يقول المثل العربي المشهور: “أسد علي وفي الحروب نعامة”، ونحن نرى في هذه الأيام بأم أعيننا مدى انطباق هذا المثل على رئيس أوزبكستان الدكتاتور المتسمي بـ”إسلام كريموف” الذي خرج أمام شاشات الإعلام ليعلن بأن الذي يقف وراء الاضطرابات العرقية في جنوب قرغيزستان هو طرف ثالث وعبارة عن جهات خارجية، دون أن يجرأ على تسمية تلك الجهات.

نحن لا ننكر وجود الطرف الثالث الذي يثير الفتن بين الشعوب الإسلامية، ويزرع الشقاق والخلاف والحروب بينهم، بل نحن أول من يقول ذلك، وقد كتبت في ذلك مقالاً سابقاً، وقد وقع ما كنت توقعت، وللأسف، ولا نستبعد أن يكون الطرف الثالث مكوناً من عدة دول معروفة بمحاربتها الإسلام والمسلمين بمختلف الذرائع والأساليب، ولكن عجائب آخر الزمن لا تنقضي، فمِن ذلك أن يلقي المجرمون الحقيقيون باللائمة على الآخرين دائماً.

من المعلوم أن الهجمات الوحشية على القومية الأوزبكية في جنوب قرغيزستان (أوش، جلال أباد، بازارقورغان …) والتي بدأت في اليوم التاسع من إبريل الجاري أدّى إلى مقتل الآلاف منهم وإحراق منازلهم ومصادرة ممتلكاتهم وفرار مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ إلى أوزبكستان المجاورة لارتباطهم بها قرابةً ودماً وبلداً وديانةً منذ قرون طويلة.

وبعد مرور أكثر من أسبوع على هذه المجازر يخرج علينا الدكتاتور الأوزبكي “إسلام كريموف” ليعلن وكأنه اكتشف معلومة لم يسبقه إليها أحد وهي أن جهات خارجية حاولت جرّ أوزبكستان إلى محاربة جارتها قرغيزستان، وأنهم فشلوا في ذلك، حيث إن أوزبكستان لا تتدخل أبداً في شئون الدول الأخرى، كذا قال.

ومن المعلوم أيضاً للجميع بأن الرئيس الأوزبكي ومنذ أكثر من عشرين سنة يحكم أوزبكستان بقبضة من حديد، وقد قتل جلادوه الآلاف من الشباب المسلم في السجون، كما ارتكبت قواته مجزرة بشعة في شوارع أنديجان قبل خمس سنوات فقط، مما جعل آلاف الأوزبكيين يهربون إلى قرغيزستان آنذاك.

كما قام كريموف بقمع كل الأحزاب السياسية المعارضة، بالإضافة إلى هروب مئات الآلاف بل الملايين من أبناء الشعب الأوزبكي إلى مختلف دول العالم بحثاً عن لقمة العيش أو عن أي دولة تحميهم من طغيان السلطات الأوزبكية.

وأما بقية الشعب الأوزبكي المسلم في داخل البلاد والبالغ عددهم أكثر من خمس وعشرين مليون نسمة فإنهم ما زالوا يعيشون في أوضاع مأساوية، وقد تحولت هذه الجمهورية المظلومة إلى سجن كبير.

الرئيس الأوزبكي الذي يتغطرس على شعبه لا يستطيع الآن أن يصدر أمراً واحداً فقط بعبور الجيش الأوزبكي البالغ عدده أكثر من مائة ألف جندي مجهزين بالطائرات والدبابات ومختلف الآليات العسكرية (أكثر من الجيش القرغيزي بمرات عديدة) إلى الحدود القرغيزية، لا للدفاع عن الأوزبك الذين يتعرضون للإبادة، ولا لقتال القرغيز، بل من أجل حماية مصالح حكومته على الأقل.

لأن كريموف في ظننا لم يفكر في يوم من الأيام في الدفاع عن الشعب الأوزبكي، ولكنه يفكر دائماً كيف يستطيع الجلوس في كرسيه أطول قدر ممكن من السنوات {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة}.

ولكنه إن كان يفكر في كيفية الدفاع عن مصالح حكومته مرات ومرات، فإنه يفكر في تداعيات دخوله في حرب ما مع دولة ما أو في تجاوز حدودها ولو لضرورة قصوى يفكر فيها مليون مرة، حتى تمضي السنون تلو السنين.

فالمثل السابق (أسد علي وفي الحروب نعامة) ينطبق تماماً على حال الرئيس الأوزبكي وجيشه وحكومته الجبناء الذين يتذرعون ويعتذرون الآن لخورهم بأن طرفاً ثالثاً قد وضع فخاً لهم وكميناً محكماً إذا هم تجاوزوا الحدود، فيا له من عذر، عذر أقبح من الذنب !

ومن شدة جبنه وخوره لا يستطيع أن يفصح عما يقصد بكلامه هذا، فهل يقصد بالطرف الثالث الحكومة الروسية، كما يتوقع العديد من المحللين السياسيين، أو يقصد أمريكا والغرب، أو يقصد نفسه، وهو الأقرب للواقع في نظرنا، حيث إن الرئيس الأوزبكي نفسه من أكبر الأسباب التي أدت إلى جرأة سفهاء القرغيز على ارتكاب هذه المجازر الهمجية بحق الأوزبك، لأنهم أيقنوا تماماً بأن كريموف لا يمكن أن يعاقبهم بل ولا أن يفكر في ذلك “فمن أمن العقوبة أساء الأدب”.

بل على العكس تماماً، فقد كانت استخبارات كريموف وقواته السرية يساعدون أجهزة الأمن القرغيزية في قتل وتصفية واختطاف علماء أوزبكيين من مواطني قرغيزستان، ولم يسلم الصحفيون الأوزبكيون في قرغيزستان من طغيان الاستخبارات الأوزبكية التي تتحرك بكل حرية في حدود قرغيزستان.

فمن أشهر المشايخ الذين قتلتهم القوات القرغيزية بالتعاون مع الاستخبارات الأوزبكية الشيخ الداعية رفيق قاري كمال الدين، وذلك في عام 2006م ومن أشهر المشايخ المخطوفين الشيخ صادق جان الأوزجندي، وذلك في عام 2003م. وأما من الصحفيين الأوزبكيين فالشاب المشهور “عليشير صائبوف” الذي كان ينشر في جريدته السياسية المسماة بـ”السياسة” جرائم السلطات الأوزبكية، وقد قُتل على أيدي أناس مجهولين في وسط مدينة أوش في عام 2007م.

كما أن كريموف قد افتضح وحشيته وهمجيته في قمع شعبه وإبادتهم وجهوده المستمرة في ذلك منذ سنوات، فالرئيس الذي يقتل ويذبح قومه كيف يمكن أن يدافع عنهم ويحميهم؟!

وأما بعض الساذجين الذين انخدعوا بإيواء قرابة مائة ألف لاجئ أوزبكي هربوا من قرغيزستان إلى أوزبكستان، فإننا نتمنى منهم أن يدركوا الحقائق التالية جيداً:

1. إن الرئيس الأوزبكي لم يقدّم للنازحين سوى فتح الحدود أمامهم لفترة قليلة فقط بسبب التدفق الهائل للنازحين، ومعظمهم من النساء والأطفال والعجائز.

2. أراد كريموف بذلك أن يكتسب شهرة واسعة أمام العالم ليظهر بمظهر الرئيس الإنساني المشفق على شعبه وعلى الناس عموماً، وقد تحقق له ذلك بعد أن شكرته منظمة الأمم المتحدة وأثنت عليه أمام العالم.

3. أدرك كريموف بأن إيواء هؤلاء اللاجئين يُدِرّ عليه مساعدات مالية كبيرة من الأمم المتحدة والدول والمنظمات الغربية، مما يعزز اقتصاده وبالتالي مواصلة سيطرته وغطرسته في البلاد. وقد أعلنت حكومته وتشدقوا منذ الأيام الأولى بأنهم صرفوا خلال يوم أو يومين فقط أكثر من مليون دولار على اللاجئين.

4. كما سعى كريموف بالسماح لإيواء اللاجئين أن يستر عورته التي انكشفت بطريقة فاضحة حيث أثبت مدى وحشيته وطغيانه على شعبه، ومدى جبنه وخوره في مسألة الدفاع عنهم حين يتعرضون لأبشع أنواع التطهير العرقي.

5. الذين قاموا بإيواء النازحين هم الشعب الأوزبكي نفسه، المشهورون بكرمهم وحبهم للضيوف وإكرامهم، بشهادة القاصي والداني، وليس حكومة كريموف، فقد قام أهل أنديجان وسائر مدن وادي فرغانة بإيواء معظم اللاجئين في بيوتهم ودورهم، وهذا واضح من تصريحات صحفية لكثير من اللاجئين، حيث بينوا أن الأهالي أفسحوا لهم أماكن واسعة في بيوتهم، وأنهم يجهزون لهم ثلاث وجبات يومياً. وأما الخيام التي نصبتها السلطات للاجئين فهي قليلة لا تكفي إلا لعدد قليل منهم، ولذلك قامت السلطات الأوزبكية بإغلاق الحدود أمام بقية اللاجئين بعد أن سمح بدخول ما يقرب من ثلثهم فقط.

ومهما يكن من أمرٍ، فإن مئات الآلاف من اللاجئين الفارّين بأرواحهم وأطفالهم الرضّع وشيوخهم الركّع والأمهات المكلومات قد أصبحوا اليوم بلا مأوى يؤويهم، فقد بقوا عالقين في العراء قرب الحدود الأوزبكية التي سرعان ما أغلقت في وجوههم، فليس لهم دولة تحميهم، وليس لهم بيت يسكنونه ولا فراش يلتحفون به، بل يفترشون الأرض ويلتحفون بالسماء وبالخيام القديمة الممزقة، والله المستعان ، وإليه الشكوى، {وإنا لله وإنا إليه راجعون}.

اترك رد