الرياض – السعودية | أحوال المسلمين

من غياهب الأسر و التعذيب، تمكن الشيخ فارس من إرسال رسالتي حب و شوق لإبنته و إبنه المحرومين من زيارته الا أياما قليلة في السنة الواحدة؛ كانت الرسالة الأولى بعد 10 أيام من سجنه، أما الرسالة الثانية فكانت بعد 9 سنوات مريرة من سجنه، رسالتين تجسدان حجم الأذى و التعذيب الذي تعرض له و حجم بأس السجانين الذين تعاقبوا على التنكيل به.

الرسالة الأولى 

رسالة من فارس آل شويل
إلى بنتي خديجة وابني سلمان
من فارس بن أحمد آل شويل إلى إبني المظلوم سلمان وابنتي المظلومة خديجة..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فلتعلما يا فلذات كبدي أنِّ قلبي يتفطر عليكما، ويشتاقُ لرؤيتكما، ويحنُّ لملاعبتكما، ولكنْ فرَّق بيننا الطواغيت من آل سعود.. يا أحبائي حرمني منكم الكفار – آل سعود –
نعم يا خديجة ويا سلمان؛
فرَّق بيننا هؤلاء الكفار.. إنهم يحاربوننا لأنا أردنا جهاد الصليبيين من الأمريكان.. ولذا طاردونا وآذونا وقتلوا إخواننا وفرَّقوا بينهم وبين أطفالهم إلى يوم القرار..
أراك هجرتني هجراً طويلاً وما عودتني مِنْ قبلُ ذاكا
عهدتك لا تطيق الصبر عني وتعصي في ودادي من نهاكا
فكيف تغيرت تلك السجايا ومن هذا الذي عني ثناكا
فلا والله ما حاولت غدراً فكلُّ الناس يغدرُ ما خلاكا
إن غيابي عنكما يا خديجة ويا سلمان؛
هو فرارٌ بديني من آل سعود ومن خلفهم الأمريكان والذين يريدون منّي أن أستسلم لهم ومن ثَمَّ يفتنوني عن ديني.. والسبب يا فلذات كبدي هو ديني وإيماني وجهادي ليس إلا.. {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}..
إنني حين رأيتكم يوم الأربعاء الماضي [4/6/1425 هـ] على واجهة جريدة “عكاظ” قبل نهاية مهلة الطواغيت فرحتُ كثيراً وسجدت لله شكراً فأنا لم أركم منذ سنة ونصف.. وتذكرت حينها قصة يعقوب عليه السلام حين فقد أبناءه يوسف وأخاه فقال كما حكى الله عنه.. {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}..
نعم يا خديجة ويا سلمان؛ فصبرٌ جميل عسى الله أن يأتيني بكم جميعاً إنه هو العليم الحكيم..
نعم يا خديجة ويا سلمان؛
لقد توليت وقلت يا أسفى على خديجة وسلمان.. يا أسفى على خديجة وسلمان.. يا أسفى على خديجة وسلمان.. وابيضت عيناي من الحزن وأنا كظيم.. أكظم دمعتي وعبرتي حتى لا يراني أحدٌ، وأتجلد أمام مَنْ حولي حتى لا يبكوا معي..
نعم يا خديجة ويا سلمان؛
إنكم معي في كل لحظة وما نسيتكم والله..
نعم يا خديجة ويا سلمان؛
إنما أشكو بثي وحزني إلى الله.. أشكو بثي وحزني إلى الله.. أشكو بثي وحزني إلى الله..
نعم يا خديجة ويا سلمان؛
إني لم أيأس من روح الله بل كلي رجاء أن أراكم في يوم من الأيام إما في الدنيا على نصرٍ وعزةٍ وإما في دار النعيم في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر..
يقول صاحب الظلال رحمه الله: (إنه هو العليم الحكيم.. الذي يعلم حاله، ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات، ويأتي بكل أمر في وقته المناسب، عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج. هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ – يعقوب عليه السلام -؟ إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته.. ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة، فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار.
{وتولى عنهم وقال: يا أسفا على يوسف! وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم}.. وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع.. يحس أنه منفرد بهمه، وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده الحبيب.. يوسف الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل: يا أسفا على يوسف!.. ويكظم الرجل حزنه ويتجلد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيض عيناه حزنا وكمدا.. وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم.. ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا ما به، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم، فلا يسرّون عنه، ولا يعزونه، ولا يعللونه بالرجاء، بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير: {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين!}..
وهي كلمة حانقة مستنكرة.. تالله تظل تذكر يوسف، ويهدك الحزن عليه، حتى تذوب حزنا أو تهلك أسى بلا جدوى فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود! ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه، فهو لا يشكو لأحد من خلقه، وهو على صلة بربه غير صلتهم، ويعلم من حقيقته ما لا يعلمون.. قال: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون}.. وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول؛ كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر، ولآلئها الباهر.
إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف، وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلا على عودته إلى أبيه، واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل.. إن هذا كله لا يؤثر شيئاً في شعور الرجل الصالح بربه، فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه ما لا يعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور!
وهذه قيمة الإيمان بالله، ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة ؛ معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره، وملامسة رحمته ورعايته، وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين.
إن هذه الكلمات: {وأعلم من الله ما لا تعلمون} تجلو هذه الحقيقة بما لا تملك كلماتنا نحن أن تجلوها وتعرض مذاقاً يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب..
والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه – مهما بلغت – إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق! ولا نملك أن نزيد ولكننا نحمد الله على فضله في هذا، وندع ما بيننا وبينه له يعلمه سبحانه ويراه..).
يا خديجة ويا سلمان:
إن غيابي عنكم وأنا عزيزٌ كريمٌ خيرٌ من قربي منكم وأنا ذليلٌ خانع – هذا طبعاً إن قربَّوني وإلا فقتلي وإبعادي مِن قِبلهم محققٌ لو تمكّنوا مني والتجارب القريبة خير برهان –
نعم يا خديجة ويا سلمان..
إن العزة والكرامة لها ثمنٌ وضريبة لابد أن تُدفع ولعل منها غيابي عنكم وغيابكم عني.. ولكنَّ طعمها جميلٌ جداً لا يُحسّه كثيرٌ ممن حولكم لأنهم رضوا حياة الذل والمهانة ولم يذوقوا طعم العز والكرامة..
نعم يا خديجة ويا سلمان..
ما كان قلبي يا أحبائي قاسياً.. بل هو من ألين القلوب وأرقِّها تجاهكم، ولكنّ طواغيت آل سعود هم السبب فلا تنسوا هذا.. تذكروه دائماً.. إن الذي طاردني هم آل سعود، والذي فرَّق بيننا هم آل سعود، والذي يتَّمكم هم آل سعود، والذي قتلني إن قُتلت هم آل سعود.. فلا تنسوا أن تثأروا لدينكم ولإخوانكم من أطفال المسلمين والذين هم في مثل حالكم..
لا تنسوا أطفال الشيخ عيسى العوشن، ولا تنسوا بنت الشيخ معجب الدوسري، ولا تنسوا هاجر ووصايف بنات المجاهد عبد العزيز المقرن، ولا تنسوا أبناء وأطفال المجاهد فهد الدخيل، ولا تنسوا أطفال المجاهد خالد السبيت، ولا تنسوا بنات الشيخ يوسف العييري، ولا تنسوا أطفال الشيخ أحمد الدخيل، ولا تنسوا أطفال المجاهد إبراهيم الريس، ولا تنسوا أطفال إبراهيم الدريهم وعامر الشهري وبقية مجاهدي جزيرة العرب، ولا تنسوا ترويع آثار وروان وعبد الله أبناء المجاهد صالح العوفي، ولا تنسوا مليون وسبعمائة ألف طفل عراقي شارك في حصارهم وقتلهم آل سعود، ولا تنسوا أطفال الأفغان الذين شارك آل سعود في قتلهم ودك بيوتهم وقراهم بالطائرات الأمريكية التي خرجت من جزيرة العرب، ولا تنسوا أطفال شباب المسلمين المأسورين في سجون آل سعود، ولا تنسوا بقية أطفال المسلمين في كل مكان ممن تجرعوا مرارة الطواغيت وظلمهم..
إن آل سعود يا خديجة ويا سلمان كذبوا علينا وافتروا فاتهمونا بقتل المسلمين ونحن لم نقتل إلا الأمريكان والصليبيين، واتهمونا بقتل المعاهدين – أي الأمريكان!! – وجزيرةُ العرب يا أحبائي لا يجتمع فيها دينان وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج المشركين منها فقال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، والأمريكان يا أبنائي ليسوا معاهدين بل هم حربيون، واتهمونا بتكفير المسلمين ومعاذ الله أن نكفر المسلمين فنحن لا نكفر إلا من كفّره الله ورسوله ممن ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام كمظاهرة الكافرين على المسلمين كما يفعل آل سعود مع الأمريكان، واتهمونا بأمور أخرى كثيرة وهم فيها كاذبون كما فعل الطواغيت على مرِّ التاريخ مع الأنبياء والمرسلين {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}.
يا خديجة ويا سلمان:
لقد سالت دموعي على الورق وأنا أكتب رسالتي هذه لكم فتذكروها دائماً..
الله الله في دينكم.. الله الله في أمتكم.. الله الله في أُمكم.. الله الله في جدكم وجدتكم.. الله الله في كل مؤمنٍ فناصروه.. الله الله في كل كافرٍ فعادوه وأبغضوه..
أخيراً يا خديجة ويا سلمان:
لئن لم نلتق في الأرض يوماً وفرَّق بيننا كأسُ المنون
فموعدنا غداً في دار خُلدٍ >> بها يحيا الحنونُ مع الحنونِ
ولا أنسى أمكم الحبيبة التي وقفت معي مواقف عظيمة لا زلت أذكرها.. ولتعلمي يا أم سلمان أني أخصك بالدعاء في كل ليلة في سجودي بأن يشرح صدرك، وأن يربط على قلبك، وينزل عليك السكينة.. والثبات الثبات يا أم سلمان {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}.. واحرصي على تربية أولادي كما كنت أعلمك وأوصيك..
وأُعزّي والدي وأهلي في وفاة جدتي رحمها الله وأسكنها فسيح جناته..
وسلامي لوالدي ووالدتي وإخواني وأخواتي وعشيرتي وقبيلتي ولجميع المسلمين..
{اللهم ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}
أودعكم.. أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم..
أبوكم المظلوم المشتاق لكم؛ فارس بن أحمد آل شويل
بعد منتصف ليلة الجمعة / 13/6/1425 هـ
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

*************

الرسالة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

فأنا الأسير الفقير الكسير / فارس بن أحمد آل شويل .. أكتب كلماتي هذه إلى ابنتي الحبيبة ( خديجة ) وابني  الحبيب ( سلمان ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وأخبركم أني بخير وعافية ولله الحمد

وفي شوقٍ عظيمٍ لكما فكم دَمَعَتْ عيني عليكما وكم حَزِنْتُ من أجلكما وكم من عبراتٍ وزفراتٍ وآهاتٍ  خرجت حين أفكر فيكما فقد حال طغاة آل سعود بيننا فحرموني منكما وحرموكما مني لا زال في سمعي  رنين حديثكما ومقالكما حين كنتما لا تدركان أين أنا ولماذا هذا البعد والغياب عنكما فتقولان قبل سنين ( أبي  متى تأتي إلينا أبي لماذا لا تأتي عندنا أبي أين أنت ولماذا أنت هنا ) وغيرها من الأسئلة التي كانت تقع على  نفسي كالسياط وكما قال من هو مثل حالي :

جاءت تسائلني الصغيرة ** عن أبيها أين غاب

هل في البحار أم القفار ** أم ارتقى فوق السحاب

جاءت تقول لِمَ وكيف ** فإن لي معه عتاب

لِمَ ليس يأتي كي نراه ** كيف لم يبعث خطاب

أفلا يحبُّ لنا السعادة ** كيف ما هذا الغياب

كففت دمعا قد جرى ** متسائلاً كيف الجواب

كيف الإجابة يا صغيرة ** كيف قد عظم المصاب

نعم كيف الإجابة ؟ فقد كنتما صغيرين لا تدركان بعض الأمور ولم يكن من وقت يكفي للجلوس معكما لبيان  الحال، فالطغاة يعطون الأسرى ساعة في الشهر ليبقى الأسير مع أهله وأقاربه فلا يدري بمن يبدأ أو مع من  يتكلم، ولا يستطيع ملاعبة أولاده وإشباع مشاعرهم ورغائبهم وتعويض بعض ما فاتهم وهكذا إلى اليوم ..

نعم  يا خديجة ويا سلمان ألتقيكم في السنة الواحدة ثمان إلى عشر مرات .. فقط وكل مرة حدود الساعة، وما تفعل الساعة لمن يلتقي أهله، هذا وقد ذهبت السنة الأولى من سجني ولم يسمحوا لي بالزيارة، وذهبت  ثلاث سنوات أخرى أيضاً بلا زيارة لإمتناعي عنها احتجاجاً على ظلم السجان وقهر، بمعنى أني لأكثر من  تسع سنين ونصف من سجني لم ألتقيكم إلا حوالي ثمانين إلى مائة ساعة فقط أي جوالي أربعة أيام .. وقد  مرَّت الأعياد تلو الأعياد اثنان وعشرون عيداً لم أركم ولم أتكلم معكم ولم أسمعكم لأن الطاغية ( محمد بن  نايف ) لا يسمح للأسرى في الأعياد إلا بإتصال خمس دقائق لمعايدة الأهل، و تذهب مع الكبار ويقال لهم  سلموا على الصغار وبلغوهم المعايدة ..

ابنتي خديجة ابني سلمان .. أعلم حجم المعاناة والألم والتعب الذي  تلاقونه وتواجهونه حين تسافرون لزيارتي، فالمسافة بعيدة أكثر من ( 1200 ) كم والسفر قطعة من العذاب،  ويمنع صاحبه من الطعام والشراب والنوم، ومع كل هذا التعب والسفر والأرق لا تجلسون معي إلا ساعة ! ثم  تذهبون وفي نفوسكم من الحسرة والشوق وألم الفراق، ولذا كم من مرات بكيت عقب فراقكم وتوديعكم بل  ومرضت مرات وأصبحت طريح الفراش فأنا أبوكم أريد راحتكم لا إتعابكم، وأريد الجلوس معكم وسماع ما عندكم ومعرفة عاداتكم وطباعكم وتطلعاتكم، أريد ملاعبتكم ومطاردتكم ومسابقتكم ومصارعتكم  ومطارحتكم، أريد حملكم على ظهري والدوران بكم وسماع ضحككم وصياحكم … كم انشغل فكري فيكم وفي  شوؤنكم وأموركم فلا أدري كيف تقضون أوقاتكم، وما حالكم مع الصلاة والقرآن، وماذا تقرأون ولمن تسمعون، وكيف أخلاقكم وسلوككم، ولكني أقول دائما الله خليفتي فيكم فلن يضيعكم فهو الذي خلقكم وأنشأكم ورزقكم  وحفظكم وعافاكم، وأتذكر قول الله ( الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا  قَوْلًا سَدِيدًا )

ابنتي خديجة ابني سلمان لقدفرَّق الطاغية محمد بن نايف  بيني وبين أمكم، وحال بيننا  وهدم بيتنا، فرمَّل أمكم ومنعني من كلِّ أمر تجاهكم طمعاً من أن ألين له أو أخضع أو أركع .. نعم منعني من  إجراء وكالة لأي أمرٍ يتعلق بكم أو بأمكم ولم يسمح إلا بوكالة الطلاق فقط ! ولذا عشتم ظروفاً صعبة، فأنا  أسير عاجزاً لا استطيع فعل شيء تجاهكم غير الدعاء لكم، لقد سدّ الطرق كلها في وجهي حتى ضاقت السبل  على أمكم، لقد حاولت مرارا الإصلاح ولكن الحملات الإعلامية الجائرة وعدم المعيل لكم وبقاء أمكم  لسنوات بلا مصروف لا من قريب ولا من بعيد واستغلال المباحث لضعاف النفوس والجهلة والحمقى ممن  حولكم لكي يحولوا بيني وبين أمكم ومنعي من مقابلة أمكم بكل الطرق والإرجاف الذي حصل من النساء  الجاهلات الللواتي لا يخافن الله ولا يتقينه وغير ذلك من الأسباب، كل ذلك كان كفيلا بهدم بيتنا، لقد حاولت  شراء بيت لكم فلم استطع وكذلك السيارة .. لقد فارقت أمكم وأنا أبكي وكانت مصيبة علي عظمى فقد عشنا  حياةً طيبةً سعيدةً مليئةً بالحب والخير وكانت لي خير معين ووقفت معي مواقف لا أنساها لها .. نعم لقد  بكيت لفراقها لا جزعآ ولا سخطآ وإنما بكاء الحب والرحمة والذكريات لقد بقيت أياما وأنا أبكي بل وأشهق  عليها ولزمت الفراش وكانت هي أيضا تبكي لفراقنا ولكنها رحلتٌ صعبةٌ انتفش فيها الطغاة وظلموا وبغوا  وشنوا الحملات التي خضع لها رجالٌ وشيوخٌ وعلماءُ ودعاةٌ فكيف بإمرأةٍ ضعيفة لا حيلة لها

نعم يا  خديجة ويا سلمان لقد أرادوا الدخول علي من هذا الباب وحاولوا الإغراء والإغواء لكي ينتزعوا مني  موقفاً مؤيداً لهم فطلّقتُ الدنيا كلها ورفضت كل ذلك فلن أبيع آخرتي بدنيا غيري ولن أرقع دنيايا بتمزيق ديني  وكما قال القائل :

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ** فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

ولو أن أمكم عرفت حقيقة القصة وتفاصيل المشهد وأبعاد المؤامرة لما فارقتني والحمد لله على كل حال فله  ما أعطى وله ما أخذ وكلٌ بأجلٍ مسمى .. وحين حصل ما حصل حرصت على الخروج بأقل الخسائر فأنا  وأمكم وأنتما ضحايا طغيان محمد بن نايف فلا داعي للمشاكل بيننا ولا داعي للخصومة والشكاوى (وَإِنْ  يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) فلن تسمعوا مني في أمكم ما تكرهون بل أوصيكم ببرها  والإحسان إليها والقيام بها والدعاء لها والسمع لها والطاعة في غير معصية الله.

ابنتي خديجة ابني سلمان .. حين جاء هذا العيد عيد الأضحي عام ( 1435 ) لم استطع الإتصال بكم ولا سماعكم ولا  رؤيتكم كحال الأعياد السابقة، أنشد لكما هذه الأبيات التي أحفظها :

يا رب هذا العيد وافى والنفوس بها شجون *

**لبس الصغار جديدهم فيه وهم يستبشرون

بجديد أحذية وأثواب لهم يتبخترون **

** ولذيذ حلوى العيد بالأيدي بها يتخاطفون

وهناك خلف الباب أطفال لنا يتساءلون **

** أمي صلاة العيد حانت أين والدنا الحنون؟

إنا توضأنا -كعادتنا – وعند الباب (أمي) واقفون **

** زفرت تئن وقد بدا في وجهها الألم الدفين

ورنت إليهم في أسى واغرورقت منها العيون **

** العيد ليس لكم أحبائي فوالدكم سجين

أضحى هناك مصفداً في القيد يقبع في السجون **

** وضعوه في زنزانة صمّاء يعمرها السكون

ضربوه أدموا وجهه ورموه مخنوق الأنين

ابنتي خديجة ابني سلمان .. لئن فقدتموني هذه السنين ولا يمكنكم رؤيتي إلا لوقت يسير فهذا حال الدنيا، فهي حال ابتلاء واختبار وامتحان للآخرة، ثم إنكم لو التفتم يمنةً وميسرةً لرأيتم أحوال الناس المختلفة، فهناك  أطفال فقدوا الأباء للأبد فلا لقاء إلا في الآخرة وهناك أطفال فقدوا الأمهات للأبد كذلك وهناك أطفال فقدوهما  معاً وهناك آباء فقدوا الزوجات والأطفال جيعاً وهناك أمهات فقدوا الأزواج والأطفال جميعاً وهناك أباءٌ  وأمهات فقدوا أطفالهم جميعاً أو بعضهم وهكذا من الصور المختلفة والأمثلة الحقيقية الواقعية، فلا تحزنوا  ولا تيأسوا عسى الله أن يجمعني بكم جميعاً إنه هو العليم الحكيم …

ابنتي خديجة ابني سلمان لقد حاول  الطغاة ومنهم محمد بن نايف تصويرنا كالغيلان والوحوش وتصوير أنفسهم كالحملان الوديعة كما قال  الشاعر :

الحاكم المغتال طفلٌ وادعٌ ** والمودعون بسجنه غيلان

ولذا يصورون أنفسهم وهو يبتسمون وهم يمسحون دموع بعض الكبار أو الصغار أو غير ذلك من اللقطات  التي تظهرهم في مظهر الرحماء المتواضعين المهتمين بشؤون الناس وهم في الحقيقة طغاة عتاة قساة لا  يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وأكبر دليل على ذلك قصتي وقصة أمكم وقصتكم فنحن عائلة هدموا بيتنا  بإشراف مباشر من محمد بن نايف ولسنا وحدنا فهناك مئات الآلاف من الضحايا لإجرام محمد بن نايف وسجونه، فهناك فآلاف البيوت هدمها ورُمِّلت النساء ويتم الأطفال وحيل بين الأزواج وزوجاتهم ومارس  معهم سياسة تنكيل في كل شيء حتى الزيارة الخاصة للأزواج لا تكون إلا مرَّة واحدة في الشهر ولثلاث  ساعات فقط، نعم لثلاث ساعات فقط ! مع انتهاك سافر فاضح وصارخ لحقوق النساء في التفتيش أثناء  دخولهن لزيارة أزواجهن.

نعم يا خديجة ويا سلمان مئات الآلاف من الضحايا والثكالى واليتامى بسبب  طغيان الطغاة واستبداد المستبدين، فلسنا وحدنا بل نحن مثال واحد لمأساة كبيرة في مملكة الإستعباد فكم من  دموع سالت لآلاف الأمهات، وكم من آهات وزفرات خرجت لآلاف الآباء، وكم من حسرات ومراراة  لآلاف  الزوجات، وكم من حنين وأنين لعشرات الآلاف من الأطفال، كم يتسألون ويستفهمون عن آبائهم وأين هم  ولماذا وكيف ومتى وكم من آلام وأوجاع ودمارٍ وضياع لآلاف الأسرى الذين تم فقارهم وقهرهم ونهرهم  وسلبهم لحريتهم وكرامتهم وأبسط حقوقهم إرضاء للبيت الأبيض الأمريكي نعم قدمونا قرباناً للبيت الابيض  الأمريكي .

ابنتي خديجة ابني سلمان .. لم يكف محمد بن نايف أن حال بيني وبين أمكم بل واصل استكباره أن  يمنعني من زوجتي التي قبلت بي واستعدت لزواج بي وتمت أمورنا وحصلت الإجابة والقبول ووصل المهر  ولم يبقى إلا الوكالة لإخراج الأوراق اللازمة لزيارة ونحن الآن لأكثر من ثلاث سنوات ونصف ومع كل  الأمور التي حصلت من كسر ليد جدتكم وأنف عمكم محمد  وضربي وسحبي مع خروج جدتكم لمرات في  أشرطة مرئية وفي بيانات عدة تطالب بدخول زوجتي التي رأيتموها ومررتم عليها وجلست معكم ومع  مطالبتي المستمرة لإتمام أمر دخول زوجتي علي وتمكيني من الإتصال بها إلا أنه يقف بشكل مباشر حجر  عثرة دون دخول زوجتي ويمنعني من اللقاء بها والإتصال بها وكأن قضايا البلد ومشاكل ومصائبه انتهت  حتى يتفرغ لمنعي من دخول زوجتي ولا تفسير لذلك إلا الطغيان والإستكبار في الإرض بغير الحق  والإجرام فالشيخ ناصر الفهد حوالي عشر سنوات لم يرى زوجته والشيخ سليمان العلوان بقي ست سنوات  لم يرى زوجته ربما زادت عن ذلك بعد فراقي له والشيخ أحمد الخالدي لأكثر من عشر سنوات يريد الزواج  ويمنع منه والاخ صالح الجديعي لعشر سنوات يريد الزواج ويمنع منه وغيرهم كثير وكثير جداً

ابنتي  خديجة ابني سلمان، لا شك عندي أن محمد بن نايف وأباه وعائلته يتمنون يغمضون أعينهم ثم يفتحونها  فلا يروني فلا شك عندي أنهم لولا اعتبارات عدة لحفروا الأرض ودفنوني حيا ورموني من قمة جبلٍ أو من  طائرة ليتخلصوا مني ولكن الله خيرٌ حافظ وهو أرحم الراحمين والسبب أن كشفت الحقيقة وأظهرت الحق  بأن شعب مخدوع ومضحوك عليه وملعوب عليه لعقودٍ وعقودٍ من الزمن يتم استعباده بإسم الشرع والشرع  من براء وقد بينت ذلك وفصلته مؤخراً بأقلامهم وأوراقهم وتحت نظرهم وسمعهم بل وساقوني لذلك سوقاً  ومكروا مكراً ومكر الله مكرا وهو خير الماكرين وكانوا كعز السوء التي قال عنها حسان بن ثابت :

ولا تك كالشاة التي حتفها ** بحفر ذراعها فلم ترض محفراً

وذلك أن شاةً أراد أهلها ذبحها فلم يجدوا سكينا لذلك فبينموا هم كذلك إذا حفرت بظلفها في الأرض فأظهرت  سكينا مدفونا تحت التراب فأخذوا السكين وذبحوها بها فقالوا “عنز السوء حتفها في ظلفها” وكذلك من  أخرجني للمحكمة والمحاكمة هو كعنز السوء فقد مكنني مما كانا مستحيلاً بالنسبة لمن هو في مثل حالي  ومكاني فرددت عليهم في أكثر من أربعمائة صفحة وسميتها “الجواب المسدد لمن بدل دين الرسول محمد  صلى الله عليه وسلم عائلة آل سعود الضالة : خيانة شرع وخداع شعب وإذلال أمة” فكم كنت أتمنى الرد  على أكاذيبهم وافتراءاتهم ومزاعمهم ودعاويهم منذ سجني ولكن لا حيلة فلا أوراق ولا أقلام والتفتيش في  الطريق دخولاً وخروجاً وبعد تسليمي للرد إلى محكمتهم الجاهلية سرَّبه من موظفينهم إلى العالم فالحمد لله  الذي كاد لي .

ابنتي خديجة ابني سلمان، إن جيلي والأجيال التي تلته هي أجيال النصر، قد أدركت الحقيقة وفهمت  اللعبة و وعيت الخديعة الكبرى التي انطلت على كثير ممن قبلنا لظروف وأسباب مختلفة، ولا شك عندي بأن  المرحلة القادمة مرحلة تغيير كبرى وخصوصاً في جزيرة العرب، فالبركان سينفجر والطوفان سيتحرك ولن  يبقى في وجهه أحد يستعبد الناس ويخدعهم ويضحك عليهم، ونقمة الله وغضبه وعقابه لابد أن يقع على  الطغاة المستكبرين في الأرض بغير الحق، وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل الله يملي لظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولذا أقول لكم هنا قفوا نعم قفوا عن القراءة وذهبوا وتوضؤوا ثم توجهوا للقبلة ارفعوا أيديكم وقولوا ..

ربَّا إن الظلم دمَّر عيشتي ** وقضى على وتري وحطم عودي

رباه إن الظالمين استكبروا ** في الأرض لم يدعوا لأي عهود

رباه لا تحلم عليهم وانتصر ** خذهم كعاد قبلهم وثمود

رباه عبدٌ قد دعاك بمهجةٍ ** حرىَّ وقلبٍ ثاكلٍ منكود

إن كنت في عجزٍ فإنك قادر ** فا ثأر لركني الواهن المهدود

رباه مالي غير بابك منفذ ** ففتحه لي في دربي المسدود

ربي أرض عني واحبني منك الرضى ** فرضاك عندي غاية المقصود

آمين .. آمين .. آمين يارب العالمين .

( ابنتي خديجة ابني سلمان ) استودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم وإلى لقاء قريب وقد رحل  الطغاة إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

اترك رد