الخرطوم – السودان | أحوال المسلمين

ميلاده ونشأته
ولد الشيخ أبو زيد محمد حمزه بمنطقة حلفا قرية «أشكيت» بالقرب من الحدود المصرية في العام 1343هـ الموافق 1925م، هاجر مع والده إلى مدينة الإسكندرية بجمهورية مصر العربية، وفي العام 1942م عاد من الإسكندرية إلى القاهرة ودرس بالأزهر الشريف، درس على يد فضيلة الشيخ محمد حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر وتلقى الدعوة على يديه، وفي نفس العام 1942م انضم لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، وظل بمصر حتى وفاة الشيخ محمد حامد الفقي عام 1959م، وبعدها عاد للسودان عام 1961م، و لم يلبث بها عاما حتى شغل إمام مسجد الحارة الأولى منذ العام 1962م وحتى وفاته رحمه الله، والتحق بجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان في العام 1963م.

الشيخ متزوج وله ثلاث زوجات وله عدد من البنين والبنات أكبرهم عبد الرحمن. والشيخ رحمه الله يحفظ القرآن الكريم، وله قدرة عالية في الاستدلال العلمي بالكتاب والسنة، كان قوياً في حجته وبيانه، وكان مع الشيخ مصطفى أحمد ناجي والشيخ محمد هاشم الهدية رحمه الله في قيادة الدعوة.

في العام 1977م بث التلفزيون السوداني له مناظرته الشهيرة والتي كثر فيها أتباع ومحبو الشيخ لما يتمتع به من قوة في الحجة. توفي أمس الأحد 14 رجب 1436هـ الموافق 3 مايو 2015م بمستشفى فضيل بالخرطوم عن 90 عاماً كانت حافلة بالعطاء والدعوة إلى الله ونشر التوحيد.

دعوته المثمرة

الشيخ_ابوزيد_محمد_حمزة_رحمه_الله

ومنذ أن صار الشيخ أبوزيد محمد حمزة رئيسًا عامًّا للجماعة بالسودان كان حريصًا على الحفاظ على هويتها العلمية الدعوية التربوية الإصلاحية، وعدم الزجّ بها في ما يؤثّر على رسالتها التي قامت من أجلها ، فحافظ عليها جماعةً قويةً مؤتلفة ً فاعلة ، تنتهج سبيل أهل السنة والجماعة في المعتقد والمواقف والسلوك ، كما حرص على التواصل مع  الهيئات والمجموعات الدعوية والعلمية في السودان ، وعرف عنه سعيه الجاد لتوحيد كلمة الدعاة ، والإصلاح بين المجموعات الدعويّة  وتعزيز الرباط الأخويّ والتعاونيّ  على البرّ والتقوى والمبادرة إلى ذلك ، والنصح لأئمة المسلمين وعامّتهم

في فترة رئاسته المجلسُ العلميّ لجماعة أنصار السنة المحمدية ، وهو مجلس يضمّ صفوة علماء الجماعة ، أنشئ في عهده نظامًا قائما على الشورى والمؤسسية في إدارة شئون الجماعة ،  مع توقير العلماء والحفاظ على مكانتهم، وخطت الجماعة خطوات متقدّمة في النظم الإدارية الحديثة الملائمة لطبيعتها ، كما قامت في عهده مشروعات نوعيّة نقلت العمل الدعويّ نُقلات متقدّمة .

سارق القلوب

الشيخ_أبوزيد-محمد-حمزة
تميز الشيخ أبوزيد أحمد حمزة بعبقرية نادرة في الدعوة تمثلت في كثير من أساليبه الإقناعية والدفاعية، له قصة مشهورة نشرها على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، تحت عنوان: «سرق جوالي… فسرقت قلبه»، حكى خلالها حواراً دار بينه وبين حرامي سطا على هاتفه عندما أوقف سيارته بالميناء البري، وقد أفلح الشيخ رحمه الله، في عودة الحرامي إلى توبة نصوحة بعد إهدائه هاتفه ليحول بين الرجل والحرام.

ويعدُّ الشيخ أبو زيد محمد حمزة رحمه الله من العلماء العاملين،الذين وثّقوا صلاتهم بعلماء العالم الإسلامي ودعاته لجمع الكلمة على توحيد الله تعالى ،  فشهد له العلماء والدعاة بالخير والصلاح  والجمع بين العلم والعمل والجهاد والله حسيبه. ولم يزل وهو في فراش موته يوصي بالتوحيد والاستمساك بالسنّة والالتزام بالهدي النبويّ.
 مشاهد من التشييع
شهدت مقابر أحمد شرفي موكباً مهيباً تقدمه المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس الجمهورية ونائبه الأول الفريق أول ركن بكري حسن صالح وعدد كبير من المسؤولين وقادة العمل الدعوي بمختلف مشاربهم الدعوية، كما شارك في التشييع عدد كبير من رموز البلاد السياسية وقادة الأحزاب والطوائف ورجال المال والأعمال وحشود غفيرة من طلاب ومحبي وعارفي فضل الفقيد الشيخ أبوزيد محمد حمزة.

حواره مع شبكة الهداية الإسلامية

وخلال لقاء معه أجرتها شبكة الهداية الإسلامية قال فيها عن بدايته ” كانت البدايات صعبة جدا، لما رجعت من مصر ذهبت إلى حلفا ـ أنا حلفاوي من هناك ـ وعملت في البلدية، التف حولي الناس والشباب والبنات، ولم يقف ضدي إلا كبار السن، ممن كانوا يتبعون الختمية وسمع بي قاضي المحكمة العليا محجوب إسحاق في زمن عبود، وربطني بالقاضي في المنطقة وكان ختميا، وكان كلما ذهبت لاستلام راتبي الشهري يقول لي: وردتني شكاوى عنك، وردتني شكاوى عنك، وقال لي ذات مرة: يمر ستة شهور بدون شكوى فيك! ولما كثر كلامه معي حول هذه الشكاوى قلت له: الله خلق البشر و 90% من خلق الله ما دايرين الله، شوف الصين! شوفها كم، وأوروبا الشرقية فيها كم؟ وفي الخرطوم الذين يدخلون السينما أكتر من الذين يدخلون المسجد، فما بالك بي؟ هناك دايرني وهناك واحد ما دايرني.

وأضاف: جئت إلى الخرطوم، وقد تعلمت من تجربتي في حلفا ألا أواجه الناس بالعقيدة من أول مرة، ولهذا استمررت أربعة أشهر في تفسير سورة الفاتحة، بدون التطرق لأمور العقيدة، وبعد خمسة أو ستة أشهر، بدأت أتكلم عن العقيدة أول، مشكلة واجهتني كانت وفد من علماء المسجد الكبير جاؤوا لمناقشتي، وكان معي 17 من القرعان كان بعملوا البخرات وتكلمت معهم في التوحيد فالتزموا بالمنهج السلفي، ولما جاء هذا الوفد كانوا يحملون عكاكيز وعصيا، قام إليهم هؤلاء القرعان وقبضوهم وذهبوا بهم الى الشرطة فذهبت اليهم وعفوت عنهم وأمام المحكمة جاء شيخهم وقال لي: إنت أبو زيد فقلت له : نعم ! فأخرج شريط اسبرين به 3 حبوب وقال لي: إذا كان هذا الاسبرين يضر وينفع فكيف بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يضر ولا ينفع ثم شتمني ومضى.

وسئل انه سرى اعتقاد ولفترة طويلة من الزمن مفاده أن جماعة انصار السنة يمكن أن تكون البديل الإسلامي لحكومة الانقاذ في الحكم، ما هي مبررات هذا الاعتقاد ؟ وهل ما زال قائما؟
فقال لا ،  أنصار السنة غير مؤهلين لحكم البلد، نحن بنعمل من أجل العقيدة، ولا مانع لدينا من بقاء الحكومة، هم يحكموا ونحن سنعمل في تصحيح المعتقدات، لقد تحالفنا مع الترابي في جبهة الدستور، وعملنا معه شهورا في السياسة، وتركنا العقيدة وفي النهاية لم ننجح.

فسُئل أليس في هذا دعوة للعلمانية وفصل الدين عن الدولة أو الدعوة عن السياسية؟
قال الأمر ليس كذلك وتركنا للسياسة وتفرغنا للدعوة لا يعني ترك المناصحة، نحن نلتقي بالرئيس البشير ونتناصح معه، ولكن ما نعنيه هو أن نسد ثغرة لا يهتم بها الآخرون ولو عُيِّن الإنسان في أي منصب، يمكن أن يتولاه دون أن يترك الدعوة، أنا ذاتي لو لقيت منصب بدخل، لكن ما ببطل دعوة.

وسئل أن الإسلاميون في تركيا وصلوا للسلطة، عن طريق الديمقراطية والانتخابات الحرة النزيهة، ووصلت طالبان عن طريق الحرب، أما في السودان فقد وصل ـ جماعتنا ديل ـ عن طريق انقلاب عسكري ، كيف تقيم هذه التجارب؟ وما هي الوسيلة المثلى للوصول الى السلطة برأيكم ؟.
قال كلهم ما نافعين وين طبقوا الشريعة؟ لا في تركيا لا في تونس، وفي مصر الآن مستشار رئيس قبطي، هؤلاء الناس لم يربوا المجتمع ولم يهيئوه لتقبل الشريعة، الشرك في مصر في كل مكان وهل تنفع شريعة بدون عقيدة؟ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، أي عمل داير عقيدة (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وكان ديل ولا ديل ولا ديل، العقيدة أولا، ولا أنا غلطان؟

وسئل بعد انفصال الجنوب توقع أن يتمكن الإسلام في الشمال، هل ترى أن الحكومة بمكوناتها الحالية مؤهلة لتحكيم الشريعة الإسلامية بصورة صحيحة؟
قال: الحكومة ما مؤهلة لتطبيق الشريعة ولا أظن ان الشريعة يمكن أن تطبق عندنا

وسئل جماعتكم هل ممكن تعمل دستور إسلامي وتقدمه؟
أين كلام الله..! القرآن موجود وفيه الدستور

وسُئل هناك من يرى ضرورة قيادة العلماء للدعوة، وهناك من يرى أن الدعاة يجب أن ينصرفوا للدعوة والتربية والتعليم، ويتركوا أمر الإدارة للمختصين، أين يقف الشيخ؟
أرى أن يقود العلماء والدعاة الدعوة، وأن يتقدموا الصفوف، ويجب أن تكون لهم كلمة، والصحابة الذين حكموا العالم كانوا علماء، ولماذا نحصر العلماء في إخراج فتاوى محدودة حول الوقوف بعرفة، وتحديد أيام الأعياد ورمضان والفطر؟، لماذا لا يتلكمون في قضايا المجتمع وهموم الناس؟، لماذا لا يقدمون فتاوى في موضوع أولاد المايقوما أو الواقي الذكري مثلا؟

وقيل له: لقد كان للجماعة بصفة عامة، ولفضيلتكم جهد مقدر في مناهضة الفكر الجمهوري. مؤخراً بدأ هذا الفكر في الظهور، ألم تكن الضربة قاضية؟ وبم تفسر ظهور هذا التيار مجدداً؟
لن يرجع مرة ثانية، لقد انتهى هذا الفكر إلى غير رجعة، لقد كان في مستطاع زعيمهم محمود محمد طه أن ينجو، لو ذكر مرجعية هذه الأفكار التي جهر بها، ولكنه نسبها لنفسه فحوكم بها، ولقد كنت حاضرا إعدامه

ـ وماذا عن الشيعة؟ هل لكم برامج لمناهضتها، وقد أخذ أمرها في الاستفحال في بلادنا؟
الشيعة أخطر تيار مناوئ للإسلام الصحيح، والمشكلة أن الدولة فتحت لهم مجالا واسعا للعمل، ويجب أن تتضافر الجهود من أجل إبعادهم ومحاصرتهم والقضاء على دعوتهم في هذا البلد

ـ هل من كلمة توجهها للحكومة في هذا الشأن؟
وهل للحكومة (أذن) تسمع بها النصائح؟!الله يهون علينا ويحمي الإسلام والمسلمين من كيد الأعداء

ـ قمتم بإمامة المصلين في صلاة الغائب على أسامة بن لادن وقدمت كلمة، ثم اصدرتم توضيحا، مالذي جرى في كواليس الجماعة حول هذا الموضوع ؟
الناس انتقدوني، أنا مشيت والحضور قدموني للصلاة، وصليت، لكن أسامة بن لادن ليس كافرًا وأنا لا أكفره، وهو ليس مشركا، قد أكون مختلفا معه في بعض الأمور، لكن في النهاية لا يخرج من الملة ولا أرى مشكلة في الصلاة عليه

-هناك بعض الدعاة تركوا الدعوة الإيجابية لمنهجهم، وباتوا يهاجمون غيرهم، ما الأسباب وراء ذلك؟ وماذا تقول لهم؟
هذا لا يجوز! ما ينبغي للداعية أن يسيء للناس يجب عليه أن يقدم دعوته بالصورة الإيجابية، وليس عليه أن يهاجم الآخرين والأمر يكون أسوأ إذا ذكرت الأسماء، بعض الدعاة يفعلون ذلك، يسخرون من الآخرين ويسيؤون لهم، وأنا نصحتهم في هذا الأمر.

حواره مع صحيفة الإنتباهة

الحوار أجراه معه محمد علي التوم من الله في 22/11/2010م و يقول فيه.
زرته بمنزله الكبير قرب مسجده بمدينة الثورة الحارة الأولى فوجدته خرج لتوه من مستشفى القلب بعد أن أجرى فحوصات. وزرته للمرة الثانية بعد يومين فوجدته قد سافر للابيض في سبيل الدعوة، وكانت الرحلة براً لا جواً.. ذلك هو الشيخ ابوزيد محمد حمزة، رقم في واقعنا المعاصر. من منا لا يعرفه او يسمع به.. صلب قوى في الذود عن مبادئه والدعوة لعقيدة التوحيد، صاحب مدرسة متميزة في الخطابة شجاعة وجذابه تأخذ بشغاف القلوب، كم جذبت عليه من المشكلات والمتاعب والضرب والسجون والشتائم ومحاولات القتل.. وفي منزله يلقاك الشيخ هاشاً باشاً، سهل الجانب ودوداً مرحاً وصاحب ضحكة متميزة. فهو يبكي ويضحك فيما يرضي الله. جلست معه في حوار بدأناه في (البيت الصغير) في ذات الحارة قرب (زلط النص)، ثم أكملناه في (البيت الكبير) قرب مسجده وفيه زوجته الأولى شريكة حياته التي بدأت معه المشوار منذ أن كان بمصر. وهو بيته الأول الذي انطلق منه في سبيل الدعوة بالعاصمة. تناولنا في الحوار بدايات حياته الأولى (حقبة الاسكندرية) التي بدأت بضرب الانجليز له 1942م ثم لجوئه للأزهر الذي وجد فيه من عنت شيوخه (مشاكل) وتظاهرات لانتمائه لجماعة أنصارالسنة المحمدية، وتتلمذ على يد شيخها محمد حامد الفقيه.. ثم عودته منها داعياً وقد أجاد الخطابة وتسلح باللغة والقرآن والسيرة النبوية والتفسير، عاد لموطنه الأصلي حلفا وأيضاً كانت حقبة متاعب، حكى فيها ما هو طريف.. ولعل تلك الحقبة التي مهدت للشيخ الهجرة للخرطوم حيث كانت نقطة تحول كبير في هجرته وذيوع صيته، فتطورت المجاهدات فيها على مستوى السلطة مما أدى لزجه بالسجن في كل الحقب العسكرية وأقساها الإنقاذ كما ذكر متهماً الترابي. لعل القارئ العزيز متشوق لكي يتعرف أكثر من خلال هذا الحوار على من هو ابوزيد محمد حمزة.. وما هو رأيه في أهم القضايا المعاصرة الوحدة والانفصال والحريات الاربع وما يستجد على الساحة بعدها، وقضايا الشباب والمرأة وافكار الصادق المهدي وما فعل الترابي، ومحاور اخرى مهمة، ندخل فيها مباشرة لنقرأها عبر اسلوب الشيخ السردي فإلى مضابط الحوار:

> بادرته بسؤال وهو يجلس على (عنقريب) مزدحم بالكتب في غرفته (الجالوص) المتواضعة:  شيخنا.. لقد سافرت للأبيض براً بعد أن خرجت من مستشفى القلب بيومين فقط، ألا يشكل هذا خطورة ومجازفة على صحتك؟
< أجاب بعد أن اعتدل في جلسته:
الحمد لله.. وكتر خير الاطباء.. كلهم أبنائي، مهتمين بي شديد وبعالجوني مجاناً.. نصحوني بالذهاب للاردن وأنا بقول العلاج من الله هو الشافي سألت الله أن يشفيني.. والحمد لله انا الآن بخير.
٭ الحمد لله على السلامة..
> إذن.. نبدأ فضيلة الشيخ ببدايات حياتك.. الميلاد والنشأة؟
< ولدت بقرية «أشكيت»، من قرى وادي حلفا شمال السودان عام 1925م. وتربيت في القرية وقريت خلوة (أنعلوه) والأولية في مدرسة (دبيرة) الاولية 1938م.. في ذات العام سافرت مع والدي للاسكندرية وبقيت بها حتى 1942م، وقضيت فترة الحرب العالمية الثانية في الاسكندرية، وكانت الطائرات ترمي قنابلها وندخل المخابئ < وكان الجيش الانجليزي يعيث في الارض فساداً ويوسع الناس ضرباً، وكان عندنا قهوة بشارع كنيسة الاقباط، وفي مرة الانجليز جو سكارى يضربوا الناس وكنت صغيراً لابس طربوش.. اثنين من الانجليز أدوني بنيه فرتقوا الطربوش.. أنا قلت «أولاد الكلب ما لهم ومالي».. جوني راجعين.. ضربتهم الاثنين، وقعوا على الارض وهربت، طاردوني وقبضوا على القهوجي وساقوا صاحب القهوة لـ (كوم الدكة)، وطلبوا منه احضاري.. المهم كانت هذه الحادثة سبباً في الذهاب للقاهرة والالتحاق بالأزهر.
> شيخنا.. السيرة بدأت عنيفه، يبدو أن هذا القلب الذي يعاني الآن هو أساساً قلب حار؟.. نتحدث عن فترة الأزهر:
< حضرت القاهرة مع خالي والتحقت بالأزهر (بالصباح) وبالليل لانصار السنة المحمدية الذين بدأت استمع لهم عام 1942< 1943م.. شيخ الازهر كان (صوفي)، كان يسيء لـ(محمد حامد الفقيه) وهو استاذنا ومن كبار علماء الأزهر الشريف.. لم تعجبني اساءات شيخ الازهر ولا اساءات الآخرين لاستاذي محمد حامد الفقيه.. ورفعت يدي للأستاذ (عبده ربه) الذي كان يبدأ محاضراته بالاساءة للفقيه، فادناني شيخ عبده ربه منه، وافتكرني من جماعة الفقيه وسألني سؤال طريف وغريب قال لي:
قال الله: «انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» في أي سورة هذه الآية؟! (يضحك الشيخ).. هذا السؤال قاد لمواجهة ثم تعدوا على شخصي وأنا جريت منهم لان انصاره طاردوني.. هذه القضية تطورت حينما سمع بها انصار السنة فاجتمع من انصارنا (60) شاباً للنقاش معهم ثم قامت المعركة.
شيخ (عبده ربه) من عاداته ما بقول (بسم الله حينما يبدأ حديثه. بقول (أنا وابور الظلط) مين يناقشني؟!.. احدهم رفع أصبعه ليسأل.. ثم قامت (مشكلة) استمرت ساعة ونصف وجات عربات الشرطة لحل المشكلة وكان فيها (بمبان) ثم من بعد ألقى بنا في سجن (الدرب الاحمر).
اثنين من انصار السنة شغالين مع الملك فاروق عملوا تلفون للداخلية وأطلق سراحي.
بعد هذه الحادثة قطعت صلتي بالازهر وانخرطت بجماعة انصار السنة.
> اذن.. هذه الحقبة جاءت بمجاهدة ايضاً عنيفة انتهت بك اخيراً للجماعة ليبدأ أهم مشوار مهم في تاريخ حياتك في مصر.. ماذا وجدت عندهم ومنهم؟
< معظمهم علماء ازهريون، قضيت حوالي ثلاثة الي اربع سنوات معهم في الدراسة: لغة عربية، قرآن، حديث، سيرة، خطابه.
> واضح شيخنا إن لك مدرسة متميزة في الخطابة.. هل وجدت صعوبة في اجادتها وبماذا خرجت منهم؟
< بقيت بارعاً في الخطابة في كنفهم فقد تعلمت منهم الكثير. اذكر أن الشيخ مرة طلب مني ان اخطب الجمعة.. طلعت المنبر وكنت احفظ نصف الخطبة. لكن في ذلك اليوم طار مني جزء منها.. المهم اكملت الباقي من رأسي.. الشيخ لاحظ ذلك، وقال لي: ما تحفظ الخطب، القيها من رأسك مباشرة. ومنها وحتي اليوم انا افعل ذلك.
>  فلندخل الى بدايات عودتك للسودان؟…
< مات الشيخ محمد حامد الفقيه 1959م رحمة الله.. كان السودان حينها في مرحلة الاستقلال وخروج الاستعمار وعملوا سفارة وجوازات الخ.. انا تزوجت بالسودان 1946 وزوجتي ذهبت معي لمصر.
بعد وفاة الشيخ حدث تحول كبير ورغبة في العودة للسودان وعدت 1961 لحلفا وكان باقي اربع سنوات لترحيل حلفا «للقرية».
< بدأت نشاطي الدعوي في حلقة وطفت كل قرى حلفا شرق وغرب النيل، واستجاب لي طلبة المدارس والجامعات، حتى النساء غيرن (جرجار حلفا) وسموهو (جرجار أبوزيد) (يضحك)..
سمع باخباري قاضي قضاة السودان محجوب اسحق في عهد عبود، أرسل لي 13 جنيهاً وقال لي ده مرتبك، شد حيلك، وسأعينك في الشؤون الدينية، وربطني بقاضي شرعي حلفاوي وكان (ختمياً). نقلوا له الكثير من نشاطي، استدعاني وقال لي: داير ستة شهور ما تجيني شكوى ضدك. قلت له: ربنا خلق 90% ما مؤمنين بي الله انت عاوز برضوا أبوزيد ما يشتكي منه أحد؟
المهم كانت هذه بدايات المشكلات في السودان فرفضت على إثر ذلك الوظيفة لأتحرر للدعوة والناس وقفوا معاي، وكان ذلك مدعاة للتوجه للخرطوم وشلت منهم عشرة جنيهات، وجيت الخرطوم يوم 2/2/1962م.
هذا التاريخ 2/2/1962م هو نقطة تحول كبيرة ومهمة ومن اجل ذلك حفظته جيداً.
> نواصل كيف كانت البداية بالخرطوم؟
< نعم.. في الخرطوم سمع بي قاضي القضاة عن طريق الغبشاوي وحسن طنون.. ودعوني وكان معهم طلعت فريد، وقالوا لي عيناك في مسجد (حجوج) بالثورة الحارة الأولى.
> لعله المسجد الذي مازلت فيه حتي اليوم وحدثت فيه حادثة الخليفي وهو اليوم مشهور بمسجد شيخ ابوزيد..
نعم.. في البداية وجدت المسجد نوبات وطارات وطبلة ودراويش قربت أرجع.
لكن جاهدت كثيراً في أن أنقل الناس من البدع والخرافات والعادات والضلالات وندعوهم للتوحيد، والحمد لله بتوفيقه نجحنا بعد مجاهدات، فقد كنت في البداية حريصاً ألا أثير العقيدة.. (أربع جمعات في البداية كنت اتحدث عن سورة الفاتحة) فقط.
أخيراً وبعد أن فشلت كل محاولات الذين عملوا ضدي، حجوج قال لي: يا أبوزيد المسجد حقك استمر وأنا مسؤول فقط عن الصيانة والمعدات.
> ومن هنا يا شيخ ابوزيد ينشأ أهم سؤال عن التكفير وفي هذا المسجد فشلت محاولة مشهورة لاغتيالكم راح ضحيتها عددُ من المصلين وينفجر التكفير في مجتمعنا كظاهرة هددت حتى أنصار السنة ولقد طالتكم التهم، ما قولكم في التكفير ونصيحتكم للشباب؟
< اعتدل الشيخ في جلسته لأهمية السؤال ويجيب: الناس الجهلة يعتبرون السلفيين كلهم تكفيريين، يكفرون المجتمع ككل.. ده غلط وعدم فهم للفرق الاسلامية الموجودة.
وكما هو معلوم تاريخيا في فرقة اسمها الخوارج، الذين خرجوا على علي بن ابي طالب لخلاف على ومعاوية. ولما اشتدت الحرب وكثر الموت وكلهم من الصحابة.
< ناس معاوية جمعوا المصاحف وقالوا نحتكم للقرآن وعلي رضي الله عنه قبل أن يجيبوا ناس علي واحد ومعاوية واحد، علي يجيب ابوموسى الاشعري، ومعاوية يجيب عمرو بن العاص.
ناس علي قالوا لا «إن الحكم إلا لله»، لا نقبل حكم الرجال. وقالوا في الاتفاقية يكتب أمير المؤمنين وإلا فأنت أمير الكافرين.
والثالثة طالبوا منه أسر عائشة لأنها أيدت معاوية.
علي بن ابي طالب جاب عبدالله بن عباس لكي يقنعهم عبدالله بن عباس رجع بهم لصلح الحديبية (في الاتفاقية تلك، العرب قالوا ما يكتب رسول الله.. الرسول صلي الله عليه وسلم تنازل عن هذا لكي يتم الصلح. وايضاً قال لهم عبدالله بن عباس اسر عائشة لا يجوز وهي من أمهات المؤمنين تأسروها كيف؟
ثلاثة آلاف آمنوا بعلي واقتنعوا بـ عبدالله بن عباس.
البقية الخالفوا هم الخوارج، كفّروا علي لأنه حكم الرجال، من هنا نبتت بذرة التكفير.. تكفير الحكام.
«ويواصل شيخ أبوزيد» جذور التكفير موجودة من الأصل وفي العهد الحديث سيد قطب كفر الحكام كلهم لأنهم لا يحكمون بشرع الله.. قتل سيد قطب والاخوان قتلوا النقراشي ومحمد ماهر والحكومة تقتل فيهم وهكذا.
والحقيقة تقال إن تكفير الحاكم اساساً بدأ في العصر الحديث من مصر من الاخوان المسلمين.
اما السلفيون فكانوا قبل الاخوان، حسن البنا 1926م تقريباً والسلفيون 1924م.
والسلفيون في مصر كثيرون منهم انصار السنة، الجمعية الرعية/السبكيين/شباب محمد.. الخ.
كلهم لا يكفرون الحكام.. ومن ضمنهم نحن.
> ولكن فضيلة الشيخ لماذا شمل هذا المفهوم حتى جماعة أنصارالسنة؟
< زي ما قلت ليك يا ابني الناس الجهلة يعتبرون السلفيين كلهم تكفيريين.. الدعوة السلفية تبدأ من العقيدة.. ما ممكن تحكم امة ما عندها عقيدة، هكذا بدأ الرسول صلي الله عليه وسلم لان الحكم بدأ في المدينة بعد مكة.. و«من يحكم» آية ليست للحاكم فقط، والشريعة لاتبدأ فقط بالاحكام كما بدأ النميري.. قبلها ينبغي أن نبدأ بتربية الناس، ونريحهم ونسهل لهم سبل العيش الكريم ونشجع ونسهل الزواج.. عمر بن الخطاب في عام الرمادة عطل الشريعة.
اليد لاتقطع إلا في حالات خاصة، في المجتمع الخربان هذا لو طبقنا شريعة حنقرض الأمة.
أما بالنسبة للحاكم نسأله اولاً ما رأيه فيما يحكم، لو قال أنا لا يعجبني كلام الله نقول إنه كافر، لكن ما ممكن نكفر من عصى الله في ركن من الاركان، لو أخطأ في جانب ما ممكن احكم عليه بالكفر، فسرها عبدالله بن عباس في اثنين: كفر مخرج من الملة، كفر ما مخرج من الملة، وقال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.. هل الكفر هذا مخرج من الملة؟.. وقرأ عبدالله بن عباس الآية «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما».. الآية.
الله سماهم المؤمنين.. والرسول صلى الله عليه وسلم خطب في النساء: «وإنكن لتكفرن العشير..» الحديث.
ويواصل الشيخ ابوزيد:
لو اتبع هؤلاء التكفيريون رأى السلف الصالح عبدالله بن عباس وابن تيمية والامام مالك لكان خيراً لهم فهؤلاء هم الاقرب للفهم الصحيح. نحن لسنا من دعاة التكفير..
أنا لو لقيت واحد يطوف بي قبر ما بقول ليهو يا كافر.
الله سبحانه وتعالى يقول «وما كنا معذبين حتي نبعث رسولاً»  في البداية اقدم لك الخير وارشده للصواب قبل أن نحكم عليه.
> كيف ينظر الشيخ ابوزيد الي مطالبة الحركة الشعبية بالجنسية المزدوجة والحريات الاربع في ما يتعلق بقضايا ما بعد الانفصال؟
< اذا كانت هناك جنسية مزدوجة تمنح للجنوبيين بعد الانفصال فما معنى الانفصال اذن؟ فالجنوبي اختار بمحض ارادته الانفصال وصوت له فكيف يطالب بعد ذلك بالجنسية المزدوجة أو الحريات الأربع؟، وكيف لهم ان يطالبوا بذلك في ظل حدود تكون مغلقة، وهناك حدود بين دولة واخرى، وهناك سيادة واستقلال لكل دولة، وما معنى الانفصال اذن؟، انا في رأيي ان المطالبة بالحريات الاربع مثل التنقل، والتملك، والحركة، وغيرها لا تستقيم لا عقلاً ولا منطقاً طالما ان الجنوب مضى نحو الانفصال واختاره. فهذا الطرح غير منطقي، وغير سليم، وإن الجنوبي الذي يوجد بعد الانفصال في الشمال لا بد ان يخضع للقوانين التي تحكم البلد وتتعامل معهم كأقلية ولابد أن يخضعوا للشريعة الإسلامية. فالشريعة الاسلامية مثلا تحرم الخمر واللبس الخليع وما الي ذلك، فلا يمكن أن نعطيهم الحرية في أن يمارسوا ما يخالف الشريعة تحت حجة اتفاق الحريات الاربع او نحوه، وهم لديهم مفاهيم خاطئة عن الحريات والكثيرون الآن يفسرون قول الله عزَّ وجلَّ «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، تفسيراً خاطئاً ويعنون به الحرية، والمسألة ايضاً لها تأثير أمني واجتماعي، ولا يمكن أن أرى سكران يترنح ولا أقيم عليه الحد في بلد الشريعة بحجة الحريات، وهذا يعني دعوة للتمرد على الشريعة، فالأمر ليس على كيفهم، وما معنى الانفصال اذن، إذا كانت الامور تمضي هكذا دون ضوابط؟، وأنا اليوم اذا اردت أن اذهب الى مصر فلا بد أن يكون لي جواز سفر وتأشيرة. فالمسألة ليست فوضى، وفي رأيي ليس هناك معنى للحريات الاربع ولا الجنسية المزدوجة، وليس هناك شيء اسمه الحريات الاربع وإلا فلماذا إذن الانفصال؟!.

قيل عنه

الشيخ ابوزيد_0

ومما قيل عنه أنه  صار في السودان شرقه وغربه ، شماله وجنوبه بواديه وحواضُره داعيًا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، متحمّلا في سبيلها المشاقّ ، صابرًا محتسبًا ، يبلّغ دعوة التوحيد بلا كلل، و قد تتلمذ على يديه جمع من العلماء والدعاة داخل السودان وخارجه ، من أبرزهم وأكثرهم له ملازمة تلميذُه الشيخ الدكتور محمد الأمين اسماعيل، والشيخ محمد سيد حاج رحمه الله ، وغيرهم.

وذكر عنه أحد الصحفيين أنه زاره بمنزله الكبير قرب مسجده بمدينة الثورة الحارة الأولى قصد القيام بحوار معه، فوجده خرج لتوه من مستشفى القلب، بعد أن أجرى فحوصات،  وزاره للمرة الثانية بعد يومين فوجده قد سافر للابيض في سبيل الدعوة، وكانت الرحلة براً لا جواً.

وفاته

صور-التشيع

توفي زعيم جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان الشيخ أبو زيد محمد حمزة صباح أمس بالخرطوم. ونعت الجماعة في بيان صحفي مؤسسها وزعيمها. وقد درس الشيخ أبو زيد في الأزهر ثم عاد إلى السودان ونشط في الدعوة السلفية منذ خمسينيات القرن الماضي، ثم تزعم الجماعة السلفية التي عُرفت باسم «جماعة أنصار السنة المحمدية» وكان لها دور في الحياة الدينية والسياسية بالبلاد، وانقسمت بعد ذلك إلى عدة مجموعات لكنها ظلت ترى في الشيخ أبو زيد أحد آبائها المتفق عليهم.

وقد نشرت الجماعة بياناً تعزي فيه وفاة الشيخ مما جاء فيه ” تعزّي الجماعة الأمة الإسلامية جميعها في فقده فإنها تعظم الرجاء عند الله تعالى في قيام الشيخ رحمه الله عمرا طويلا على توحيد الله تعالى ، واتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلّم ، دعوة وعملا وجهادًا وصبرًا

وأضافت الجماعة في بيانها “لقد عرفت المنابر فقيدنا الشيخ أسداً يصدع بكلمة الحق فلاقى فيها ما لاقى من الأذى محتسباً، على سنة النبيين، يدعو إلى الله على بصيرة، متخذاً من الحكمة و الموعظة الحسنة سبيله إلى القلوب، حتى بسط الله تبارك وتعالى له القبول وهوت إليه الأفئدة وعرف فضله البعيد قبل القريب، فخرّج العشرات من طلاب العلم ينشرون الخير ويصدعون بكلمة الحق في كل أركان الدنيا، وما فتيء وهو يصارع المرض والألم في أيامه الأخيرة يذكرنا بالتمسك بدعوة الأنبياء ويوصينا بصيانتها والاستمساك بدربها حتى وافاه الأجل،فنسأل الله الغفور الودود أن يشمله برحمته وعفوه وأن يتقبل عمله ، وأن يجعله في منازل الصديقين، وإنا لله وإنا إليه راجعون”.

 السجون تتفوق
سمحت الإدارة العامة للسجون والإصلاح لابن الفقيد عبد الرؤوف أبوزيد النزيل بسجن الهدى والمحكوم بالإعدام، بحضور مراسم دفن والده وتلقي العزاء، وأبلغ أبوعبيدة سليمان مدير الإدارة العامة للسجون والإصلاح أنهم سمحوا بهذا الإجراء تقديرًا للظروف النفسية للنزيل الذي توفي والده وذلك استناداً للوائح والقوانين والمواثيق المنظمة لمهام وواجبات السجون.

5 تعليقات

اترك رد