كوالالمبور – صهيب جاسم 

يعتبر العمل على توجيه ضربة قاسية لتيار مجموعات الكتائب الإسلامية المتواجدة في الساحة الإندونيسية أحد أبرز مجالات “استثمار” تفجيرات بالي في 12 أكتوبر 2002 من قبل واشنطن وحلفائها. وهو ما كان مستعصيا قبل بالي، وصار ممكنا بعدها. فمع أن أعداد المنضوين تحت ألوية هذه “الكتائب” أقل بكثير من عشرات الملايين المنضمين إلى الحركات الإسلامية الرئيسية بالبلاد، فإن وجودهم يقلق واشنطن وحلفاءها بما فيهم بعض القوى الإندونيسية المدنية والعسكرية.

فمما هو واضح في سياسية أمريكا تجاه إندونيسيا، محاولتها الاستفادة من أجواء “ما بعد بالي” لتعويق وصول قوى إسلامية تعتبرها واشنطن “راديكالية” إلى الحكم ومراكز النفوذ؛ خصوصا أن الإسلاميين من المعتدلين والعصريين والتقليديين، يحظون بتأثير شعبي واسع وحضور برلماني قوي.

ولأن كثيرا من أعضاء الكتائب الإسلامية كانوا سابقا على صلة بكبرى الحركات الإسلامية – التي بمجموعها تشترك في رفضها لسياسيات أمريكا تجاه بلادهم والعالم الإسلامي – فإن تحركات واشنطن تقلق أيضا الحركات الإسلامية “الأمهات” الكبرى التي يعتقد بعض قادتها بأن استهداف من يسمون غربيا بالراديكاليين هو استهداف لجميع طموحات وآمال الإسلاميين عموما بصورة غير مباشرة: كقضية تطبيق الشريعة، ووقف موجة التغريب، والإفساد، والتنصير، والنهوض بالبلاد اقتصاديا تحسينا لمعيشة عشرات الملايين من مسلمي البلاد، ووقف الدعم الخارجي لحركات التمرد والانفصال.

ولم يكن هذا الهدف خفيا، بل أعلن على لسان مسؤولين أمريكيين وعبر أبرز وسائل إعلام أمريكا وأوروبا وأستراليا، بقولهم: إنه من الضروري استهداف هذه التيارات الإسلامية، متعددة المجموعات، بتهمة تورطها فيما يصفونه بالإرهاب والتطرف.

وفي المقابل لا يخفي المسؤولون الأمريكيون رغبتهم في رؤية ما يعرف بتيار “الإسلام الليبرالي” ينمو في أكبر بلاد المسلمين. ومع أن المنضمين إليه أقلية “نادرة” في الشارع؛ فإنهم يتلقون دعما ماليا وفكريا من الخارج، بما في ذلك تأسيس جامعة وشبكة تنظيمة لهم في العامين الماضيين. وقد رفع قادتهم شعار “الإسلام اللطيف”، الأقرب إلى أمريكا والغرب!

وقد تحدث السفير الأمريكي بإندونيسيا “رالف بويس” في أكثر من مناسبة عن دعم هذا التيار وشخصياته؛ داعيا إلى إرسال المزيد من الطلبة المسلمين إلى الجامعات الأمريكية “لتحييد الإسلام الراديكالي” بتخريج طلبة “إسلاميين ليبراليين”، على حد قوله.

توسيع دائرة القهر

القلق مما تقدم عليه أجهزة الأمن الإندونيسية في المرحلة المقبلة، ينبع من كون التنظيم المدعو دوليا بـ”الجماعة الإسلامية”– المتهمة بالارتباط بالقاعدة– متواجدا على قائمة الإرهاب من قبل دول غربية والأمم المتحدة قبل تحديد حقيقتها. وهو ما جعل زعيم جمعية نهضة العلماء – صلاح الدين وحيد– يحذر من أن يكون اتهام تنظيم إسلامي بالتفجيرات مقدمة لوصم آخرين؛ قائلا: “إنني أخشى تكرار ما حصل في الستينيات عندما حظرت الحكومة الحزب الشيوعي الإندونيسي، ثم استهدفت أعدادا كبيرة من الأشخاص والمنظمات بتهمة الارتباط به”.

وقال زعيم جمعية محمدية د. أحمد شافعي معارف: “أصحاب العقول الضيقة هم فقط من يقولون بأن مسلمي إندونيسيا جزء من الجماعة الإسلامية. فهذه الجماعة، إن وجدت، لا تشكل إلا مجموعة صغيرة؛ وعلى الحكومة أن تدافع عن موقفها بشأن حملة الإرهاب”.

كما حذر قانونيون وأكاديميون من مغبة توسيع دائرة الاتهام والاشتباه، لتشمل تنظيمات وكتائب إسلامية ترفع شعارات مماثلة لما قيل من شعارات وأهداف عن تنظيم الجماعة الإسلامية.

وقال أحد المحامين المعروفين: “ما لم تكن هناك أدلة دامغة على تورط جماعة بعينها، فإن على الحكومة ألا تندفع بفعل الضغوطات الأمريكية.. وأن تكون حذرة للغاية”.

ظاهرة عامة ومعقدة

ظاهرة وجود “كتائب” و”ميليشيات مدنية” ليست خاصة بالإسلاميين في إندونيسيا، كما يتصور. فهناك على سبيل المثال كتائب مسيحية اشتُهرت باسم “جيش عيسى” وكذا “جبهة مالكو المستقلة” اللتين ظهرتا في جزر الملوك دعما لـ”حركة جمهورية مالكو الجنوبية” الانفصالية.

بل إن ظاهرة الكتائب والميليشيات المدنية تأصلت كجزء من الثقافة السياسية، وكصوت عال بين القوى الشعبية والسياسية في البلاد. وكان الرئيس السابق سوهارتو يستخدمها في حكمه العسكري كجدار أول يفصل بينه وبين حكومته وجيشه من جهة، والشعب من جهة أخرى.

ومن هذه القوى الشبابية: “شباب البانتشاسيلا” (أو شباب المبادئ الوطنية الخمسة)، التي ظلت إلى وقت قريب ذات نفوذ واسع للغاية، بالإضافة إلى “منتدى أبناء وبنات العسكريين المتقاعدين”، وغيرها من التنظيمات الكتائبية والميليشيات المدنية التي كانت تتهم في عصر ديكتاتورية سوهارتو بأنها وراء بعض الصراعات وأعمال العنف لأهداف سياسية.

ويقول المحلل الإندونيسي د.جفري وينترس بأنه في خضم الحملة على ما يسمى بالإرهاب، فإن نقطة هامة جدا تظل مهملة، وهي أن كثيرا من الكتائب والميليشيات المدنية ترتبط بالجيش. ولكن هذا لا يعني أن ظهور تنظيم ما هو نتيجة لموقف وسياسة جماعية في المؤسسة العسكرية؛ ولكن الوصف الأدق هو أن يقال: إنه تنظيم يرتبط بعدد من الجنرالات النشطين أو المتقاعدين.

ومع أن ارتباط الجيش بالعديد من الكتائب والتنظيمات – التي سنذكرها- ما يزال مثار جدل وبحث، فإن إندونيسيا – تاريخيا – شهدت مثل هذه الحالات على يد الكولونيل ذو الكفل لوبيس في الستينيات، والجنرال علي مويرتوبو في السبعينيات.

فقد نشط الأول في عهد الرئيس سوكارنو مؤسسا تنظيما سريا يرفع شعار الإسلام ليخدم أهدافا سياسية يسعى إليها، محاولا توريط شباب من “منظمة شباب مجلس شورى مسلمي إندونيسيا” المعروفة آنذاك، في نفس الوقت الذي سعى لتأسيس مليشيات “حركة معاداة الشيوعية”. وقد قبض على بعض الشباب الذين دفعوا للقيام ببعض الأعمال؛ وكانوا يعتقدون أنهم حقا يقومون بعمل جهادي إسلامي كما أكدوا على ذلك في المحكمة.

وتظل هذه الحالة محل اعتبار المراقبين؛ ولكن لا يمكن تعميمها في وصف جميع ما سنذكره من أسماء تنظيمات إسلامية يصعب فهمها بدقة من الوهلة الأولى.

الكتائب الإندونيسية المستهدفة

في الموضوعات التالية من هذا الملف سنتحدث عن أبرز الضحايا السياسيين لتداعيات تفجيرات بالي؛ وهما: جبهة الدفاع عن الإسلام (أو الجبهة الدفاعية الإسلامية)، وعسكر جهاد (أو جيش الجهاد)، ثم نذكر الكتائب الأخرى التي يسلط عليها الضوء في الأوساط الإعلامية والأمنية الأجنبية حاليا، مع التأكيد على وجود العشرات من هذه الكتائب الصغيرة والمتوسطة الأخرى من غير المشهورة.

وسنلاحظ أن هذه “الكتائب” عرفت في الساحة الإندونيسية من خلال قضايا مختلفة قد يتميز بالنشاط فيها أحدها؛ وقد يقوم التنظيم الواحد بالاهتمام بعدة قضايا؛ ومن ذلك:

* مواجهات مع النصارى أو مع الأقلية الصينية لأسباب دينية وسياسية واقتصادية.

* أعمال عنف وتفجيرات يتهمون بتدبيرها.

* محاربة الفساد الأخلاقي ومصادره، مع تهاون الحكومة وعدم قيامها بجهود عملية في ذلك؛ وغياب سلطة رقابية رسمية مسؤولة عن ذلك.

* أنشطة سياسية تتناول القضايا المحلية للمجتمع المسلم كتطبيق الشريعة والوقوف أمام التنصير.

* الاهتمام بما يدور في الساحة الدولية من قضايا المسلمين تعاطفا معها وتأييدا لها؛ وخصوصا قضية فلسطين ومعاداة الصهيونية، وكذا غيرها من القضايا الدامية ككشمير والشيشان والعراق والفليبين وغيرها.

* الاهتمام بالعلاقة مع واشنطن وغيرها من حلفائها؛ وهو ما قد يصل لحد التهديد بضرب المصالح الأمريكية والدعوة لمقاطعة المنتجات الأمريكية وإغلاق بعض المحلات الأمريكية.

* صراعات إثنية وعرقية ودينية في مناطق معينة خصوصا مع النصارى، أو حتى مواجهات مع تيارات منحرفة كالحديثيين من منكري القرآن والقاديانيين والأحمدية.

* المطالبة بالحصول على حقوق معينة عمالية أو اقتصادية أو غيرها.  

اترك رد