بقلم : حسام الحفناوي

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – وبعد:

فإنَّ الموروث الشَّفهي التاريخي لدى الشُّعوب يحوي الكثير من القصص المُختلقة، والأكاذيب الملفَّقة حول بعضِ الشخصيات التاريخيَّة المشهورة؛ فيرفع أقوامًا ليسوا بأهلٍ للرفع، ويضعُ آخرين من أهل الرِّفعة والشرف، وينسج الكثير من المبالغات حول هؤلاء وأولئك مدحًا أو قدحًا، ولربَّما أراد المدح فآل إلى القدح، أو العكس.

وسوف نعرض – بإذن الله تعالى – لأمثلة من أولئك الذين تحرَّفت سيَرُهم في التَّاريخ الشَّعبي الشَّفوي، الذي يتلقَّاه الصغار عن الكبار، ويسمعه الجاهل والمتعلم من أفواه جهلة القُصَّاص والسُّمَّار، أو يقرؤونه في كتابات مُثقَّفيهم غير المتثبتين في الأخبار.

ولا أجد مناصًا من ذكر أمثلة مُتنوعة، يعرضُ كلٌّ منها لنوع من أنواع التَّحريف، الذي قد يلحقُ سير المشاهير والأبطال في التُّراث الشعبي.

ولا يخفى على القارئ الكريم – قَلَّت معارفه التاريخية أو كثرت – اسمُ عنترة بن شداد الفارسِ العربي الجاهلي، وبعضًا من سيرته التي سارت بها الرُّكبان، ولَهج بها في الحلِّ والترحال العربُ والعجم، المتأخرون منهم والأوائل، وهي من تلك السير التي تصلُحُ كأنموذج على ما يلحقُ سير الأبطال من مُبالغات تمجُّها كثير من العقول، حتَّى جَعَلت من شخصيته أسطورة أقرب للخيال منها للواقع[1]، لكن عنايتنا مصروفة – إن شاء الله تعالى – فيما نخطُّه هاهنا عن عنترة وأمثاله من الجاهليين إلى مشاهير العُصُور الإسلاميَّة؛ إذ دحض الأكاذيب وتعريتها عن أهل التَّوحيد أولى أن تُوجَّه لها الجهود، وتبذل في سبيلها الأعمار، وإن كان ترداد المختلقات مذمومًا في حقِّ مسلمِ المشاهير وكافرِهم.

ولسنا نُنكِر وُقُوع ما يعسر على بعض العُقُول تصديقه لبعض الشخصيَّات التَّاريخية، سواء ما وقع منها على سبيل الكرامة الخارقة للعادة؛ مِنَّةً من الله – تعالى – على بعض عباده، أو ما وقع على يد بعض مَنْ حباهم الله – تعالى – بقُوَّة تَفُوق عُمُوم الناس[2]، كمثل أولئك الذين يَجُرُّون الحافلات الضخمة بشُعُور رؤوسهم، أو يأكلون الزُّجاج، ويكون ذلك حقًّا لا كذب فيه، ولا مجال للتُّرَّهات والأسطورية في رسمه – ولا يخفى أنَّ بعض ذلك يكون بالحيل الشيطانيَّة والاستعانة بالجنِّ – لكن ذلك لا يبلغ مبلغ ما نقل عن الشخصيات التي صاغها القُصَّاص والسُّمَّار صياغة أسطورية، وأحبكوا من الملاحم، وافتعلوا من الوقائع ما يظهر منه لكلِّ سليم العقل، مطَّلع على تاريخ الأمم والشُّعوب – ما يحويه من المُحالات.

فمن أبطال هذه الأمَّة العظام، وفرسانها المغاوير الذين دوَّخوا الكُفَّار، وأرغموا أنوفهم، وأذاقوهم من الذُّل ألوانًا – القائد العسكريُّ الفذُّ، أبو مُحمَّد البطال، مقدم جيوش بني أميَّة في قتالهم للرُّوم، والمتولي لثُغُور المسلمين تجاههم، الذي قاتل الرُّوم نحو أربعة عقود، حتَّى صارت الأمَّهات في بلاد الرُّوم يُخوِّفْنَ أولادهنَّ به، إذا لم يطيعوهنَّ في تناول الطعام، أو الذهاب إلى النَّوم، تمامًا كما تفعل بعض الأمهات في عصرنا – وقبل عصرنا – مع أبنائهن من تهديدهم ببعض الشخصيات الوهميَّة المُخيفة، التي سَمع كثيرٌ منهُنَّ عنها أيَّام الطُّفولة، وفرق كبير بين الحالين[3].

لكن القُصَّاص وأصحاب السَّمر لم يرضَوا بِما أورده المُؤرِّخون الكِبار في ترجمته من قصص تدلُّ على إقدامه، وشجاعته، وعبقريَّته العسكريَّة، حتَّى ضمُّوا إلى ذلك الكثير من القصص المُخترعة، والحكايات المُبتكرة، حتَّى صنَّف بعضهم منها سيرة مطوَّلة، نص الذهبي – رحمه الله تعالى – على كونها موضوعة مكذوبة[4].

والظَّاهر أنَّ شخصية “البطال” كانت من الشُّهرة بمكان في الأزمان الغابرة، حين كان النَّاس يتوقون إلى سَماع قصص الأبطال، ويُربِّي كثير منهم الناشئة على كريم الخلال، وجميل الخصال، فاعْتَنَى القصَّاص بسرد قصَّة ذلك البطل بما حبكوه حوله من مُبالغات، وما تفتقت عنه أذهانهم من الوقائع والأحداث التي نسبوها إليه، وشاعت بينهم تلك السيرة المكذوبة التي أشرنا إليها آنفًا، فسامروا النَّاس بها، وأزجوا فراغ أوقاتهم بقَصِّها، مع كون الرجل – رحمه الله تعالى – في غنًى عن تلك الأكاذيب، وهاتيك القصص المحبوكات[5]؛ إمَّا أمثلة للأبطال الذين أضفى القُصَّاص وأهل السَّمر على أخبارهم المُبالغات؛ ليرقوا بهم إلى مَصَافِّ الأبطال الأسطوريين في تاريخ الشُّعوب، وإمَّا أمثلة لمن رَفَعهم التَّاريخ الشعبي الشَّفهي إلى مَرتبة الأبطال، وهم ليسوا كذلك.

فمن أمثلة الفُضلاء الذين حطَّ عليهم التاريخ الشعبي الموروث، وألصق بهم من النَّقائص ما هم منه برآء: القائد العسكري الفذُّ، ذو الأخلاق الحسان، والسجايا الكريمة، والهمَّة العالية، بهاء الدين قراقوش – رحمة الله عليه – الذي كان من خواصِّ السُّلطان العادل، والملك الفاضل، صلاح الدين الأيوبي – رحمه الله تعالى – وكان له دور كبير في جهاد الصليبيين، والباطنيَّة، وغيرهم[6].

ومثلما ساهمت سيرة البطال الموضوعة في إضفاء الأسطوريَّة على شخصيته، ساهم كتاب “الفاشوش في أحكام قراقوش” لأسعد بن مماتي، في تشويه سيرة الرجل، وهو كتاب مليء بالقصص العجيبة والحكايات الغريبة، التي لا تتواءم مع شخصيَّة الرَّجل وطبيعة عصره، التي عَمَّ العدل فيها أرجاءَ البلاد، حتَّى غدا مضربًا للمثل في ذلك، فأنَّى لصلاح الدين – وهو من هو في الحرص على نَشْر العدل ورفع الجور عن الرعيَّة – أنْ يُقرِّب مُتصفًا بالعسف والظلم والقهر، ويجعله من خواصِّه، ويُعطيه من الصَّلاحيَّات ما يُمكنه من سوم النَّاس الخسف والهوان؟!

لكن بعضُ العجب قد يزول، إذا علمنا أنَّ مبعث تشويه سير بعض الفضلاء يكمُن في رغبة بعض جُهَّال القُصَّاص في وضع فضائل مُفتعلة لهم، فينسبون إليهم من الأحكام ما قد يلوح لعُقُولهم الضَّعيفة أنَّه يمثل العدل في صورته المثلى، وهو في الحقيقة جورٌ وعسف، ولا يخفى أنَّ بعض الحكام في التاريخ قد خلطوا بين العدل والضبط من جهة، والظُّلم والعسف من جهة أخرى، فأرادوا الأوَّل بزعمهم، فآل أمرهم إلى الثاني.

قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان”: “ويقال: إنَّ زياد بن أبيه أراد أنْ يتشبَّه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رَضي الله عنه – في ضبطِ الأمور، والحزم والصَّرامة، وإقامة السياسات؛ إلاَّ أنَّه أسرف وتجاوز الحدَّ، وأراد الحجاج أن يتشبه بزياد، فأهلك ودمَّر”.

وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله تعالى – في “البداية والنِّهاية (9/138)” في ترجمة الحجاج بن يوسف الثَّقفي: “وكان – فيما يزعم – يتشبَّه بزياد بن أبيه، وكان زياد يَتَشَبَّه بعمر بن الخطَّاب فيما يزعم أيضًا، ولا سواءَ، ولا قريب”.

ولهذا نظائر أخرى في التَّاريخ ليس المقام مقامَ حشد لها، ولعلَّ الله – تعالى – يُيسِّر طرق ذلك فيما يأتي – بإذن الله تعالى – والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] لعنترة سيرة تكرَّرت طِباعتُها فيها كثيرٌ من الأشعار والأحوال، ولا يعلم واضعها على الحقيقة، وهي قصَّة خياليَّة، وتسمَّى بالسيرة الحجازيَّة، وله سيرة أخرى تُسمَّى بالسيرة الشاميَّة، ونُسبَ إلى يُوسف بن إسماعيل المصرى وَضْعُ سيرته، ونسبت سيرته أيضًا إلى الأصمعي، وأظنُّ ذلك بعيدًا، وقد نالت سيرته قدرًا كبيرًا من العناية، فاختصرت، وتُرجمت إلى الإنجليزيَّة، والفرنسيَّة.
[2] من شاء فليراجع – على سبيل المثال – إلى ما ذكره الإمام المقرئ، المؤرخ الأديب: اليسع بن حزم عن الأمير أبي محمد بن عياض، وابن مردنيش الجد والحفيد الأندلسيين، وقد صنَّف اليسع بن حزم تصنيفًا للسُّلطان صلاح الدين كتابًا سمَّاه: “المغرب في محاسن المغرب”، انظر: “سير أعلام النبلاء”، (20/232، 233)، و(20/237 – 239)، و(20/240 – 242)، وقد قصدت ذكر أولئك الأبطال لا غيرهم؛ لعدم اطِّلاع كثير من خواصِّ المسلمين – فضلاً عن عوامِّهم – على سيرهم وأخبارهم.
[3] روى ابن عائذ في “الصَّوائف”، ومن طريقه ابن عساكر في “تاريخ دمشق” (33/402)، عن الوليد بن مسلم، حدَّثني أبو مروان – شيخ من أنطاكية – قال: “كنت أغازي مع البطال، وقد أوطأ الرُّوم ذلاًّ، قال البطال: فسألني بعضُ وُلاة بني أميَّة عن أعجبِ ما كان من أمري في مغازي فيهم، فقلت: خرجت في سريَّة ليلاً، ودفعنا إلى قرية، وقلت لأصحابي: أرخوا لجم خُيُولكم، ولا تُحرِّكوا أحدًا بقتل ولا سبي حتَّى تشحنوا القرية؛ فإنَّهم في نومة، قال: ففعلوا، وافترقوا في أزقتها، ودفعت في ناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وامرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول: اسكت وإلاَّ دفعتك إلى البطال يذهب بك، فانْتَشَلَتْهُ من سريره؛ فقالت: أمسك يا بطال، فأخذته”.
ولا شك أنَّ صنيع أولئك الأمهات مع أبنائهن من الأخطاء الشَّائعة في تربية الأطفال، والتي ينتج عنها من الآثار السلبيَّة على نفسيَّة الطفل الشيء الكثير.
وفي ترجمة البطال من “تاريخ دمشق” (3/401 – 408) سرْدٌ لبعض ما وقع له في الجهاد – رحمه الله تعالى – وقد وجدت الكثير من أخبار معاركه مع الرُّوم في كتاب “الفتوح” لابن أعثم الكُوفي، لكن كتاب ابن أعثم يتفرَّد بذكر كثير من التَّفاصيل والوقائع، ويخالفُ غيره من المصادر التاريخيَّة في سياق الأحداث، وكذا ترتيبها التَّاريخي، وهو في الجُملة من ذلك الصنف الذي يحبك القصص الطوال، ويسرد من الأشعار والحوارات ما يجعله في مَصافِّ كتب الملح والنَّوادر والأسمار، ولا يعوِّل عليه مُحقق في التاريخ، ولم أجد من المؤرخين القُدماء أحدًا ينقل عنه، أو يشيرُ إليه، خلا نُتفًا يسيرة ذكرها ابن العديم في “بُغية الطلب في تاريخ حلب”، وقد يُوجد في غيره مِمَّا لم أقف عليه.
[4] قال الذهبي في “العبر”: “وله حروبٌ ومواقف، ولكن كذبوا عليه فأفرطوا، ووضعوا له سيرةً كبيرة، كل وقت يزيد فيها من لا يستحي من الكذب، وعَدَّ في “السير” (10/604) نشرَ سيرته المختلقة من المحرمات، وقرنها بالأحاديث الموضوعة، ورسائل إخوان الصفا، والسحر، ونحو ذلك من العُلُوم المحرمة.
[5] مما تجدُر الإشارة إليه، وينبغي التَّنبيه إليه أنَّ القصص الخياليَّة – وإن حوت من الفضائل والقيم ما حوت – لا يكون لها من الأثر التَّربوي على نفسيَّة المستمع مثلما يكون للقصص الممكنة الوقوع.
[6] قال ابن خلكان في “وفيات الأعيان”: “والنَّاس ينسبون إليه أحكامًا عجيبة في ولايته، حتَّى إنَّ الأسعد بن مماتي – المقدم ذكره – له جزء لطيف سمَّاه “الفاشوش في أحكام قراقوش”، وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنَّها موضوعة، فإنَّ صلاح الدِّين كان معتمدًا في أحوال المملكة عليه، ولولا وُثُوقه بمعرفته وكفايته ما فوَّضها إليه”. اهـ، ولم ينفرد ابن خلكان بتبرئة قراقوش مما نُسب إليه، بل كان هذا هو المسلك العام لدى المؤرِّخين؛ كالذهبي، والصفدي، وابن كثير، وغيرهم.

اترك رد