بانجي – أفريقيا الوسطى | أحوال المسلمين

يعيش بضعة آلاف من مسلمي أفريقيا الوسطى في العاصمة بانغي بحالة حصار، تدعي القوات الأممية حمايتهم من هجمات مليشيات البالاكا المتكررة، بعد أن نزح أغلبهم منذ مجازر عام 2013 بعد الانقلاب.

شهدت بانجي العاصمة تغييرا في تركيبتها السكانية بعد أن غادرها معظم المسلمين خوفا على أنفسهم إلى مناطق أخرى، ولم يبق منهم إلا قلة اختاروا البقاء والتمسّك بأرضهم وممتلكاتهم.

“كيلو خمسة”، آخر معقل لازال يمتلكه المسلمين فى بانجي، هناك يتمسك العديد من المسلمين بمقولة “من يمتلك السلاح، تكون له الكلمة، ومن تكون له الكلمة، تكون له السلطة الكاملة”، و على اثر هذا أنشأ المسلمون مجموعة مسلحة للدفاع عنهم أسموها قوات الدفاع؛ يتزعم هذه القوات القائد العسكرى “نور” و الذي صرح خلال المجازر قائلا ” بيت مسلم واحد بثلاثين بيتاً نصرانياً”، مؤكدا على لسانه أن قوات الدفاع تدافع عن كل حق من حقوق إخوانها.

آثار الحرب لا تخفى على أحد وهى الأكثر بروزاً في الحي، الدمار والقتل تسبب فى هجرة آلاف العائلات التى قد حرّقت منازلهم، و دمرت مساجدهم، و سرقت أغلب مقتنياتهم من لدن الميليشيا النصرانية تارة و جنود البعثة الأممية تارة أخرى.

هنا في كل تقاطع شارع تجد نقاط التفتيش، حيث يقوم الجنود بتفتيش البطائق التعريفية للمواطنين و السماح أو الإذن لهم بالمرور الى الجهة الأخرى، من المهام التي يقومون بها أيضا (الجنود) رصد أى حراك أو تظاهرة فى محيط المنطقة الخاصة بالنصارى و المسلمين، فضلاً عن العديد من أبراج المراقبة البدائية التى قد بُنيت من رفات البيوت التى عثروا عليها.

المسجد المركزي في حي الكيلو خمسة في بانجي
المسجد المركزي في حي الكيلو خمسة في بانجي

جنود قوات الدفاع عن النفس القاطنين بمنطقة “الكيلو خمسة” ما هم إلا مجموعة من شباب عاطلين عن العمل، لا يسمح لهم بمغادرة الحي و لا يقدرون على التجارة لفقرهم الشديد بعد أن سرقت أمتعتهم، فقدوا عائلاتهم أثناء الحروب والآن يريدون القصاص، ويتدرب معهم كثير من الأشبال الصغار، من بينهم “عواد” ذو الستة أعوام والذى يحارب منذ الخامسة، فعندما تنظر لوجهه ترى رجلاً وليس طفلاً.

“قتلت الأنتى بالاكا (مليشيا نصرانية) جميع عائلتي” هكذا قال عواد بصوت حزين ناظراً إلى القائد “يوسف أحمد” الرجل الثانى فى قيادة الميليشيا المسلمة والذى ظهر فجأة من داخل أحد البيوت التى تستخدم كوحدة طبية، فقاطعه قائلاُ :”وذلك حتى يعرفوا جيدا أن رسالتنا ستكون قوية وواضحة”.

وأكمل عوّاد قائلاً :”إننى أقاتل دفاعاً عن المسلمين”، و يكمل :”لقد أرسلنى والدىّ لقضاء حاجة، وعندما عُدت إلى البيت وجدت ميلشيا الأنتى بالاكا قد قتلتهم جميعاً، لذلك ذهبت إلى قوات الدفاع الذاتى وأصبحتُ جندياً فى صفوفهم”. كان عواد فى البداية يحمل لهم الرسائل ويأتى لهم بالطعام ويساعدهم فى ذلك، أما الآن فهو يشكل جزءاً هاماً فى صفوفهم، فهو يحرس القائد “فورثى أنيميرى”.

واستكمل عوّاد حديثه قائلاً :”لقد رحبوا بي وهم الآن يعتبرونني واحداً من عائلاتهم” ناظرا إلى القائد أحمد الذى كان يبادله النظرات بابتسامة؛ هذا الطفل الذى ذاق الموت وعرف معنى البؤس فى عمر مبكر جداً و ذلك مقابل عدم تدخل المنظمات الدولية وعدم وصول مساعدتها.

فى الوحدة الطبية يوجد “حسان عبد العزيز” جريح منذ ستة أشهر، قد تمزقت ساقه اليمنى تماماً فقد أصيبت بثلاث طلقات مما أدى إلى تعفنها وإصابتها بغرغرينا، و لا يزال مستلقيا على نقالة، إنها معجزة أنه مازال على قيد الحياة.

أحد المتاجر المتواجدة داخل حي الكيلو خمسة في بانجي
أحد المتاجر المتواجدة داخل حي الكيلو خمسة في بانجي

” هذا هو كل ما أملكه من الدواء” هكذا قال حسان مشيراٌ إلى صينية بجانبه تحتوى على بعض من حبوب الباراسيتامول والإسبرين. يستدرك حسان :”الألم غير محتمل بالمرة، لا يمكننى أن أتحمل أكثر من ذلك، لكن لا أريد أن يبتروا ساقى”.

“يبلغ طول المنطقة خمسة كيلو مترات مربعة وهذه هى النقطة التى تحدث فيها غالبية المناوشات” هكذا وصف يوسف المنطقة، التي تبعد أمتار قليلة من محطة الإنقاذ الواقعة على جسر حدود قناة المياه الكبرى المنسكبة من المنطقة المسيطر عليها من قبل النصارى، والتى تقابلها فى الجهة المعاكسة لها، و التي تعتبر نهاية أراضيها.

و صرح الرجل الثانى في قوات الدفاع عن النفس قائلا” العدو فى الجانب الآخر، و تارة يقوم بالهجوم لإثارة الحرب والاستفزاز دون سابق انذار، ومن أجل ذلك نعبر الجسر سريعا إلى الجانب الآخر حتى نتبين عن بُعد مواقع النصارى المزعومة”، و يضيف يوسف بإصرار” نحن لا نهاجم، نحن ندافع عن أنفسنافقط، وفى كثير من الأحيان نتجنب تلك المناوشات حتى يسود الإستقرار فى المدينة”.

مدرسة نصر الدين في حي الكيلو خمسة بالعاصمة بانجي
مدرسة نصر الدين في حي الكيلو خمسة بالعاصمة بانجي

في الحي ذي الغالبية المسلمة، يتوافد النصارى التجار و معارف كثر للمسلمين الى الحي من أجل الزيارة أو بغية عمل، بينما يقيم آخرون جنبا الى جنب مع المسلمين، و خلال تواجدهم في الحي تحرص قوات الدفاع على تأمين تحركاتهم و الدفاع عنهم، و قد علّق أحد هؤلاء النصارى قائلاً :” قوات الدفاع عن النفس تحمينا وتجعلنا نعيش فى سلام”.