و”ام دبيكرات”.

أشهر الشخصيات السودانية التي دخلت هذا السجن

1- قادة اعضاء جمعية “اللواء الأبيض” عام 1924م

2- الضباط السودانييون التابعون وقتها ل”قوة دفاع السودان” وقاموا بتمرد عسكري مسلح بقيادة عبدالفضيل الماظ ضد القوات البريطانية ، ودارت اشتباكات و بالذخيرة والمدافع الرشاشة ، وتم اعتقال من تبقوا احياءآ وسجنوا ب”كوبر” وبعدها تم فيهم حكم الإعدام رميآ بالرصاص في ديسمبر 1924م، وكانت هذه اولي عمليات اعدام تتم بالسجن.

3- اسماعيل الازهري، اعتقله نميري وسجنه فيه.

4- عبدالخالق محجوب.

5- الشفيع احمد الشيخ.

6- جوزيف قرنق.

7- اللواءعمر الطيب.

8- محمود محمد طه.

9- حسن الترابي.

10- الجزولي دفع الله.

11- احد سليمان المحامي.

12- مجدي محجوب محمد احمد.

14- الضباط اعضاء انقلاب 25 مايو 1969.

15-بعضآ من اعضاء الحزب الشيوعي ونذكر منهم: كمال الجزولي، اسامة عبدالرحمن النور، فاروق كدودة، .محمدابراهيم نقد

16- ابن الشيخ أبو زيد محمد حمزة، عبد الرؤوف أبو زيد

تحطيم أسطورة السجن

الهروب الناجح

تميز السجن بحراسته المشددة و القوة الامنية الصارم، و لكن ما لبثت أن تداعت هذه الاسطورة أما هروب ماكر نفذه عبد الرؤوف أبو زيد رفقة أصدقائه الثلاثة محمد مكاوي، عبد الباسط الحاج الحسن ومهند عثمان الذين أدينو في قتل الدبلوماسي الأمريكي جون غرانفيل.

الحوار الناجح

لم تحل الاجراءات المشددة و التفتيشات المتكررة للسجناء عائقا أمام إجراء المرصد الاسلامي الاسلامي حوارا مع عبد الرؤوف بعد ان اعيد اعتقاله و الحكم عليه بالاعدام.

و بعد أن تم الحوار بين المرصد والأخ عبد الرؤوف قامت السلطات الأمنية السودانية بفتح تحقيق وتشكيل لجنة تقصي حقائق والتحقيق في كيف اخترق المرصد الإعلامي الإسلامي حصون سكن كوبر وإجراء حوار مع سجين محكوم بالإعدام والحصول على صور من داخل السجن.

غضب أمريكي

يذكر أن إدارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما وضعت عبد الرؤوف أبوزيد محمد حمزة على قائمة الإرهاب عام 2013 لإدانته بقتل الدبلوماسى الأمريكى جون غرانفيل فى الخرطوم عام 2008، ويقضى هذا التصنيف بتجميد أى أصول قد تكون مملوكة له وتخضع للولاية القضائية الأمريكية، كما يحظر على الأمريكيين إرسال أى أموال له أو القيام بمشروعات معه

شهادات معتقليه

من بين السجناء الذين سجنوا في سجن كوبر سيئ الصيت هو مجدي البغدادي، 31 عاما، مواطن بريطاني نشأ في غرب لندن، و كان يعمل في إدارة المطاعم بالمملكة المتحدة؛ ذهب الى السودان في يناير عام 2011 ليفتح مطعما متجول لبيع دجاج الباربيكيو و البطاطس علي شارع النيل، و هنا ننشر شهادته عن معاناته في سجن كوبر قائلاً:

مجدي البغدادي الذي عذب في سجن كوبر بالخرطوم
مجدي البغدادي الذي عذب في سجن كوبر بالخرطوم

أنا أول سجين سياسي بريطاني تعتقله الحكومة السودانية في سجن كوبر سيىء الذكر، تعرضت أثناء إعتقالي للتعذيب، و لم يسمح لي بتعيين محامي للدفاع عني، أو حتى السماح لي الإتصال بالسفارة البريطانية، إتهموني بالتجسس و محاولة تحريك الشراع و خلق “ربيع عربي” في السودان، ولكنهم أطلقوا سراحي في نهاية المطاف بدون توجيه أي إتهامات.

تم إعتقالي في الرابع عشر من فبراير 2011. و تنقلت بين أربع سجون داخل السودان قبل أن يتم الإفراج عني في يوم الثالث و العشرين من أبريل 2011، كنت أعتقد أنهم تعاملوا معي معاملة خاصة، ولكني عرفت لاحقا أن هذه الإجراءات عادية بالنسبة لهذا النظام المجرم. الذي يتزعمه الرئيس عمر البشير الملاحق دوليا في جرائم حرب.

تلاقيت مع أفراد من جنسيات مختلفة داخل السجون، جاؤا من تشاد، الأردن، نيجيريا، مصر، الهند، و كانت الوقائع كلها متشابة؛ تعرضنا للضرب و التعذيب، والتجويع و الترهيب بأسواء الطرق، متجاهلين فينا أبسط حقوق الأنسان، و لكن، على الرغم من بشاعة التعذيب و إنعدام الضمير تجاه هؤلاء الأجانب، لايمكن قياس هذا مقارنتا بما يمر به السودانيون داخل هذه المعسكرات من تعذيب، إن ما يمرون به هو أعمق و أشد قسوة مما يمكن أن نتصور، إن ما يقوم به نظام البشير المجرم تجاه شعبه خلف هذه الجدران هو شيء لا يصدق، و هذا ما دفعني للخروج من صمتي لكي أضع حدا لهذه المعاناة.

كل الأشخاص داخل القسم السياسي في سجن كوبر يتعرضون للتعذيب، على الأقل لم أرى أحدا يفلت من التعذيب، و قد شاهدت بنفسي كيف كانوا يقتادوا المعتقلين من حبسهم و يرجعوهم في نهاية اليوم و قد أنهكوا من شدة التعذيب.

قبل هذه الحادثة، لم يكن لي أي علاقة بالسياسة، و لكنني الأن أكثر تصميما من ذي قبل بسبب ما مررت به و ما شاهدت

هناك غرف في سجن كوبر بها إطارات معلقة بالسقف؛ يعلق بها المساجين و هم عراة ثم يتم جلدهم لساعات و ساعات. يعتدى عليهم جنسيا و يتعرضون للكي بالنار أيضا. كيف يمكن لأناس ينتسبون لجهاز المخابرات و الأمن الوطني أن يفعلوا هذا بأبناء جلدتهم؟ أخوانهم من نفس الوطن؟ هذا شئ مزعج

لديهم غرف أخرى مجهزة بمراوح يمكن أن يعلق بها المساجين، يقوم الضابط بتعرية المسجون و إنزال سرواله للكاحل حيث يقوم بربطه جيدا. ثم يقوم بتعليق المسجون من قدميه بمروحة السقف، و يتم ضرب المسجون بعصاة كهربائية حتى ينهار و يعترف بالإتهامات المنسبة إليه.

الغريب أن المساجين لم يشتكوا كثيرا من أثر التعذيب، و لكنهم كانوا يتألمون من سماع التهديد حول إغتصاب نسائهم، كانوا مستعدين للإعتراف و التوقيع على أي تهمة سواء كانوا مدانين أم أبرياء مقابل عدم التعرض للنساء في عائلاتهم.

أحد المساجين وصف لي طريقة من طرق التعذيب، فبعضهم قلعت أظافر يديه و رجليه و علقوا على مسامير الشباك بسبب الدخول في إضراب عن الطعام.

عندما كنت في السجن، حدثوني عن طفلين محتجزين تتراوح أعمارهم حول العشرة أعوام. ماذا يمكن ان يفعل طفل عمره عشر سنوات لنظام عمر البشير؟ شاهدت ضرب طفلين أخرين كانا معي في الحبس بسبب تسريحة شعرهما و حبهما للرقص الغربي. دخل الضباط الى زنزانتنا و أمسك ضابط منهم أحد الطفلين أمام الحائط، و أوسعه ضربا بأنبوب بلاستيكي سميك. كان يضربه في قدميه حتى تورمت، و كان الطفل المسكين يرتجف و لم يتمالك نفسه. حدث كل هذا على بعد متر واحد مني. كان حجم الضابط أكبر بثلاثة أضعاف حجم ذلك الطفل الصغير. لم يسبق لي في حياتي أن شاهدت مثل هذا الجرم تجاه طفل صغير. أشعر بالحسرة لأنني لم أستطع أن افعل شيأ وقتها. لذى قررت أن أفعل شيأ، و ها أنا ذا أكتب لكم عن قصة هذا الطفل الصغير، لعل أحدكم يصغي إلي و يكون بيده فعل شيء

ما فعلوه بي كان أقل مما سبق ذكره. لمدة ثمانية أيام كنت مضمد العينين، موصد اليدين و الرجلين. أخذوني الى جدار خارج الزنزانة، و إنهالوا علي بالضرب في الظهر و اليدين. ضربت في الوجه و الأكتاف. أوقفوني أمام الحائط و هددوا بقتلي. و ضعوا البندقية خلف رأسي و سمعت صوت تجهيز البندقية حتى حسبت أنها نهايتي. و لكنه كان نوع أخر من التعذيب النفسي الذي لم يبدأ لينتهي

فقدت أربعين كيلوجرام من وزني خلال فترة الحبس بسبب الجوع. رضخ في القدم اليمنى، و حروق في القدم اليسرى، و جروح من أثر القيد و الحجارة التي قطعت كاحلي أثناء التعذيب. في أيامي الأولى شعرت بالأسى على نفسي و كنت اظن أنني أقوى من ذلك، و لكن عندما فارقت السجن، لم أحس بالقوة أبدا بعد ما شاهدت تعذيب المعتقليين السودانيين، مازلت أشعر بالخجل للخوض في ما حدث لي، أو حتى التحدث عن مشاعري التي كتمتها كثيرا.

و لكني أذكر تمام العنف الذي تعرض له السودانييون، و كيف كان جسمي يقشعر من هذه المعاملة لهم، كيف أقارن ما جرى لي و ما حدث لأطفال أقل مني حجما، و لكنهم تحملوا الأذى و الألم، كم كانوا أقوياء و كنت أنا  ضعيفا.

وفي شهادة أخرى حول التعذيب و القسوة التي يعامل بها السجناء في السجن، أفاد الأستاذ الصحفي ” أبو ذرعلي الأمين” المعتقل السابق بشهادته التالية :

بسجن كوبر العديد من “المصطلحات” التي تعبر وبقوة عن أوضاعهم ومجمل أحوالهم وطرق معاملتهم من قبل ادراة السجن، وأول ما يلفت انتباهك ويجعلك في حالة من الزهول مصطلح “الحياة”، فأنت تستمع لأحد السجناء يقول لك في الحياة أنا كنت بشتغل في السوق الشعبي، أو آخر يقول لك فلان هذا أنا بعرفه من الحياة ويقصد كنت أعرفه قبل أن التقيه بالسجن، أو يستقبلون قادماً جديداً باعتباره قادم من “الحياة”، أو يستقبلون زائريهم بسؤال “بلاي الحياة كيف؟!”، والذي يثير دهشتك في استعمال السجناء لمصطلح الحياة، أنه ينقلك مما تعارفت عليه من أن الحياة هي عكس ولا يقابلها إلا الموت، وأن السجناء يجعلون السجن هو عين الموت لكنهم أمام ناظريك أحياء.

قد تستخف وتستهجن هذا الاستخدام المسئ لقيمة ومعنى الحياة، أو قد يثير فيك الضحك على هؤلاء الاحياء الذين يأكلون ويبيتون ويصبحون ويؤدون صلواتهم كل يوم وليلة ويعدون أنفسهم أموات، وقد يثير فيك التساؤل ما الذي يدفع السجناء لاجتراح مصلح الحياة وتضمينه هذا المعنى؟، وما ذا يعنون بالضبط؟، هل يعنون التفرقة بين المسجونين وغيرهم الذين ينعمون بكامل الحرية خارج السجن؟، أم أن أوضاعهم بالسجن دفعتهم وراكمت ظروف تواجدهم بالسجن كل الحيثيات التي يحملها استعمالهم الغريب لمصطلح الحياة؟

تواجدنا بسجن كوبر ضمن المسجونين تقدم كامل الشرح والتوضيح لمصطلح الحياة وما يعني، وكيف صار مصطلح يعبر بالتمام عن الحال والاوضاع داخل السجن. وكيف حَول تعامل ادراة السجنِ السجنَ إلى قبر بدلا عن مؤسسة للعقاب القانوني جزاء مخالفة قانونية تسوجب عقوبة السجن وليس سلب الحياة!

قد تذهب متهماً الى احدى حراسات الشرطة، ثم توجه لك النيابة تهماً عددا، أو تهمة واحدة، ثم تحال للقضاء، الذي يحكم عليك بعقوبة السجن لمدة محددة ومعلومة، لكن دخول السجن يختلف عن كل ذلك، لن تعرف أبداً شيئاً عن كيف ستقضي عقوبتك تلك، ولا ما هي حقوقك الاساسية كمسجون، ولا مدى حدود ادارة السجن في علاقتها معك كمسجون ضمن السجن الذي تديره، ولن تعرف ما اذا كان هناك قانون أو لوائح تحكم وتحدد الحقوق للمسجونين وطبيعة حدود علاقتهم مع ادارة السجن، وسقف الادارة ذاتها في علاقتها معهم، كل ذلك بسبب أن إدارة سجن كوبر كمثال لن تعرفك ولن تعرض عليك حقوقك، بل لن تأتي أبداً على ذكر وجود قانون أو لوائح تضبط وتحدد ادراة السجن.

 ستدخل السجن خالى الذهن لا تعرف ولا تعلم شيئاً عن المؤسسة العقابية التي ستقضي فيها مدة السجن التي حُكمت بها. ستكون أمامك فقط إدارة السجن التي لها أن تفعل بك كيف تشاء، وتسمح لك بما تشاء، وتمنع عنك ما تشاء، و قد سبق أن مُنِعت اسرتي من ادخال ملابس الشتاء لي كونها بالقانون ممنوعة، هذا الوضع بالتحديد والضبط هو الذي يجعل من السجن قبرا وليس مؤسسة عقابية.

وأضاف: يوم دخلولنا لسجن كوبر صادف ذات الليلة التي هرب فيها المحكموين في قضية قتل الموظف الأمريكي، وكان الضابط المسؤول وقتها عن قسم المنتظرين يتتحدث وقد جمع كل المنتظرين صباح اليوم التالي، وبعد أن انتهي مما يريد ابلاغه للمنتظرين (ليسوا محكومين بعد)، اشتكي له أحد المساجين، بأنه مريض وأن طعام السجن يتسبب له بمزيد من الضرر كونه يشكو من بطنه، ما كان من الضابط ذاك إلا أن ضرب الرجل بديه ضرباً مُبرحا وكال له السباب، وبعد ذلك أخذ يعرفنا عن طبعه وسيرته ومنهجه كسجان عريق ونادى مسجون آخر مشهور بسبب تردده علي السجن بين العسكر سجانيه، طالباً منه أن يؤكد ما يحكي، وكان قد قال وهو يحكي عندما كان بسحن الجريف ويساق المساجين للعمل بكمائن الطوب أن القاعدة عندهم وقتها أنه إذا كسر المسجون طوبه فهذا خطأ كبير لا يغتفر له ويحساب عليه عسيراً، أما إذا كسر رجله، فهذا (فقط) إهمال منه، وتلك هي بالتحديد صورة وقيمة المسجون عن بوليس السجن ووفقاً لها يتم التعامل

وقال: دخلنا السجن ووجدنا المحكومين بالاعدام موضوعين بالاغلال أو ما يعرف بالقيد الدائم على أرجلهم حتى لحظة تنفيذ الاعدام عليهم، ينامون ويصحون وهو عليهم، يستحمون ويبدلون ثيابهم وهو عليهم، ويردون المرحاض من بعد الصبح وحتى العصر والقيد عليهم، وبعد العصر يدخلون إلى زنانينهم والقيد عليهم، الزنزانه ما بين 5 إلى سبعة افراد أو تسعة في بعض الحالات، وأن يؤدوا صلاة المغرب والعشاء داخل زنازينهم ذاتها، وذلك بعض من أفضال المشروع الحضاري الاسلامي، وشئ من تجديده و تأصيله للعقوبات داخل السجون وسجن كوبر نموذجاً لذلك.

ادارة السجن مثلاً تقوم بجلد المساجين عقوبةً على ما أتو من فعل، قد يكون امتلاك موبايل، والموبايل بالسجن من الممنوعات برغم من أن كبار ضابط السجن يقف أمام الجيمع ويقول لهم أن الاتصال ممسوح به، وأنه من أراد الاتصال فإن إدارة السجن تسمح بذلك،ولكن ادارة السجن في الوقت ذاته لا توفر لك تلفون للاتصال، بل عليك أن تأخذ أذنها ثم تذهب لدُكان السجن تدفع أجر المكالمة من حر مالك، ولكن أن تمتلك موبايل فهذا من الكبائر، بل إدارة السجن تصادر موبايلك ولا تضعه في الامانات وليس لك أن تعرف من أعطى إدارة السجن حق مصادرة ممتلكات المساجين وإن كانت ممنوعة داخله، لكن هكذا تجري الامور. هذه الايام عقوبة الموبايل ليست فقط المصادرة بل الجلد خمسة وعشرين جلدة، جلد “حضاري اسلامي”، إذ تجلد عارياً وعلى ملاء من المساجين و أحياناً أمام جمع من السجانة وربما بحضور حتى كبار الضباط بالسجن، جلد يدمي عجزك، ولا تكتفي ادارة السجن بذلك بل تضع عليك شاش بالملح على جروح السوط امعاناً في الاذي والتلذذ به.

أغرب العقوبات على الاطلاق هي منع زيارة الاهل والمعارف لك، وفي حالتنا مُنعنا من الزيارة مرات بلا سبب أو مخالفة. بل منع زملائنا الصحفيين من زيارتنا، وقالوا لنا “إلا بإذن من إدارة السجون، لكن كل الذين طلبوا الاذن لم يجدوه رغم طول الانتظار وكثرة التردد على إدارة السجون، ومنهم من كانوا مسجونين معنا وبعد خروجهم طلبوا الاذن ولكنهم لم يجدوا إلا الممطالة، بالطبع لم يفعل اتحاد الصحفيين شيئاً، ولم يسأل من له الحق بمنع الزيارة مِن أياً كان لأحد المسجنونين أياً كان ما أتي أو ما عوقب به من قبل القضاء؟ وهل من حق أعلى جهة ولو كانت المجلس الوطني أن ينص قانوناً يمنع الزيارة عن أحد المسجونين؟ أم هذا حق إنساني يجب أن يُحرس من كل الجهات ويتم التشديد والحرص عليه ولكن كيف تعرف القانون أو الائحة؟، ومن له الحق في فرض العقوبة أو الاعتراض عليها؟، أو حتى يراقب ليمنع الشطط تجاه من يتلقى عقوبة السجن؟

اترك رد