بقلم /  أسماء جمال محمود : باحثه ماجستير بجامعه الأسكندريه قسم تاريخ شعبه أثار اسلاميه

 

أ- البوسنة منذ أقدم العصور

تعتبر قبائل الايلير أقدم القبائل التي استوطنت معظم شبة جزيرة البلقان (1) ,وكان ذلك في العصر الحديدي الوسيط (2) ومن أهم الآثار التي تعود لتلك الفترة طلل ” بتميز ” في المدينة التي عرفت فيما بعد باسم سراييفو(3) , وفي القرن الرابع قبل الميلاد توغل الكلت في أراضي البوسنة حاملين معهم حضارة العصر الحديدي الحديث وفي القرن الثالث قبل الميلاد غزا الرومان البوسنة(4) ومع حلول القرن السابع الميلادي بدأ السلاف الهجرة تدريجيا إلى شبة جزيرة البلقان(5) واستقروا فيها بشكل نهائي واستوطنوها وإليهم انتمى سكان المنطقة التي انقسمت فيما بعد إلى مجموعة السلوفينيين والكروات والصرب والبوشناق(6) .

انضم عدد كبير من السلاف إلى الجيش البيزنطي وبالتالي شاركوا في الحروب التي دارت رحاها بين الدولة البيزنطية والعرب والتي استمرت ما يقرب من ثمانية قرون, ففي موقعة اليرموك انتصر المسلمون وأسروا عدداً من السلاف فأسلم بعضهم أما البعض الآخر فقد أُعتق , وفي عهد الدولة الأموية هرب من جيش الإمبراطور جستنيان عشرون ألف سلافي ليلحقوا بصفوف المسلمين حيث أسلم أكثرهم ومنهم من استقر بالشام , أما في الأندلس فبلغ عدد الحراس السلاف بمدينة قرطبة 13750 (7) وهنا يظهر الإحتكاك المبكر بين المسلمين والسلاف قبل الفتح العثماني للبوسنة ,و في أواخر القرن الحادي عشر برزت البوسنة كدولة منظمة لها سلطة مستقلة ومن المعتقد أن الحاكم كولين هو مؤسس البوسنة القروسطية ويؤكد ذلك الإتفاقية المبرمة بين البوسنة ودوبروفنيك التي تظهر فيها البوسنة كدولة منظمة(8)

 


(1)
هدى ميتكيس , المسلمون في يوغسلافيا ( سابقاً) بين جدلية الاثني والديني , ص3 , مركز البحوث والدراسات السياسية , كلية الأقتصاد , جامعة القاهرة , 1993 م

(2) جمال الدين سيد محمد , البوسنة والهرسك , ص 13 ,ط(1), دار سعاد الصباح , 1992 م

(3) موجز دائرة المعارف الإسلامية , ص 1946 , ج7 , الطبعة الأولى , مركز الشارقة للإبداع الفكري , 1418 هـ/ 1998م

(4) جمال الدبن سيد محمد , المرجع السابق , ص 13

(5) موجز دائرة المعارف الإسلامية , المرجع السابق , ص 1946

(6) هدى ميتكيس , المرجع السابق , ص 3

(7) روبرت ج . دنيا و جون . ف .أ . فاين , التراث المغدور اغتيال ماضي البوسنة , ص 45, ترجمة أحمد محمود , المجلس الأعلى للثقافة

(8) جمال الدين سيد محمد , المرجع السابق , ص 13,14

 

البوسنة-تاريخ


ب- البوسنة القروسطية (الدولة البوسنية)

تعد الدولة البوسنية أقدم دول السلاف الجنوبيين في العهد الأقطاعي المبكر في العصور الوسطى وقد وجدت نفسها في أوائل القرن الثاني عشر إلى جوار الدولة الهنغارية الكرواتية التي أقيمت بناءاً على أتفاق عقد ما بين الملك الهنغاري كولومان عام 1102م وأعيان كرواتيا اعترف فيه الأعيان بالملك الهنغاري ملكاً على كرواتيا وكان ذلك مقابل أن يضمن لهم حقوقهم الإقطاعية وممتلكاتهم ومن هنا ظهرت رغبة ملك هنغاريا التوسعية وكان من الطبيعي أن يصبح ألد أعداء الدولة البوسنية التي تسعى إلى الإستقلال وترفض التبعية .

يعتبر الحاكم بوريتش أول حاكم بوسنوي ( 1154-1164م ) وقد ظهر في وقت اشتعلت فيه الخلافات بين هنغاريا وبيزنطة فكلاهما يسعى إلى التوسع والسيطرة على الجزء الأكبر من شبة جزيرة البلقان وبالتالي أصبح لا مفر من الصدام ولا مفر من أن تنضم البوسنة إلى هنغاريا لا بإعتبارها تابعاُ وإنما بإعتبارها دولة مستقلة تدافع عن سيادتها حيث شاركت الكتائب البوشناقية في حصار مدينة برانيتسيف ولكن بمجرد وصول الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين تم رفع الحصار عن المدينة وما إن علم الإمبراطور بمشاركة بوريتش في الحصار بقواته مشاركاً ملك هنغاريا حتى بعث بأشجع جنوده لمطاردته وبعدها شارك بوريتش في كل المعارك التي دارت حول خلافة العرش الهنغاري (1)

يصف المؤرخون تاريخ البوسنة في العصور الوسطى بأنه تاريخ محير ومضطرب لذا يمكن الإشارة إلى أهم ثلاثة حكام في هذه الفترة كان لهم تأثيرعلى مجرى الأحداث التاريخية حتى الفتح العثماني . (2)

 

 

1- بان كولين ban kullin ( 1180 – 1204م  و  (  بان ستيفن كوترومانيتش ban Stephen kotromanic ( 1322 – 1354 م و )  الملك ستيفن تفرتكو Stephen tvrtko ( 1353 – 1391 م )

*1*

بان كولين ban kullin ( 1180 – 1204 م )

البوسنة-تاريخ (2)

 

يعتبر عهده هو العهد الذهبي للبوسنة القروسطية حيث شهدت فترة حكمه إزدهار وسلام ورفاهية إقتصادية استمرت أربعة عشر سنه (2) فظل أسمه وذكراه وعهده محفوظ في التراث والإبداعات الشعبية التي تمجده وتجعله رمز استقلال البوسنة واستقرارها ورفاهيتها ورمز الحكمة أيضاً حيث أنه تظاهر بالغباء ليقنع البابوية في روما بأنه لا يعرف ماهية الخلافات بين المذهب الكاثوليكي وعقيدة البوجوميل التي تبنتها الكنيسة البوسنية وأعتبرت أنها المسيحية الحقيقية في صورتها الصافية بعيداً عن الوثنية التي عادت إليها كلاً من الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والكنيسة الغربية الكاثوليكية (3) وبالأضافة إلى الإستقرار السياسي فقد ارتبط اسمه بالرفاهية الإقتصادية ونمو العلاقات التجارية خاصة مع راجوزا فعقد معها إتفاقية من أجل استغلال مناجم البوسنة الغنية بالمعادن كما نجح في تكوين علاقات طيبة مع كلا من الهرسك التي تزوج حاكمها من أخت كولين وجوبان العظيم ملك صربيا ( ستيفن نيمانيا ) مؤسس الأسرة النيمانية

أختلف الأمر تماما فيما يخص العلاقات البوسنية مع كلا من المجر وزيتا بل تطور في بعض الأوقات ليصل إلى حد العداء ونتج ذلك عن أطماع الجانب المجري في الأراضي البوسنية فقد كان ينظر لها دائماً على أنها دولة تابعة ؛ فلم تتورع المجر عن استخدام الدين لإقحام الباباوية في الصراع التوسعي الذي تترأسه على حساب الأراضي البوسنية لذا ارسلت الشكاوى إلى البابا تتهم فيها زوجة البان والشعب البوسنوي بالهرطقة أملاً في الحصول على مساعدة البابا لها على غزو البوسنة لذا فقد غزت جنوب وسط البوسنة إلا أن سحق المغول للجيش المجري أجبرها على التقهقر بعد ثلاثة أعوام فقط ومع ذلك عادت المجر تتلمس الأسباب للعودة إلى البوسنة وتمكنت بالفعل من الإستيلاء على أراضي شمال شرق البوسنة وبذلك تم لها ما كانت تتمناه من وراء ستار الدين (4)

 


(1)
نويل مالكوم , المرجع السابق , ص 44

(2) محمد يوسف عدس , البوسنة في قلب إعصار , ص 22 , المختار الإسلامي

(3) جمال الدين سيد محمد , المرجع السابق , ص 43

(4) محمد يوسف عدس, المرجع السابق , ص 22,23

 

*2*

بان ستيفن كوترومانتيتش ban Stephen kotromanic ( 1322 -1354 م )

البوسنة-تاريخ (3)

 

نجح كوترومانيتش في إقامة دولة بوسنية قوية أخضع لها ساحل دلماشيا بين راجوزا وسبليت , كما أنشاً كياناً سياسياً موحداً لأول مرة في التاريخ يتشكل من البوسنة والهرسك ففي عام 1326 م ضم معظم أراضي الهرسك إلى البوسنة , كما نجح في تكوين علاقات ودية مع الدول الأجنبية فتزوج ابنه حاكم ” ماتشفا ” المجري من الأسرة الحاكمة وساند ملك المجر وارسل إلية قوات مساعدة ضد النبلاء في كرواتيا وعقد معاهدات مع راجوزا والبندقية (1) .

كان من الطبيعي أن تتصادم الدولة البوسنية مع صربيا الكبرى في ذلك الوقت إلا أن صربيا كانت مشغولة بالتوسع جنوباً في أراضي ألبانيا وشمال اليونان في عهد استيفن دوشان Stephen dushan , كان كوترومانيتش حكيماً في كل قراراته فوثق علاقته بالكنيسة البوسنية على الرغم من أنه كان أرثوذكسياً على الأرجح كما أنه سعى إلى تحسين علاقته بالباباوية فطلب من البابا أن يزيد من عدد القسس المدربين المرسلين إلى البوسنة وكان ذلك على الأرجح بعد أن سمح للفرنسسكان بإنشاء بعثة تبشيرية في البوسنة لذا فمن المرجح أنه تحول إلى الكاثوليكية (2) .

*3*

الملك ستيفن تفرتكو Stephen tvrtko ( 1353 – 1391 م )

king_tvrtko_bosnia

 

مات كوترومانيتش سنه 1353 م تاركاً وراءه دولة قوية وابن صغير لا يزيد عمره عن خمسة عشر عاماً , كان من الطبيعي أن تتحرك أطماع الدول المجاورة تجاه البوسنة ولكن سرعان ما قويت شوكه تفرتكو وكان من حسن طالعه أن مات ستيفن دوشان حاكم صربيا التي بدأت تتفكك بعد موته فوقف مع لازار أحد نبلاء الصرب حتى تمكن من فرض سيطرته على النبلاء الآخرين فكان ثمرة هذا التعاون أن حصل تفرتكو على أجزاء من الهرسك وزيتا وجنوب دلماشيا وهو الجزء الذي سمي فيما بعد باسم سنجق نوفي بازار bazar novi واحتفالا بهذه المناسبة نصب نفسه ملكاً على كلاً من البوسنة وصربيا واستغل فرصة موت ملك المجر وحدوث نزاع على السلطه في كرواتيا ففرض سيطرته على مساحات أكبر وأمتد سلطانه إلى سلوفينيا(3) وبذلك يكون تفرتكو أقوى حاكم في عصره بين حكام السلاف ودولته أكبر دولة للسلاف الجنوبيين في البلقان (4) والجزء الوحيد من إقليم البوسنة الذي لم يضمه هو القطاع المستطيل من الأرض الممتد في الشمال الغربي ويحتوي مدينة بيهاتش bihac التي كانت تابعة للأراضي الكرواتية وقتها (5)

 


(1)
محمد يوسف عدس , المرجع السابق , ص 23,24

(2) نويل مالكوم , المرجع السابق , ص 48,49

 (3) محمد يوسف عدس , المرجع السابق , ص 24

(4) جمال الدين سيد محمد , المرجع السابق , ص 48

(5) نويل مالكوم , المرجع السابق . ص 44

 

البوسنة-تاريخ

 

وصلت البوسنة في عهده إلى أوج مجدها وإزدهارها السياسي والأقتصادي والثقافي كما تبوأت الحياة الروحية مكانة مميزة تركزت على نشاط الكنيسة البوسنية وقصر الملك والنبلاء (1) أضف إلى كل ما سبق كونه أول من تصدى للعثمانيين من أسرة كوترومانيتش(2) , كانت وفاته في عام 1391 م تعني نهاية الدولة البوسنية وبداية إنهيارها ورغم وصول الدولة في عهده إلى أقصى إتساع لها إلا أن هيكلها الداخلي وتنظيمها كان ضعيفاُ حيث بدأ الحكام يدخلون في الصراع حول السلطة والاملاك والإقطاعيون يزداد تسلطهم دون أي إعتبار للملك بالإضافة إلى وجود العثمانيين في منطقة البلقان منذ انتصارهم في معركة قصوه ” كوسوفو ” أما أطماع المجر فلم تتوقف لحظة بل تنتظر الفرصة المناسبة للتوسع في الأراضي البوسنية (3)

(1)جمال الدين سيد محمد , المرجع السابق , ص 48

(2). روبرت ج . دنيا ’ جون . أ ز فاين , المرجع السابق , ص 35

(3) جمال الدين سيد محمد , المرجع السابق , ص 48 , 49

اترك رد