سيستان و بلوشستان – إيران | أحوال المسلمين 

منذ 20 عام وقع حادثة اغتيال وحشي لأحد أهم علماء أهل السُنة في بلاد فارس  يدعى “مولوي عبد الملك”،  ربما لايعلم سيرته الكثيرون بسبب التعتيم لأبواق الإعلام الإيراني رغم وجود قنوات واذاعات ناطقة باللغة العربية.

مولده :

وُلّدَ الشيخ “مولوي عبد الملك عبد العزيز عبد الله ملا زاده” بقرية “حيط سرباز” التابعة لمدينة ايرانشهر بمنطقة بلوشستان الإيرانية عام 1950م، ترعرع الشيخ عبد الملك وسط أسرة متدينة لها باع في تدريس العلوم الدينية وجهاد الصليبيين، فقد كان والده “عبد العزيز” من كبار علماء أهل السُنّة وزعيمًا سياسيًا معروفًا في بلوشستان الغربية، لطالما صَدَعَ بالحق في وجه النظام الفارسي مُدافعًا عن حقوق المسلمين.

أما جده الشيخ العالم “مولوي عبد الله” فقد كرس حياته فارسا لمحاربة البدع الشيعية والتصوّف، وقائدا لحركة الجهاد ضد الإحتلال البريطاني و نظام رضا شاه بهلوي إبان حكم الأسرة البهلوية لبلاد فارس.

استقاء العلم :

الشيخ أحمد مفتي زاده مع الشيخ مولوي عبد الملك
الشيخ أحمد مفتي زاده مع الشيخ مولوي عبد الملك

المراحل الثلاث الأولى من تعليم الشيخ كانت بمدارس حكومية ايرانية، بعد ذلك سَلَك طريق التخصص في العلوم الدينية، فالتحق بمدرسة بلوشستان للعلوم الشرعية.

سافر الشيخ الى باكستان ملتحقًا بجامعة “دار العلوم” بمدينة كراتشي ومكث بها 8 سنوات حتى تخرج منها عالمًا وأهلًا للفتوى.

بعد تخرج الشيخ عبد الملك من جامعة دار العلوم، اتجه شطر المدينة المنورة للالتحاق بالجامعة الإسلامية بعد قبوله طالبا فيها، و خلال السنوات الأربع التي قضاها الشيخ في كلية الدعوة و أصول الدين استفاد من العلماء الجهابذة في هذا الصرح الشامخ و تأثر بأفكار العلماء و المفكرين و المثقفين فيها، و عند تخرجه عاد الى مسقط رأسه ليخدم عشيرته و شعبه.

بداية مشواره السياسي:

abdolmalek2

أثناء تواجد “عبد الملك” في باكستان شجعه ذلك للتعرف على الحياة الحزبية والجماعات الإسلامية وانشطتها السياسية والإنخراط داخلها.

ومع بداية الثورة الخمينية وانتهاء عصر الشاه كان الأُفق السياسي منفتحا أكثر، فقام بعدة خطوات هامة:

  • المطالبة بحقوق أهل السنة .

  • التعاون مع حزب “علماء مسلمي بلوشستان ” أواخر عام 1980م الموافق 1400 للهجرة.

  • دورات وندوات هدفها الربط بين العلماء والطلبة و تثقيف شباب المسلمين و الرفع من الوعي.

  • ندوات لمحاربة الأحزاب الشيوعية لإنقاذ الشباب من أفكارها الضلالية.

منظمة “ المنظمة المحمدية الإسلامية لأهل السنة” :

بالتعاون مع العلماء المثقفين تم تأسيس المنظمة المحمدية لأهل السُنّة في عام 1982 الموافق لـ 1402هجرية، وكان من أهم أهداف هذه المنظمة:

  • الكفاح ضد من يفرق جمع المسلمين و كفاح ضد الجماعات اليسارية.

  • تنظيم و تهيئة القدرات الفعالة بين المجموعات و التكتلات المؤمنة في المجتمع.

  • دراسة مشاكل المنطقة و حلها بطرق الصحيحة.

  • مخالفة سياسات الدولة الخاطئة في المنطقة.

  • احترام الثقافة و الآداب و الرسوم المتبعة المشروعة في المنطقة و تنميتها و ترويجها.

و لتنفيذ هذه الأهداف قام بثلاث أعمال مهمة و هي:

  • انشاء صحيفة بإسم “لمعة من الإسلام” لنشر الثقافة الإسلامية و تنوير أفكار الشعب و إيصال أهداف المنظمة المحمدية، و قد نشرت مرتين فقط ثم أوقفت.

  • تأسيس مركز لانعقاد الإجتماعات و إقامة الأنشطة الإجتماعية و الدورات المختلفة.

  • إقامة الرحلات الجماعية إلى بعض المناطق التي يقطنها أهل السنة، و من ثم توسيعات العلاقات بين مناطق أهل السنة.

إضافة إلى ذلك كان له أنشطة أخرى أيضاً، منها:

  • تأسيس المكتبة العامة لنشر الرسائل و المطويات المفيدة.

  • عقد الجلسات الخماسية بعد صلاة الجمعة مع الطلبة و الإجابة على الأسئلة و دراسة الموضوعات العصرية الساخنة، و شرح عقائد أهل السنة و الشيعة و الرد على شبهات الرافضة.

  • تعليم القرآن الكريم و تجويده للطلبة.

  • الجلسات الشهرية مع المثقفين و المعلمين من أهل السنة.

  • إقامة الدورات الصيفية في الموضوعات المتنوعة و الجذابة على مستوى المدينة و المنطقة و المدن الإيرانية.

  • تشجيع الطلبة على إستمرار الدراسة في المدارس و الجامعات الحكومية بجانب الدروس الدينية.

  • توثيق العلاقات مع المثقفين والموحدين من الشيعة كالعلامة البرقعي وغيره.

IMG_0048
صورة الشيخ عبد الملك خلال نشاطه الواسع من أجل جمع كلمة المسلمين
2
مولاوي عبد الملك في سيارته التي شهدت مسيرته الطويله في نصرة المسلمين السنة

اعتقاله :

اعتقل الشيخ عبد الملك عقب انتصار الثورة الإيرانية في ضمن 400 رجل دين سني بتهمة إنتمائه الى المجلس المركزي لأهل السنة (شمس – شورى المسلمين السنة) الذي أسسه العلامة أحمد مفتي زاده بتاريخ 2 أبريل/نيسان 1981 في طهران، و لم يمض على تأسيس الحركة حتى تم منع المجلس من السلطات، موقفة بذلك أنشطته و متهمة الأعضاء المنضوين فيه بأن لهم صلة بالخارج، و تم إلقاء القبض عليهم و كان مولانا عبد الملك من بينهم.

بعد 6 شهور من الاعتقال صدر بحقه قرار الإفراج، و عندها عاد عبد الملك لمواصلة أهدافه و ثبتت أقدامه أكثر في هذا السبيل.

تضييق خانق :

بعد وفاة والده في عام 1989م (الموافق لـ 1409هـ) أسس الشيخ عبد الملك حركة “المحمدي السنية”، و بدا للحركة تأثير قوي على المسلمين السنة في سيستان، الأمر الذي أدى به لاحقا الى المنع من التدريس و التضييق عليه في مجال الدعوة، و قد أصبح تحت المراقبة الشديدة في سفره و نشاطاته، و خلال ذلك أصر أحبابه و زملاءه أن يمسك مكان والده رسميا من الحكومة ليصبح إمام وخطيب مدينة زاهدان و لكنه رفض قائلا: “إنني لا استطيع ان أمدح النظام و أمشي إلى جانبهم في التظاهرات”.

هجرة مضطرة :

ضاق الخناق و أحكم على الشيخ عبد الملك خلال إقامته في زاهدان وأجبر على الهجرة، و كانت الرحال الى باكستان، هناك حيث تولى الشيخ رئاسة  المجلس الأعلى لأهل السنة الإيراني في كراتشي، و سافر إلى عدد من الدول لخدمة أكبر للمسلمين، و قام بتقوية العلاقات مع الشخصيات والجماعات الإسلامية في العالم الإسلامي، كما قام بترجمة الرسائل والمقالات الفارسية إلى العربية و نشرها عبر المركز الإسلامي.

إغتياله :

حاولت الحكومة الصفوية مرارا دفع الشيخ عبد الملك الى العودة إلى إيران، و لكنه رفض ذلك لعلمه بأنباء الإعدامات و الإعتقالات التي سنتها السلطات الصفوية ضد السنة، وفي نهاية المطاف أرسلت الحكومة الإيرانية جواسيسها و عملائها إلى باكستان من أجل اغتيال الشيخ عبد الملك، و في 19 من شهر شوال 1416هـ – 6 مارس 1996م أغتيل الشيخ عبد الملك مع زميل له في مدينة كراتشي الباكستانية ضربا بالرصاص.

اترك رد