بقلم / أبو الحسين آل غازي

نبذة عن بنغلاديش

لعل معظم الإخوة المسلمين العرب لا يعرفون التفاصيل عن بنغلاديش لكونها أقل تقدما فى مجال الاقتصاد والتقنية مثل الدول الإسلامية الآسوية الأخرى ، فبنغلاديش ليست كل المناطق الناطقة بالبنغالية ، وإنما هي جزء واحد منها تسكنها الغالبية الإسلامية ، والمناطق البنغالية الأخرى –مثل غرب البنغال وآسام وتريبورا- هي داخل الهند الجارة لبنغلاديش ، والمسلمون فيها أقلية ، والبنغال البنغلاديشيون يعيشون حياة اقتصادية وتعيلمية أفضل من البنغال المواطنين فى الهند ، ونسبة المسلمين فى بنغلاديش حوالى 95% ، والبقية أكثرهم هندوس ، وبعضهم بوذ ، وبعضهم مسيحيون ، وعدد سكان بنغلاديش حسب إحصائية الأمم المتحدة عام 2011م 160 مليون ، ويقاس الآن عددهم بأكثر من 170 مليون نسمة ، وتعد بنغلاديش ثالث أكبر دولة إسلامية فى العالم وسابع أو ثامن أكبر دول العالم باعتبار السكان ، مساحة دولة بنغلاديش حوالي 144000 كيلو متر مربع ، وهي الدولة رقم 94 على مستوى العالم من حيث المساحة ، الأمر الذي يجعل الكثافة السكانية شيئا جديرا بالملاحظة ، هناك مقارنة تثير الدهشة أيضًا في حقيقة أن عدد سكان روسيا أقل بنسبة طفيفة من عدد سكان بنغلاديش على الرغم من أن مساحة روسيا حوالي 17.5 مليون كيلو متر مربع وهي أكبر بحوالي 120 مرة من مساحة بنغلاديش ، وكانت اقتصاد بنغلاديش قبل 50 عاما أفضل من اقصاد ماليزيا وتايلند ، إلا أن الكثافة السكانية وسوء الإدارة وعجز الساسة خلَّفتها منهما كثيرا .

ويعد سكان بنغلاديش من أكثر شعوب العالم إيمانا بالدين ، حيث لا يستطيع أي ملحد النيل من الدين علنا ، كانت بنغلاديش قبل أكثر من 250 عام تُحكم من قبل الحكام التابعين لدلهي –عاصمة الهند- ، والمناطق البنغالية هي أول ما وقعت تحت احتلال بريطانيا فى شبه القارة الهندية ، حيث سقطت على يد الانجليز عام 1757م فى حرب وقعت بينهم وبين حاكم البنغال سراج الدولة انتهت بانهزامه ومقتله . وتم سقوط دلهى على يد الانجليز بعد مائة عام من ذلك ، أى عام 1857م عقب ثورة للجنود على المحتلين الانجليز الذين شاركوا المسلمين فى الحكم .

وكانت الأوضاع المعيشية والأمنية فى غاية السوء للمسلمين الذين لم يرتضوا بحكم الانجليز ، حيث تم حرمانهم من المناصب الحكومية وإحالتها إلى الهنادس الذى فرحوا بسقوط حكم المسلمين ، وبعد صبر ومجاهدة تمتد لمائتى عام حصل مسلمو القارة الهندية ومعهم الهنادك على استقلال بلادهم عام 1947م ، إلا أنه لم يسطتع الحكم الإسلامى العودة إلى دلهى وما تجاورها من المناطق ذات الغالبية الهندوسية ، وتم تشكيل دولة باكستان بالمناطق ذات الغالبية المسلمة عدا ولاية كشمير وبعض المحافظات ، مثل كريم غنج فى آسام .

الحدود الحالية لدولة بنغلاديش تأسست في عام 1947م ، عندما أفتى معظم مسلمى بنغلاديش لصالح دولة باكستانالإسلامية والانضمام إليها فى الاستفتاء الشعبى الذى أجرته المحتلون الانجليز فى ذلك العام ، وتم عقبها تسمية بنغلاديش باسم “باكستان الشرقية” ودولة باكستان الحالية باسم “باكستان الغربية” ، مع أن بينهما فاصلة بألف وستمائة كيلومتر (حوالي ألف ميل) تقع فيها الولايات الهندية المختلفة ، وكان عدد سكان “باكستان الشرقية” حينها أكثر من “باكستان الغربية” ، لكن كانت مساحة “باكستان الغربية” أكبر 5 مرات من “باكستان الشرقية” ، وكانت إسلاماباد هي العاصمة للدولة ، وكان معظم المنصاب الرئاسية والوزارية والمسؤوليات الكبرى للدولة كانت بيد أهل “باكستان الغربية” ، فشكى أهل “باكستان الشرقية” من الإهمال الاقتصادي والتمييز السياسي واللغوي ما أدَّى أخيرا إلى ثورة شعبية ضد غرب باكستان ، الأمر الذي أدى إلى قيام حرب الاستقلال في عام 1971 وقيام دولة بنغلاديش ، وكانت الولايات المتحدة الأميركية والصين معارضتان قويتان لاستقلال بنغلاديش ، وإنما استقلت بنغلاديش بتأييد ومساعدة الاتحاد السوفيتى والهند ، وبعد استقلال الدولة الجديدة استمرت بها المجاعات والكوارث الطبيعية وانتشر في أنحائها الفقر والاضطرابات السياسية والانقلابات العسكرية ، إلا أن في عام 1991م عاد النظام الديمقراطي في البلاد واتبعه استقرار نسبي وتقدم اقتصادي مستمر .

قصة المدارس العربية فى بنغلاديش وأزمتها الحالية

هناك فى كل حى أكثر من مسجد وكتاب قرآنى صباحى ، ومعظم الأطفال يذهبون إلى المدارس النظامية بعد العودة من الكتاتيب ، ويوجد بجانب المدارس والكليات والجامعات النظامية مدارس وجامعات عربية ، وهي منقسمة بين منهجين ، قسم يتبع منهج “دار العلوم الديوبندية” ، وقسم يتبع المنهج الذى وضعه المستشرقون أيام الحكم الإنجليزي بـ”المدرسة العالية العربية بكلكتا” ، وكلا المنهجين يتبع الفقه الخنفي ، والجدير بالذكر أن الحكومة الإنجليزية كانت أسست “المدرسة العالية العربية بكلكتا” تحقيقا لمطالب المسلمين فى التعليم بعد 23 سنة من احتلال مناطق البنغال وإلغاء التعليم الإسلامي فيها ، وأدارت هذه المدرسة بالمستشرقين هدفا لإضعاف الانتماء الإسلامي للدارسين فيها ، إلا أنها لم تنجح كما أرادت، وهذا القسم من المدارس العربية مدعومة من الحكومة ومعترفة شهاداتها رسميا ، وللحكومة عليها رقابات ، إلا أن العمل التعليمي والتربوي فيها ضعيف بالنسبة للمدارس العربية التى تتبع المنهج الديوبندي ، ويجدر بالذكر هنا أن قائد العلماء الثائرين على الحكومة الإنجليزية فى شبه القارة الهندية الشيخ قاسم النانتهوي أسس جامعة دار العلوم الديوبندية عام 1866م فى محافظة أتهر برودش بالهند بعد ما شعر أن الكفاح المسلح لا ينجح ضد الاستعمار ما لم يتم إعداد جيل مسلم مزود بالعلم الشرعى الخالص ، فترك الكفاح المسلح وانشغل بالتعليم والتربية ، ويوجد الآن عشرات آلاف من المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي فى الهند وباكستان وبنغلاديش ، وقد لعب خريجو جامعة دار العلوم الديوبندية دورا أكبر فى تحرير شبه القارة الهندية –الهند وباكستان وبنغلاديش- من الاستعمار البريطاني كما لعب أيضا دورا كبيرا خريجو مدرسة كلكتا العالية العربية .

وفى الهند وباكستان اعترفت الحكومة أخيرا بشهادة المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي مع شرط عدم الرقابة عليها ، لأنه لا  توجد  فى باكستان وفى معظم أنحاء الهند المدارس العربية التابعة لمنهج مدرسة كلكتا العالية ، أما فى بنغلاديش فلا اعتراف من الحكومة لشهادة المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي ، الأمر الذى جعل كثيرا من الناس لا يُلحقون أبنائهم بهذه المدارس ، والسبب لعدم هذا الاعتراف يرجع إلى أسباب ، وهي : عدم رغبة ولاة أمور هذه المدارس إلى الاعتراف الحكومي خوفا من الرقابة الحكومية ووثنية الشهادة ، (2) انقسام هذه المدارس تحت مجالس عدة وبعضها لا تنتمى إلى أي مجلس ، (3) تواجد آلاف من المدارس العربية التابعة لمنهج مدرسة كلكتا العالية ، والتى هي مدعومة ومعترفة شهادتها من الحكومة .

ويوجد فى بنغلاديش الآن أكثر من 20 ألف مدرسة عربية بالإضافة إلى آلاف حلقات تحفيظ القرآن المجيد ، ومعظمها تتبع المنهج الديوبندي ، وتُطلق كبائرُ المدارس التابعة لمنهج مدرسة كلكتا العالية على نفسها لقب “المدرسة الفاضلية” و”المدرسة الكاملية” بعبارته العربية كما تُطلق كبائرُ المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي على نفسها لقب “الجامعة” ، وذلك أيضا بعبارته العربية ، وتُدرس فى الأعوام النهائية الدراسية لهذه المدارس “الكاملية” و”الجامعة” كتب الأحاديث الصحاح الستة –صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن أبو داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه- إضافة إلى موطأ الإمام مالك وموطأ الإمام محمد ومعاني الآثار للطحاوي- ، وتقع أكبر خمس هذه المدارس “الجامعة” فى منطقة شيتاغونغ .

الجيل الحالى لخريجى المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي يعاتب اليوم كبارهم لعدم أخذ الخطوات الناجحة فى الأيام الفائتة وحتى فى الأيام الحالية لإجبار الحكومة على الاعتراف بشهادتهم ، ولانقساهم إلى مجالس عدة ما يُعرقل المساعي الهادفة إلى الحصول على الاعتراف ، هذا جانب واحد من المشاكل التى تعانى منها المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي ، وأما المشكلة الكبرى التى تعاني منها هذه المدارس هى غياب الرؤيا القوية للتعليم الإسلامي الصالح للمكان والزمان ، والهادف إلى إعداد ورثة مؤهلين لعلم النبوة والرسالة ، وهذه المشكلة والآفة حصرت هذه المدارس فى تدريس الكتب المؤلفة قبل ألف عام فى الفقه والعقيدة والمنطق والنحو والصرف والبلاغة وعدم اهتمامها بمادة التاريخ ومادة الجغرافيا ومادة اللغة الإنكليزية ومادة المصطلاحات العربية الجديدة والمواد الحديثة الأخرى وحتى مادة اللغة الوطنية –البنغالية- ، فهي تسير على ما كانت قبل 150 عام أيام الاستعمار البريطاني ، وهذا هو السبب الأكبر لضعف الوعي الإسلامي في ثالث أكبر بلد إسلامي فى العالم وبلد سدس مليار مسلم .

وأما المدارس العربية التابعة لمنهج مدرسة كلكتا العالية فهي أيضا تعاني كثيرا من هذه المشكلة -غياب الرؤيا القوية للتعليم الإسلامي الصالح للمكان والزمان ، والهادف إلى إعداد ورثة مؤهلين لعلم النبوة والرسالة- ، ومشكلتها الإضافية فى هذا الأمر هي ضعف العمل التربوي للطلبة والطالبات ، ويجدر بالذكر هنا أن المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي يحظر على الدارسين فيها والمدرسين حلق اللحية أوقصها تجاوزا حدها الشرعي ، وكذا لبس البنطلون والقميص الإنجليزي وتعرية الرأس من القلنسوة أثناء التدريس وغيرها من مآخذ الآداب الإسلامية ، وهذا الاهتمام بالآداب الإسلامية ضعيف جدا فى المدارس العربية التابعة لمنهج مدرسة كلكتا العالية ، بل يوجد بها مدرسون غير مسلمين لمواد الحساب والجغرافية والرياضية وغيرها ما لا يتصور أبدا فى المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي .

ومشكلة أخرى التى يعانى منها الحريصون على نشر التعليم الإسلامي فى بنغلاديش عبر المدارس العربية التابعة للمنهج الديوبندي والخالية من الرقابة الحكومية هي الأزمة المالية ، وإن كانت لكبائر المدارس العربية موارد مالية خاصة موقوفة من المحسنين فإن أكثر المدارس العربية ليس لها أي مورد مالي دائم غير التبرعات والصدقات التى تأتيها من عامة المسلمين ، لذا فهي تعانى من أزمة مالية حادة ما تُجبرها خفض رواتب المدرسين أو عدم سدادها ، الأمر الذى ينفر الخريجين الجيدين من انشغال مهنة التدريس فيها .

اترك رد