يعيش أكثر من 90 في المائة من الشعب الأوزبكي وهي نسبة المسلمين (من أصل 26 مليون نسمة هم عدد سكان البلاد )، في أوضاع حقوقية مزرية، و” يعاني الملتزمون منهم بالاسلام من الاضطهاد الذي بلغ حد الرمي بالضحايا في مياه تغلي مع الآسيد، إذا رفض إقرار التهم الملفقة في تقارير الاستخبارات بأنه عضو في أحد الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة. وأن أشخاصا لا يعرفهم كانوا خاضعين لقيادة أسامة بن لادن “.

هذه الشهادة ليست لمسلمين من أوزبكستان، وإنما لسفير بريطانيا السابق هناك غراي موراي الذي أكد بأن “الاستخبارات الازبكستانية كانت تعذب السجناء وتنقل على ألسنتهم معلومات خاطئة للاميركيين والبريطانيين ” وكان غراي موراي قد شعر باستفاقة ضميره بناء على تراكمات معرفية لها صلة بالممارسات النازية قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، عندما وصلته صور فتوغرافية بعد اسبوعين من وصوله إلى أزبكستان ” كانت شهادة ساطعة على أول عملية تعذيب علمت بها “وكانت الصور لشاب تم تعذيبه ورميه في ماء مغلي حتى فارق الحياة، وهو أسلوب استخدمته الاستخبارات الازبكية مع المئات من أبناء الشعب الازبكي المسلم ” لم أتمكن من معرفة ما حل بجسد ذاك الشاب عندما تمعنت في الصور، ولذلك أرسلتها إلى جامعة غلاسكوف في اسكتلندا، وكشفت التحاليل إنها لناشط اسلامي كان في معتقل غياسليبيا حيث تعرض للتعذيب حتى الموت ” و يتابع ” وضع جسده في نعش مقفل وطلب من أمه أن تدفنه دون أن تفتحه، ولكنها كانت جريئة ولم تخضع للتهديدات، وفتحته في منتصف الليل، والتقطت له عدة صور ثم قامت بارسالها إلي “وكانت نتائج التحليل إن الشهيد ” ألقي به في سائل مغلي بعد أن ظل وفيا لمبادئه حتى الموت، ونحن هنا لسنا أمام صور من جيل الصحابة جيل خباب وعثمان بن مظعون وجعفر الطيار رضي الله عنهم، وإنما فتية من فتية الاسلام في القرن الواحد والعشرين رضي الله عنهم.

دموية فضيعة:

لقد توفي الشاب بعد وضعه في سائل مغلي ” يظهر ذلك بشكل جلي من خلال ظهور خط واضح في القسم الاعلى من صدره وذراعيه ” كانت تلك التحليل مثار فزع لدى من كانت لديه ذرة من انسانية، ومنهم السفير المذكور “سيطر علي الرعب طبعا، لكني علمت بأن ما حدث لذلك الشاب ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة “.

وجميعنا يتذكر صور المجزرة التي قام بها نظام كريموف في 14 مايو 2005 والتي ذهب ضحيتها وفق الاحصائيات الرسمية 187 شخصا، بينما قالت مصادر أخرى إن عددهم تجاوز الثمانمائة شخص، قتلوا رميا بالرصاص في الشارع لأنهم كانوا يتظاهرون ضد نظام كريموف.ورغم مطالبة المنظمات الحقوقية الانسانية الكشف عن ملابسات تلك الجرائم إلا إنه لم تسفر تلك المطالبات عن نتائج ذات بال. وظلت السلطات الازبكية تمارس عمليات التعذيب والقتل داخل المعتقلات ضد المعارضين السياسيين، ولاسيما الاسلاميين منهم.

ورغم علم لندن وواشنطن بما يجري في سراديب المعتقلات الاوزبكية، إلا إنها لم تحرك ساكنا لوقفها، كما تفعل مع الانظمة التي تصفها بالمارقة، بل أصبحت الاعترافات القسرية والمعلومات الخاطئة التي أدلى بها المعتقلون في أزبكستان أداة سياسية في يد الاستخبارات الاميركية والبريطانية.

وفي الشهادة التي قدمها السفير البريطاني غراي موراي لبعض وسائل الاعلام الاوروبية، يلاحظ المرء مدى استخفاف الادارات الغربية بقضية حقوق الانسان، عندما تكون مصالحها في انتهاكها ؟!!!

توطئ امبريالي:

” استدعيت إلى لندن للمشاركة في لقاء الثامن من مارس أخبرني مسئول الشؤون السياسية في وزارة الخارجية بأن استخدام معلومات ناتجة عن أعمال التعذيب أمر شرعي مضيفا بأن المخابرات لم تمارس أي أعمال تعذيب أو تحرض أحد على التعذيب للحصول على المعلومات ” ويتابع ” لذلك كانوا يعتبرون حصول الاستخبارات الازبكستانية على المعلومات من خلال التعذيب ونقلها إليهم يجري في الاطار الشرعي والقانوني، وهذا في نظرهم ينطبق على مصر و تونس وسوريا رغم أن الأخيرة في دائرة الدول المارقة ” ؟!!!

يواصل الدبلوماسي البريطاني الادلاء بشهادته المثيرة ” استدعوني عندما كنت عطلتي في كندا، ووجهوا لي 18 تهمة، وكانت تلك الاتهامات من النوع الذي يوجه عادة للاشخاص بقصد تشويه سمعتهم، اتهموني بالادمان على الكحول، وبسرقة أموال السفارة، وغير ذلك من الافتراءات والاقاويل الباطلة، ورغم إن جميع تلك الاتهامات باطلة إلا إنهم هددوني بنشرها إن لم أقدم استقالتي ” لقد سقطت كل الاتهامت الموجهة إليه فيما بعد ولكن الخطر كان يحيط به من كل جانب ” أجبرت على تقديم استقالتي بعد 21 سنة من الخدمة كان ذلك القرار صعب جدا، تدهورت حالتي الاقتصادية بشكل مريع بعد أن وجدت نفسي فجأة دون عمل، سدت جميع أبواب التوظيف في وجهي، وماعدت قادرا على ايجاد عمل بعد أن شوهت سمعتي، لقد عشت مرحلة قاسية “.

طريقة مبتكرة:

وفي الاسابيع القليلة الماضية قدم ديك مارتي في باريس تقريره عن الرحلات الجوية السرية التي كانت تقوم بها وكالة الاستخبارات الاميركية المركزية السي آي إيه، والتي كشفت تورط الاستخبارات الاوروبية في تلك العمليات القذرة، في وقت كانت السلطات الاميركية تقوم فيه بتسليم المتهمين للبلدان التي تمارس فيها أعمال التعذيب واستخدام المعلومات الناتجة عنه، بما في ذلك البلدان التي تضنف على إنها مارقة مثل سورية. ” اطلعت على وثائق لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية السي آي إيه، ومن المؤكد أن وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس ووزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد قد اطلعا عليها، وهي تقارير عن التعذيب، تم إعادة صياغتها وتعديلها قبل خروجها من إطارها السري ” ومن ذلك ” يقرأ في بعضها على سبيل المثال المعتقل يقول أو فلان يقول، وربما يكون المعتقل و فلان شخصا واحدا وربما لا، يصعب تحديد هوية المعتقل في التقارير المعدلة أو تأكيد تعرضه للتعذيب، وهذه طريقة مبتكرة تسمح لكبار المسئولين بالقول: لم أطلع على أي وثائق ناتجة عن عملية تعذيب “.

حرية الصحافة:

لقد عمل غراي موراي على تجميع وثائق عن انتهاكات حقوق الانسان في جميع أنحاء العالم ونشرها في وقعه على الانترنت، لكن الصحافة البريطانية كما يقول ” تجد صعوبة كبيرة في مواجهة هذه المسألة بشكل علني، فلم يسألني أحد على سبيل المثال إن كانت الوثائق التي نشرتها على موقعي صادرة عن أشخاص أو إذا كنا نحرض السلطات في أوبكستان أو مصر وتونس وسورية على تعذيب السجناء وبذلك تمكن ( الفورن أوفس ) نتيجة لذلك من تظليل الرأي العام “.

ولم يعد الاعلام البريطاني يجرأ منذ عدة سنوات على عرض مشاهد تعتبر في عرض السطات تمس بالروح الوطنية، فقد أقيل مدير البيب بي سي من منصبه لأنه قال بأن العراق لا يملك أسلحة الدمار الشامل، الجميع أصبح اليوم يدرك هذه الحقيقة و لكن مديرا البي بي سي أجبرا على تقديم استقالتهما بعد نشرهما لهذا الخبر و لهذا يتجنب الصحافيون البريطانيون الخوض في هذا الموضوع. ” الشهادة التي أدليت بها بخصوص الرحلات السرية الجوية للاستخبارات الاميركية أثارت اهتمام البرلمانيين الاوروبيين ” وقال ” الأمر الذي نزل علي نزول الصاعقة هو اكتشافي بأن الموظفين الذين كنت أعمل معهم منذ أمد بعيد كانوا يعلمون بما كان يجري، لقد دهشت بأن مايكل ورد وجد مببرات ( شرعية ) للتحايل على القانون الذي يمنع اللجوء إلى التعذيب، لذلك قلت في نفسي لماذا لا يتحمل الاشخاص المسئولية الاخلاقية لما يفعلونه، فإذا بدأنا بتبرير التعذيب من الناحية القانونية يسهل علينا أيضا كيف تمكن النازيون من ايجاد مبرر إلى سوق الآلاف لمعسكرات الاعتقال باسم الواجب أو الطاعة لاوامر رؤسائهم وتنفيذ الاوامر العليا.

الديكتاتورية والامبريالية:

تؤكد المعارضة ومنظمات حقوق الانسان أن الرئيس كريموف أمر بإبادة المدنيين لخنق كل معارضة لنظامه متترسا بحرب الحركات الاسلامية بحثا في ذلك عن البراءة و السكوت و الدعم من الغرب، رغم أن بعض الاوساط بدأت تتفهم رسالة الحركات الاسلامية ووصفتها بأنها ثورة ديمقراطية كما ظهرت تعبيرات ملغومة مثل زالزال ديمقراطي في بعض وسائل الاعلام الغربية.

لقد أبرزت أحداث أزبكستان المتأرجحة بين موسكو وواشنطن وبكين بوضوح غياب الاستقرار في آسيا الوسطى، وهي الحجة التي يتوسل بها المستبدون و الطغاة لدى الغرب للبقاء في السلطة و حفظ مصالحه وزيادة، لكن تلك الحجة سقطت في أزبكستان وعدد من الدول الاخرى مما جعل الغرب يعيد حساباته السابقة و أصبح يخشى على بيضه الذي إئتمن الانظمة الديكتاتورية عليه فظهرت مواقف – و إن كانت في غير المستوى المطلوب – تطالب بفتح تحقيقات في تلك المذابح. وذلك بعدما تبين عجز كريموف عن إبقاء أزبكستان بلدا مستقرا بالمفهوم الاميركي لمناطق نفوذها. مما يكشف زيف الادعاءات الاميركية لنشر الديمقراطية والاصلاح في العالم الاسلامي.

شهادات من داخل أزبكستان:

تمكن كريموف من خلال تمكين روسيا من تحقيق أهدافها في أوبكستان و أميركا من إقامة قواعد عسكرية فوق التراب الازبكي، واقتسام النفط عوائده مع الشركات العابرة للقارات دون الشعب القابع في زوايا النسيان ومرابض الفقروالعوز. وهذا ما جعله يقدم على ارتكاب جرائمه دون أن يحسب للضحايا من أبناء شعبه أي حساب، وهو كأي ديكتاتور مستعد لبيع مصالح بلاده للاجنبي مقابل الاحتفاظ بالسلطة. تقول إلينا ساليفا من منظمة تعنى بحقوق الانسان في أوبكستان ” لا يمكننا أن نفعل شيئا، لا يمكننا أن نساعد الضحايا ” و قالت غالية أنديان ” لقد قتل أناس فقراء و ابرياء، السلطة مسؤولة عما حصل و رموزها لم يكونوا هناك، زبانيتهم فقط حضروا لاداء المهمة القذرة ” و قال فايز الله شاكيروف ” أعرف إمرأة فقدت 4 ابناء وكثيرون لا يعملون وليس لهم المال لاطعام عائلاتهم و لا يملكون كسرة خبز يأكلونها ” و قال خالد انديان ” من أعطاهم الحق في إطلاق النار على المدنيين العزل و الابرياء، قتلوا ولدي و هو اب لثلاثة أطفال من سيكفلهم، أنا متقاعد و لي 67 عاما و سيصعب علي الاهتمام بهم كما يجب “وقال محمد أنديان “أميركا شريك استراتيجي لكاريموف و إلى جانب مسؤوليتها عما حدث من خلال الدعم الذي تقدمه لكريموف، هي مسؤولة عن الدماء التي سالت في أنديجان و التي ستسيل في المستقبل في أزبكستان ” و تابع ” أعتقد بأن أميركا مسؤولة بشكل جلي بسبب دعمها اللامشروط لكريموف ” وقال سعيد زاييكوف ” كنت في العمل عندما بدأت قوى القمع في إطلاق النار على الناس، وكان ابني أمام البيت و عندما عدت لم أجده و لا أزال ابحث عنه منذ ذلك اليوم، قيل لي إنه في المستشفى و لكن السلطات منعتني من رؤيته ولا أدري إن كان في المستشفى أم لا، أتيت له بطعام و لكنهم يقولون إنه لم يعد هنا، أطلقوا النار على ساقيه و لا أحد يعلم أين هو ” وقال احد المشاركين في الاحتجاجات طلب عدم ذكر اسمه ” وصل الجنود للساحة و بدأوا باطلاق النار على جموع الناس بدون أي تمييز بين الاطفال والنساء والمسنين ” وقال ” قررنا تشكيل فريق متلاحم وشكل الرجال درعا خارجيا و لكن الجنود أطلقوا النار علينا وكأننا كلاب، لقد كانت مجزرة بكل ما تعني الكلمة من معنى ” وتابع ” في مؤتمر صحفي من السهل تشويه الحقائق و لكننا نقلنا الادلة ” وأخرج من جيبه ظروف رصاصات فارغة لاسلحة استخدمت في قمع الاحتجاجات وهي رصاصات أسلحة مضادة للدروع والطائرات. وقال إذا لم يجر تحقيق فنخشى أن يقوم النظام بإبادة الشعب و لا سيما المعارضة. أما باختيار رحيموف أحد الزعماء الاسلاميين في ازبكستان والذي اعتقل لاحقا فقال ” إذا واصل كريموف هذه السياسة الهجومية فسوف نقاوم حتى الرمق الاخير لان الشعب يقف معنا و سنقف بدورنا إلى جانب شعبنا، لسنا زعماء لهذا الحزب أو ذاك ولا ننتمي لاي فريق ولا نحصل على اي تمويل من أحد لدينا دعم الناس في ازبكستان و غيرعيرستان فهناك يدعمنا المسلمون “. و يقول المراقبون إن الطريق الذي اختاره كريموف كان خاطئا، فقد واجه مطالب شعبه على الطريقة السوفياتية القديمة و فشل في تحقيق مأربه،  سيشهد السقوط الذي ينتظره، فخشيته على حياته جعلته عصا بدون عقل، وعلق استبداده على مشجب محاربة الحركات الاسلامية الذي يلقى في الغرب صدى ايجابيا لكنه غير مضمون. واليوم يتحدث شهود العيان عن وجود مقابر جماعية لضحايا قام جنود كريموف بدفنهم سرا مما يجعل رقم الالف ضحية يرتفع إلى مستويات أكبر من ذلك بكثير

العد التنازلي لنظام كريموف:

لقد بدا العد التنازلي لنظام كريموف الذي يمسك بقبضته الحديدية أعناق شعبه البائس منذ 16 سنة، فمنذ 1991 و هو يواصل قمعه للحركات الاسلامية في أزبكستان فهناك الآلاف من الشباب الاسلامي داخل السجون في ظروف سيئة للغاية ومعظمهم قضى عدة سنوات دون توجيه أي اتهامات لهم فضلا عن محاكمتهم، بسبب أن اعتقالهم كان لمجرد الشبهة فكل صاحب لحية مشبوه و كل من يصلي مشبوه و كل قريب لمشبوه مشبوه حتى أضحت أزبكستان مجتمعا من الاشباح. و في ظل وضع متوتر كهذا تمت أحداث أنديجان التي يؤكد المراقبون أنها لن تكون الاخيرة، فالدماء التي أهرقت لن تسهل الصلح مع نظام دموي والغ في دماء شعبه و مسؤول عن تجويعه، حيث الاوضاع السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية من السوء لدرجة لم يعد فيها الشعب يتحمل الاوضاع القاسية التي يعيشها. ولا يمكن لشعب تعداده 26 مليونا أن يظل حبيس الاقفاص التي وضعها فيه الطاغية كريموف. فهذا الديكتاتور العميل للقوى الكبرى أصبح من الصعب عليه في ظل تفاقم النقمة الشعبية على نظامه و تحرك الجهات الدولية تحت ضغوط شعوبها و منظمات الدفاع عن حقوق الانسان ممارسة ارهاب الدولة على نطاق واسع كما حدث نهاية النصف الاول من شهر مايو.

الأطماع الدولية في أوزبكستان:

تقع أوزبكستان في منطقة تقاسم نفوذ سياسي وثقافي واقتصادي فهي ساحة خلفية لروسيا التي ورثت الاتحاد السوفياتي، وأطماع روسيا لا تزال قائمة ليس في أزبكستان فحسب بل آسيا الوسطى بكاملها ومنطقة القوقازولا سيماالدول الاسلامية التي أضحت نهبا لكل طامع من الشرق والغرب. وتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاخيرة تؤكد ذلك ” انهيار الاتحاد السوفياتي كان أكبر كارثة حدثت في القرن العشرين ” و سليل الاستخبارات الروسية يسعى منذ توليه السلطة جعل الجمهوريات المسلمة في القوقاز ووسط آسيا في دائرة نفوذه. والولايات المتحدة تريدها مكانا لمراقبة الصين ومناطق نفوذ جديدة حيث تقيم قواعد عسكرية فوق أراضي أزبكستان، و كانت الاتصالات بين واشنطن و طشقند قد بدأت في منتصف الثمانينات على قاعدة ” النفط و القواعد العسكرية مقابل ضمان السلطة ” و بذلك أصبح كريموف شرطي المنطقة مثل شاه ايران سابقا تمارس من خلاله اميركا نفوذها في آسيا الوسطى. كما تمثل أهمية استراتيجية بالنسبة للصين المتعطشة لنفط آسيا الوسطى و خاصة نفط بحر قزوين، و اسرائيل الباحثة عن فضاء يطوق المحيط الرافض لوجودها، والزحف من خلال محاصرة المركز الاسلامي عبر أطرافه، إضافة لتركيا وباكستان وايران و السعودية و بقية دول العالم الاسلامي التي تربطها مع دول المنطقة وشائج ثقافية و اقتصادية، لكن نفوذها مقارنة مع الاطراف الاخرى يعد ضعيفا للغاية. و تعتبر القوى المتصارعة في آسيا الوسطى المنطقة هشة و معرضة للزوال في أي لحظة، مستحضرة في ذلك ما حدث قبل أحداث أزبكستان في غيرغيرستان التي فر رئيسها بعد احتجاجات شعبية عارمة. و هذا ما دفع كريموف لارتكاب مجزرة في أنديجان العام الماضي للحيلولة دون السقوط في مصير جاره الغيرغيرستاني. لكنه لم يدرك بأن قتل الناس و إقامة بحور الدماء على مذبحة السلطة قد غذى المعارضة و مكنها من أوراق جديدة و أسلحة جديدة تستخدمها ضده.

استراتيجية العدوان:

و في خضم التحولات التي يشهدها العالم الاسلامي و لا سيما منذ سنة 2001 فإن الهدف الاستراتيجي للغرب و لا سيما أميركا هو المحافظة على مناطق النفوذ عبر دعم السلط الغاشمة مع تشجيعها على قدر من الانفتاح تمتص به حالة الاحتقان، وفي حالة انفلات زمام الامور من أيديها يكون تقسيمها و تفتيتها هو الحل الجاهز. وهذا ما ينطبق على ازبكستان و غيرها من الدول الاسلامية بما في ذلك العراق و غير العراق. وتعتقد المصادر الغربية إن أزبكستان بها مناطق نفوذ بعضها تابع للرئيس كريموف لكنها متاثرة بالنفوذ العسكري الروسي و بنفوذ أميركا التي أضحت أزبكستان إحدى قواعدها بعد الحرب على أفغانستان في سنة 2001 حيث تم إقامة قاعدتين عسكريتين اميركيتين في البلاد. وتخشى أميركا أكثر من المناطق التي بها شروط البقاء مثل الماء و الزراعة و الذي ينطبق على سهل فرغانة الواقع بين أوبكستان و غيرغيستان و طاجيكستان و الذي يعد معقلا للحركات الاسلامية في آسيا الوسطى. كما تحدد مناطق أخرى لنفوذ الجهات المحلية المرتبطة بجهة داخلية أو دولية بعينها.

أوزبكستان إلى أين:

لا شك أن الاحداث التي شهدتها أزبكستان العام الماضي و تحديدا والجانب الشرقي منها سيكون له ما بعده فهي بداية لثورات أعم و أكبر، ما لم يبادر كريموف لتصحيح مساره الحالي و تعامله مع الشعب الازبكي بطريقة حضارية، و السماح لاحزاب المعارضة بحرية التعبير و تنظيم المظاهرات السلمية و الاحتكام لصناديق الاقتراع لحل الخلافات السياسية و توزيع الثروة بشكل عادل. كما أن المعارضة و بعد تجربة 16 سنة من حكم كريموف لم تجد في نظامه ما يدعو للتأني في انتظار الاصلاحات التي لم تأت و لم يعلن عنها في أوزبكستان حتى الآن بل لم يعلن حتى عن اجراء تحقيقات مستقلة فيما جرى في انديجان، وبالتالي فإن المعارضة قد تلجأ إلى الاحتكام للسلاح مرة أخرى، خلافا لما جرى في جمهوريات أخرى مثل أوكرانيا و غيرغيرستان وغيرها. في حين ستظل القوى الاقليمية و لا سيما روسيا و القوى الدولية و تحديدا أميركا و حلف شمال الاطلسي ترقب الاوضاع عن كثب بعد أن وضعت المعارضة الاسلامية تحت المراقبة الشديدة، و هذه القوى متأهبة للتدخل العسكري المباشر وهي تروج الآن لمقولة إن ” استقلال الجمهوريات السوفياتية السابقة أدى للعنف، ولم تتحسن حياة الناس رغم وجود النفط الذي يتم اقتسامه بين كريموف و شركات التنقيب ” و ” جمهوريات متخلفة تقلصت هويتها الوطنية و ليس لها ثقافة و محكمومة بالبروباغاندا التي يمارسها كريموف ” ورغم استعداد هذه القوى للتدخل بقوة السلاح إلا أنها لا تمتلك برامج تنموية كما هو الحال في افغانستان و العراق، وهو ما يؤكد أطماعها في ثروات البلاد و ليس في تنمية شعبها. فروسيا تسعى للهيمنة من جديد باسم روسيا الكبرى بدل الاتحاد السوفياتي و أميركا تسعى لتقليص الحضور الروسي وبناء امبراطورية امبريالية بدون بدائل اقتصادية و سياسية بما فيها ارساء دعائم الديمقراطية و التعامل مع الواقع لا قمعه. و التآمر مع الديكتاتوريات و الامبرياليات الاخرى ضد الشعوب و ثرواتها. وفي كل الاحوال تبقى المقاومة و المقاومة بأشكالها المختلفة فقط الحل الوحيد لمواجهة الديكتاتوريات والاحتلال على حد سواء.

اترك رد