شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل فى العشرين من الشهر الجاري اجتماعات عالية المستوى لتقييم الجهود المبذولة لإنهاء الصراع في أفريقيا الوسطى وإيقاف العنف في هذا البلد ذو الغالبية السكانية المسيحية التي اتجهت للمقاومة المسلحة في ديسمبر الماضي ؛ لإنهاء انقلاب استولى به تحالف للقوى الإسلامية المسلحة (سيليكا) على مقاليد الحكم في البلاد.

ويقول المراقبون إن أعمال القتال التي انطلقت من مقاطعة ميسكايني الواقعة على مسافة 650 كيلومترا إلى الشمال من العاصمة بانجوي مطلع العام الماضي كانت الوثبة الأولى لمقاتلي السيليكا المتمردين فى طريق سيطرتهم على عاصمة الحكم بانجوي.
وأضافوا أن الصراع المسلح الدائر بين تحالف يضم الحركات الإسلامية المتمردة فى أفريقيا الوسطى (سيليكا) والميليشيات المسيحية المناوئة لها لا يعبر فى حقيقته عن صراع ديني بقدر ما يعبر عن صراع على تقاسم ثروة البلاد ومقاعد الحكم فيها.
وتعد منطقة ميسكاينى التى انطلقت منها الشرارة الأولى للتمرد الإسلامى فى أفريقيا الوسطى ، أحد المناطق التى تعايش فيها المسلمون والمسيحيون جنبا إلى جنب لأوقات طويلة قبل وقوع الانقلاب.
وقال أحمد آدم شقيق قائد الانقلاب الإسلامى في البلاد أن الصراع فى أفريقيا الوسطى ليس فى حقيقته صراع ديني بين المسيحية والإسلام ولكنه صراع المهمشين المسلمين فى مواجهة المستحوذين المسيحيين على السلطة والاقتصاد وكافة مناحى الحياة العامة.
وأكد آدم أن التمييز هو السر فى ثورة المسلمين فى أفريقيا الوسطى ..نافيا أن يكون الهدف من تلك الثورة إقامة دولة إسلامية بل دولة يتعايش فيها المسيحيون والمسلمون جنبا إلى جنب فى أمة واحدة بلا تمييز.
ويشكل المسلمون نسبة تتراوح بين 10 إلى 15 فى المائة من مجموع سكان أفريقيا الوسطى ، ويعيش غالبيتهم فى شمالها الأقصى الذى تفصله عن باقى مناطق البلاد مستنقعات يستحيل اجتيازها لمدة 6 أشهر من كل عام بسبب الأمطار.

وتعد مناطق تكتل مسلمي أفريقيا الوسطى هي الأعلى فقرا و الأشد تخلفا حيث تنعدم الخدمات ؛ لا مدارس ولا كهرباء ولا تعليم ولا طرق ولا مستشفيات.
وتحتاج الرحلة بين مناطق الشمال المسلم فى أفريقيا الوسطى وعاصمتها بانجوى عشرة أيام متصلة ، الأمر الذى أوجد عزلة نفسية و مكانية لسكان الشمال المسلمين عن قلب الدولة ..إضافة إلى عزلتهم الثقافية ؛ بسبب الدين وهو ما جعلهم أقرب نفسيا و مكانيا من دول شمال أفريقيا الوسطى مثل السودان وتشاد التى يسهل عليهم الوصول إليها ، فالذهاب مثلا إلى مستشفيات ولاية نيالا السودانية أيسر لأبناء شمال أفريقيا الوسطى من السفر للعلاج فى عاصمة بلادهم.
وعادة ما يرسل أبناء شمال أفريقيا الوسطى من المسلمين الميسورين أبناءهم إلى الدراسة فى الخرطوم ، ويقول خبراء الاجتماع السياسي إن السياج الثقافي الفاصل بين شمال أفريقيا والثقافة الإسلامية وجنوب الصحراء الكبرى ذو الثقافة المسيحية هو نفسه ذلك السياج الفاصل بين شمال أفريقيا الوسطى المسلم و شمالها المسيحي.

وفي مارس من العام الماضى ..اجتاز مسلمو شمال أفريقيا الوسطى هذا السياج الثقافي ، محتجين على سياسات التهميش و الإقصاء التي تبناها تجاههم رئيس أفريقيا الوسطى المسيحى الديانة فرانسوا بوزازى الذى فر لاجئا إلى الكاميرون المجاورة وهو ما وفر فرصة كبيرة لزعيم الانقلاب مايكل جوتوديا لتنصيب نفسه رئيسا للبلاد ليصبح أول رئيس مسلم لأفريقيا الوسطى فى تاريخها ، كما صار القيادى أحمد آدم وهو شقيق نور الدين آدم أهم قادة تحالف التمرد الإسلامى (سيليكا) وزيرا للداخلية فى النظام الجديد.
وتصنف التقارير الدولية عادة أفريقيا الوسطى – التى تعادل فى مساحتها ولاية تكساس الأمريكية – على أنها أحد أشد بلدان العالم فقرا ، لكن لقادة الانقلاب رأى آخر ، فيقول نور الدين آدم أقوى قيادات تحالف التمرد الإسلامى إن أفريقيا الوسطى ليست بلدا فقيرا بل بلدا منهوبة موارده الطبيعية السخية ، واتهم رئيسها الفار فرانسوا بوزازى بأنه لم يفعل شيئا سوى القمع والبطش وفوقهما الإقصاء والتهميش والقتل لمسلميها.
وبدأ بوزازى فى الخامس من ديسمبر الماضي هجوما مضادا على الانقلابيين الإسلاميين الذين أخرجوه من الحكم ، حيث بدأ فى تعبئة ميليشيات مسيحية مسلحة مستغلا فى ذلك خوف مسيحيو أفريقيا الوسطى من حكامهم المسلمين الجدد.
وفيما تنتشر أعمال النهب والتخريب فى العاصمة بانجوى ، دقت الأمم المتحدة ناقوس خطر حول الوضع الإنسانى المتردي فى البلاد ؛ نتيجة تصاعد أعداد النازحين والمشردين من أفريقيا الوسطى بحثا عن ملاذ آمن ، لاسيما فى الكونغو الديمقراطية المجاورة وتشاد والسودان.
ويسعى برنامج الغذاء العالمى إلى إيصال إمدادات الغذاء لنحو مائة ألف مشرد فى العاصمة بانجوى مستئنفا بذلك نشاطه الذى توقف بسبب أعمال النهب التى وقعت فى مستودعات الأغذية التابعة للأمم المتحدة فى بانجوى.

ويقول خبراء الأمم المتحدة إن 2ر2 مليون من أبناء أفريقيا الوسطى يحتاجون إلى مساعدات غذائية ، وهو ما يعادل نصف عدد سكانها تقريبا ، إضافة إلى مليون مشرد تقريبا يحتاجون لمواد إغاثة عاجلة.
وأفادت تقارير بسقوط المئات من القتلى فى مناطق المواجهات منذ إجبار متمردى (سليكا) لرئيس البلاد فرانسوا بوزازى على الفرار إلى الكاميرون فى مارس من العام الماضي.
وتقدر تقارير مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أعداد النازحين فى أفريقيا الوسطى بنحو 930 ألف نازح تركوا ديارهم للنجاة بحياتهم ، وقد أقامت المفوضية 67 معسكرا استيعابيا فى أطراف العاصمة بانجوى استوعب 512 ألفا و 672 نازح يشكل الأطفال 60 فى المائة منهم ، كما تستضيف عائلات فى أفريقيا الوسطى أسرا نازحة مجموعها 45 ألفا و367 فرادا خارج منظومة الأمم المتحدة ، كما فر إلى خارج أفريقيا الوسطى قرابة 100 ألف شخص قصد معظمهم أراضى أفريقيا الوسطى المجاورة.
وبلغ إجمالى كميات الغذاء التى أرسلتها الأمم المتحدة إلى المشردين فى أفريقيا الوسطى منذ الخامس من ديسمبر الماضى 205 آلاف و871 طنا ، كما وضعت خطة المائة يوم لإيصال مساعدات إنسانية ودوائية إلى مشردى أفريقيا الوسطى بفاتورة قدرها 2ر152 مليون دولار أمريكى دعت الأمم المتحدة المانحين الدوليين إلى تدبيرها.

وقامت الأمم المتحدة بتسكين 20 ألفا و336 لاجئا من أفريقيا الوسطى فى مخيمات استيعاب تتبعها و تشرف عليها مفوضية اللاجئين الأممية فى كل من تشاد والسودان والكونغو.
كل هذه الأوضاع دعت دولا مثل مالى و النيجر و نيجيريا و السنغال و الكاميرون وتشاد وساحل العاج إلى إجلاء رعاياها من أفريقيا الوسطى خلال الأيام الماضية .
وفى بيانه الصادر فى السادس من يناير الجاري ، اعترف مجلس الأمن الدولى بأن الأوضاع فى أفريقيا الوسطى تتردى منذ تجدد أعمال العنف فى الخامس من ديسمبر من العام الماضي ، وما استتبع ذلك من ارتفاع فى وتيرة القتل بسبب الهوية الدينية وبوادر تقسيم أفريقيا الوسطى إلى أقسام يسيطر عليها مسلمون و أخرى يسيطر عليها مسيحيون ولكل ميليشياته ومقاتلية وأسلحته.

وإزاء هذا الوضع ، قرر مجلس الأمن الدولي دعم قوات حفظ السلام العاملة فى أفريقيا الوسطى والبالغ قوامها ستة آلاف فرد وتعزيزهم بقوات من الكونغو الديمقراطية قوامها 850 فردا استكملت انتشارها هذا الأسبوع فى أراضى أفريقيا الوسطى ، وكانت هذه القوات قد بدأت عملها فى الخامس من ديسمبر الماضى بقرار من مجلس السلم و الأمن الأفريقى وتفويض من الأمم المتحدة.
ودعا مجلس الأمن الدوليى إلى إعطاء أولوية فى التنمية لمناطق سكنى المسلمين فى شمال أفريقيا الوسطى التى لا تزال تعانى فقرا وتهميشا بعد خمسين عاما من الاستقلال وهو ما أعطى الصراع فى أفريقيا الوسطى طابعا دينيا فى ظاهره وإن كان صراعا على التنمية وعدالة تخصيص الموارد فى حقيقته.
كما قررت الأمم المتحدة تقديم دعم مالي قيمته 10 ملايين دولار أمريكي من صندوق مواجهة الطوارىء والأزمات لدعم موازنة برنامج الغذاء العالمي لإنقاذ أفريقيا الوسطى وهي الموازنة التى ستستنزف بنسبة 90 فى المائة بنهاية فبراير القادم.

وحث مجلس الأمن الدولي قادة الجماعات الإسلامية المسلحة فى أفريقيا الوسطى إلى نبذ العنف والانخراط فى علمية سلام و تصالح و دعا دول جوار أفريقيا الوسطى إلى الابتعاد عن تأجيج الصراعات الداخلية باستخدام الدين والعمل على بناء تكامل اقتصادى وتنموى لكافة بلدان إقليم وسط أفريقيا وحث قادة الانقلاب من مسلمي أفريقيا الوسطى على التعاون مع جهود المصالحة و الوساطة التى يقوم بها الاتحاد الأفريقى والمدعومة دوليا وأوروبيا والعمل على نزع السلاح غير الشرعي من أيدى حامليه.
وتعمل فرنسا بمقتضى القرار رقم 2127 الصادر عن مجلس الأمن الدولي على توفير ملاذات آمنة لقرابة 800 ألف نازح داخلي فى أفريقيا الوسطى منذ منتصف ديسمبر الماضي وتأمين قوافل الإغاثة الإنسانية وضمان وصولها إلى مقاصدها ، ومن بينها إمدادات إغاثة بقيمة 40 مليون يورو قررها الاتحاد الأوروبى لضحايا الصراع فى أفريقيا الوسطى.

وكان الاتحاد الأوروبى قد قرر فى الثالث والعشرين من ديسمبر الماضي فرض حظر توريد السلاح إلى أفريقيا الوسطى إعمالا لقرار مجلس الأمن الدولى رقم 2127 لسنة 2013 الصادر فى الخامس من ديسمبر الماضي.
ومنذ أن أطاح تحالف سيليكا الذي يضم غالبية من المسلمين بقيادة جوتوديا ، بنظام الرئيس فرنسوا بوزيزي في مارس ، دخلت أفريقيا الوسطى في دوامة أعمال عنف طائفية.
يشار إلى أن رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى ميشال جوتوديا المتهم من المجتمع الدولي بعدم التصدي لأعمال العنف الطائفية في بلاده ، قدم استقالته أمس في إنجامينا تحت ضغط زعماء وسط أفريقيا الذين دعوا إلى قمة استثنائية ، كما تقدم رئيس وزرائه نيكولا تيانغاي الذي كان على علاقة سيئة بجوتوديا ما تسبب بشل أي تحرك رسمي لوقف أعمال العنف الكبيرة في البلاد ، باستقالته.
وبعد وصول هذه الأنباء إلى بانجي ، نزل آلاف السكان المغتبطين إلى الشوارع للتعبير عن فرحهم وهتفوا في مختلف أنحاء العاصمة “انتهى الأمر، انتهى الأمر”.

اترك رد