الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت بين الدوافع الحقيقية والمُبَرِّرات المُعْلَنة الجُذُور التَّارِيْخِيَّة لمَوْقِف الحُكُوْمَة الفَرَنْسِيَّة من الأُمَّة الإسْلامِيَّة

حسام الحفناوي

تعددت أسباب مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي بقيادة نابليون بونابرت، فمنها: أن الجمهورية الفرنسية كانت تريد ضرب أعدائها من الإنجليز، ونظرًا لصعوبة غزو بريطانيا ذات الأساطيل القوية في عُقْر دارها؛ فقد قررت فرنسا ضربها بغزو الهند أهم المستعمرات الإنجليزية في الشرق، أو بقطع الطريق المُوْصِل إليها، ومن ثم ضرب التجارة الإنجليزية، والتنسيق المشترك مع القوى المناهضة للاستعمار الإنجليزي في الهند، بالإضافة إلى الرغبة في تعويض المستعمرات التي فقدتها فرنسا في جزر الأنتيل على يد القوات الإنجليزية.

ومن هنا كان غزو مصر من وجهة نظر تاليران وزير الشؤون الخارجية لفرنسا آنذاك، والقائد العسكري الطموح نابليون بونابرت التي عرضاها على حكومة الإدارة الفرنسية بمثابة البوابة لغزو الشرق؛ لما تتميز به من موقع جغرافي، يجعلها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وما تَزْخَر به من إمكانات وثروات هائلة، مما جعل الاستيلاء عليها حُلمًا يراود ملوك فرنسا منذ زمن الحملات الصليبية، ويتَرَسَّخ في عقول سَاسَتها، وخُططهم الاستعمارية، وقد كان مشروع غزو مصر من المشروعات التوسعية الخارجية المطروحة في فرنسا قبل قيام الثورة فيها على النظام الملكي.

ومنها: أن نابليون كان يحلم ببناء إمبراطورية كبرى في الشرق، وربما يستطيع منها الزحف إلى الهند أو القسطنطينية، وفي الوقت الذي لم يكن نابليون مطمئنًا لنوايا إدارة الجمهورية الفرنسية تجاهه، كانت إدارة الجمهورية ترى في إبعاده عن فرنسا إراحة لها من طموحاته اللا محدودة[1].

خداع نابليون للمصريين:

لقد حاول الفرنسيون التقرب إلى المصريين بشتى الطرق والوسائل، وخداعهم بكل ما استطاعوا من الحِيَل؛ وبذل نابليون بما عُرف به من شخصية نفعية ميكافيللية جهودًا كبيرة في سبيل ذلك، فادَّعى أنه مسلم، وأن جنوده كذلك، وأنهم يحبون الإسلام والمسلمين، وكان يفتخر في رسائله للمسلمين بغزو روما مَقَرِّ البابَوِيَّة المُحَرِّضة على الإسلام، وبالاستيلاء على جزيرة مالطة، وتخليص أُسارى المسلمين فيها من يد فرسان يوحنا الصليبيين الذين حكموها لقرون طويلة، واجتهدوا في غزو سواحل المسلمين، والسَّطْو على مراكبهم[2].

وكان نابليون يتظاهر كثيرًا بتعظيم علماء الأزهر، والاعتناء بقوافل الحَجِيج، والاهتمام بالاحتفال بالمواسم والأعياد التي كان المسلمون في مصر يحتفلون بها في ذلك الوقت، ويُصِرُّ على إقامتها في موعدها، ويُنْفِق على ذلك مما نَهَبه من خيرات مصر الكثير[3]؛ تَزَلُّفًا إلى العامَّة والخاصة من المصريين، رجاء أن يركنوا إلى الدخول تحت الحُكم الفرنسي، ولا يحاولوا الخروج عليه، ويتأقلموا مع الوضع الجديد، وكل هذه الأمور كانت جزءًا من خطة نابليون للاستقرار في مصر، وإنشاء إمبراطورية كبرى في الشرق، مَهْد الحضارات القديمة؛ لكي يضمن لنفسه حكم مملكة كبرى خاصة به، إذا ما فكرت إدارة الجمهورية في فرنسا في الغدر به.

مُبَرِّرات الفرنسيين لحَمْلتهم على مصر أمام الشعب المصري والسلطنة العثمانية:

1797339_730445790341347_1881625368148356249_n

لقد حرص نابليون بونابرت قبل دخوله إلى أرض مصر على أن يشرع في مخاطبة الشعب المصري، وكانت المنشورات تُطْبَع بآلات الطباعة التي حملها معه من فرنسا على مَتْن أُسْطُوله، وتُجَهَّز في عرض البحر، ثم ترسل إلى أهل الإسكندرية قبل أن يصل الأسطول الفرنسي إلى مينائها، واستمر على استخدام المنشورات الإعلامية لخداع المصريين وتضليلهم طوال وجوده في مصر.

وقد ركزت رسائله التي كان يرسلها إلى الشعب المصري على إظهار الفرنسيين دومًا بمظهر الأصدقاء المُحِبِّين المُخْلِصين للسلطان العثماني، وعلى أنهم ما جاؤوا إلى مصر إلا للقضاء على المماليك أعداء السلطان العثماني، كما حاول إيهام المصريين كثيرًا أن الدولة العثمانية لن تغضب على الوجود الفرنسي في الديار المصرية.

وقد كانت العلاقات العثمانية الفرنسية جيدة بالفعل منذ زمن سليمان القانوني وفرانسوا الأول وإلى ما قبل مجيء الحملة الفرنسية على مصر، رغم ما كان يَعْتريها أحيانًا من خيانات الفرنسيين لعهودهم، ودخولهم في تحالفات أوروبية ضد الدولة العثمانية، ولكن سرعان ما كانت فرنسا تعود إلى طلب تجديد العهود مع الدولة العثمانية، وتستجديها في ذلك، فلما أتت الحملة الفرنسية غَيَّرَت الدولة العثمانية من موقفها إزاء فرنسا، ودخلت في تحالف مع كل من مملكتي الروس والإنجليز أعداء فرنسا، وذلك رغم العداء التاريخي المُتَجَذِّر بين العثمانيين والروس.

كما حرص نابليون على تبرير غزو مصر بالرغبة في معاقبة المماليك على سوء معاملتهم للتجار الفرنسيين[4]، وشَدَّد في تحذير المصريين بالهلاك والثُّبور، إن عاونوا المماليك، أو ساعدوهم على الاختباء، أو أَخْفَوا شيئًا من ذَخائرهم.

ولم يَفُتْه أن يسعى للظهور بمظهر المُخَلِّص من الطُّغاة، والمَُحَرِّر للشعوب، فادَّعى الرغبة في تخليص المصريين من ظلم المماليك، ونَهْبهم لخيرات الإقليم المصري العظيم، وزعم الحرص على تنظيم شؤون مصر؛ لتزدهر، ويرتفع شأنها[5].

وهي الحُجَّة المُتهافِتة للمُحْتَلِّين جميعًا في العصور الحديثة؛ ولذلك أَسْمَوا احتلالهم للبلاد بالاستعمار، وهو اسْتِخْراب في حقيقته؛ فما احْتَلَّت دولةٌ أوروبيةٌ بلدًا من البلاد، إلا وتركته خرابًا مُقْفِرًا من الموارد البشرية، والاقتصادية، والقيم الأخلاقية.

ولقد كان نابليون يُكْثِر في رسائله من الاحتجاج بالقدر؛ ليُرَهِّب الناس من مخالفته، أو التفكير في مقاومة جيوشه، والخروج من تحت سلطانه، ويَغْرِس في نفوسهم وجوبَ التسليم له، فهو يعتبر نفسَه القَدَر المُحَتَّم الذي قَدَّره اللهُ على أهل مصر والشام، ومن أَبَى الانقياد له فإنما يعارض قدرَ الله في زعمه الكاذب، والنتيجة الحَتْمِيَّة التي أراد ذلك المَخْذول أن يُرَسِّخها في عقول الشعوب المسلمة التي غزاها أن من عارض قَدَرَ الله تعالى؛ فهو كافر.

وقد كان يُوَظِّف الآيات والأحاديث التي يَلْوي عُنُقها، ويُحَرِّفها عن مواضعها؛ ليؤكد وجوب التسليم له، وهو منطق قريب من منطق هولاكو في مراسلاته لملوك المسلمين التي كان يدعوهم فيها للتسليم له، والدخول في طاعته، وعدم التفكير في مقاومة جيوشه.

ولكن نابليون قد زاد على هولاكو في الادعاء، وبَلَغ من جُرأته على الله تعالى أنه كان يذكر في رسائله التي يوجهها للشعب المصري أنه – أي نابليون بونابرت – مذكور في القرآن، وأن من قرأ القرآن علم ذلك ولا بد.

ولا شك أن المُداهنين لنابليون من علماء المسلمين وكَتَبَتهم كانوا يعينونه في صياغة هذه الخطابات التي يوجهها بالعربية للمسلمين في مصر والشام، ويصبغها بصبغة إسلامية مُحَرَّفة، كما كان لنصارى الديار الإسلامية دور كبير في ذلك؛ فإنهم لم يَأْلوا جهدًا في معاونة الفرنسيين على المسلمين، والتَّجَسُّس لهم، وإغرائهم بالإيقاع بهم، واستغلال ما أَسْنَدَه الفرنسيون إليهم من المَهامِّ والمناصب في إخراج أَحْقادهم المَكْنونة بين المسلمين الذين عاشوا بينهم آمنين لقرون طوال.

[1] انظر: تاريخ أوروبا الحديث للدكتور ميلاد المقرحي (ص309،310)، والتاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى للدكتور عبد العزيز سليمان النوار ومحمود محمد جمال الدين (ص297)، والمجمل في تاريخ مصر للدكتور ناصر الأنصاري، النظم السياسية والإدارية (ص208،207)، وفرنسا والإسلام من نابليون إلى ميتران، تأليف: جاك فريمو، ترجمة: هاشم صالح (ص32-34)، وتاريخ الدولة العثمانية ليلماز أوزتونا (1/649-651).

[2] انظر على سبيل المثال: الرسالة التي أرسل الفرنسيون نسخًا منها للعديد من المدن المصرية بعد احتلالهم للإسكندرية، وأوردها الجبرتي في عجائب الآثار في التراجم والأخبار (2/182-184)، وكذلك في كتابه الذي صنفه خصيصًا عن الحملة الفرنسية، وأسماه مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس (1/101-108)، وتعليق المحققين عبد الرزاق عبد الرزاق عيسى، وعماد أحمد هلال عليها في الحواشي، شرحًا، ومقارنة بما في العجائب، والنص الفرنسي للرسالة، وقد شرح الجبرتي الرسالة عقب إيرادها في مظهر التقديس. وانظر كذلك: رسالة بونابرت إلى أحمد باشا الجزار والي عكا في حاشية مظهر التقديس (1/156) نقلًا عن تاريخ سورية في العصور الحديثة لنادر العطار (1/270)، ورسائل بونابرت إلى شريف مكة، وإلى السلطان العثماني في مظهر التقديس (1/182،181) مع نقل المحققين في الحاشية عن كورييه دي ليجيبت – أي الجوائب المصرية – وهي صحيفة سياسية فرنسية، أمر نابليون بإصدارها بعد دخوله مصر، وتعنى بالأخبار العامة، وكانت تصدر بالفرنسية؛ لكونها موجهة إلى جنود الحملة في مصر في الأساس، كما أحالا على ما كتبه الدكتور محمد زكريا عنان عن المراسلات المتبادلة بين بونابرت وشريف مكة غالب بن مساعد.

[3] انظر على سبيل المثال: احتفالهم بالمولد النبوي، والمولد الحسيني، ووفاء النيل في مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس (1/151،150،154،153، 183) مع ما ذكره المحققان في الحاشية نقلًا عن كورييه دي ليجيبت. وانظر كذلك: استعداد نابليون لاستقبال قافلة الحجيج بأحسن استقبال، ثم سفره خصيصًا لملاقاة الحجيج بمديرية الشرقية بعد سماعه أخبار هجوم العُربان على قافلتهم وسرقتهم، وعناية الجنود الفرنسيين بالحجاج المنكوبين في حاشية مظهر التقديس (1/145). وانظر عن الحفل الذي أقامه بونابرت لتعيين أمير الحج (1/159،158) مع النقل عن كورييه دي ليجيبت في الحاشية. وانظر: المجمل في تاريخ مصر للدكتور ناصر الأنصاري، النظم السياسية والإدارية (ص209).

[4] انظر: الدولة العثمانية المجهولة لأحمد آق كندوز (ص365)، ومظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيسللجبرتي (1/130-132)، وعجائب الآثار في التراجم والأخبار له أيضًا (2/449،448)، وموسوعة التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر، العهد العثماني (8/156).

[5] انظر: مظهر التقديس (1/187،186).

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/63427/#ixzz2ypGOcItZ
الصورة المرفقة تمثل معركة الأهرامات بين الفرنسيين والمماليك والتي كانت فاصلة في سيطرة المماليك على مصر إلى حين

اترك رد